طريقنا إلى الله | حـ5 | الاستغفار | أ.د. علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ5 | الاستغفار | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الباقيات الصالحات هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
  • كلمة "استغفر الله" مفتاح مهم في الذكر، وتعني طلب المغفرة من الله من الغفلة أو القصور أو التقصير أو الخطيئة.
  • القلب له بابان: باب على الخلق وباب على الحق.
  • باب الخلق يجب أن يظل مفتوحاً لتحقيق مراد الله في عمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف.
  • باب الحق يُفتح للضراعة إلى الله، ومنه تدخل الأنوار الإلهية.
  • من باب الخلق تدخل الأغيار وهي أحوال الدنيا من شهوات ورغبات ونكد وكدر واختلاف.
  • الحالات الأربعة للقلب: إغلاق البابين (جنون)، فتح باب الخلق وإغلاق باب الحق (غفلة)، فتح باب الحق وإغلاق باب الخلق (تجلٍ)، فتح البابين (كمال).
  • استغفار النبي ﷺ كان من غين الأنوار لا من غين الأغيار، فكان علواً في المقام لا نقصاً.
  • كان قلب النبي ﷺ منفتح البابين تحقيقاً للكمال المطلوب منه.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس والتذكير بالعشرة الطيبة من الأذكار

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

معًا في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، تكلمنا عن العشرة الطيبة [من الأذكار]:

  1. سبحان الله
  2. الحمد لله
  3. لا إله إلا الله
  4. الله أكبر
  5. لا حول ولا قوة إلا بالله
  6. استغفر الله
  7. إنا لله وإنا إليه راجعون
  8. حسبنا الله ونعم الوكيل
  9. توكلت على الله
  10. والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد عرفنا كثيرًا من معاني هذه الكلمات الطيبات، وعرفنا أن الخمسة الأولى تُسمى بالباقيات الصالحات.

معنى كلمة استغفر الله وأقسام الاستغفار المتعددة

وكلمة استغفر الله مفتاح مهم، مفتاح مهم في قضية الذكر. والألف والسين والتاء في لغة العرب تدخل [على الفعل بمعنى الطلب]، يعني أن أطلب المغفرة من الله.

والغفران قد يكون من الغفلة، وقد يكون من القصور، وقد يكون من التقصير، وقد يكون من الخطيئة، وقد يكون من الخطأ. ولكل واحدة من هذه الأقسام معانٍ وتشعبات.

استغفار النبي ﷺ وبيان أن للقلب بابين على الخلق وعلى الحق

والنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا الاستغفار حتى قال:

قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»

وذلك أن القلب له بابان: باب على الخلق وباب على الحق. باب أتعامل فيه مع هذه الأكوان والرسوم والأشخاص والأحوال، مع الزمان والمكان الذي وضعنا الله سبحانه وتعالى فيه.

ونحن مأمورون بأن نُعمّر هذه الدنيا؛ هذا أمر إلهي ومراد رباني وامتحان واختبار من عند الله سبحانه وتعالى، لا بد أن أنجح في هذا الاختبار والامتحان: الامتناع عن الفساد في الأرض، بل وتعمير هذه الحياة وتعمير هذه الأرض.

باب الخلق مفتوح لتحقيق مراد الله في عمارة الأرض والاستخلاف

ولذلك فالباب الذي هو مفتوح على الخلق لا بد أن يظل مفتوحًا حتى نحقق مراد الله سبحانه وتعالى في الاتصال بهذا الكون والاتصال بهذا العالم والاتصال بهذه العمارة.

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

خليفة يتخلّق بأخلاق الله، خليفة يتعلّق بجلال الله، خليفة يُصدّق بكمال الله سبحانه وتعالى: الجمال والجلال والكمال. وسنرى معًا كيف أن أسماء الله الحسنى أيضًا فيها هذا التقسيم: أسماء جلال وأسماء جمال وأسماء كمال.

الأمر الإلهي بعمارة الأرض والنهي عن الفساد والظلم

نعم، باب الخلق للعمارة:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

فالله سبحانه وتعالى أمرنا فقال:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارها. والله لا يحب الفساد، الله سبحانه وتعالى لا يحب المفسدين ولا يحب العدوان ولا يحب الظلم؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة.

إلى آخر هذه المنظومة الأخلاقية التي بيّنها لنا ربنا سبحانه وتعالى في الكتاب، وشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة.

باب الحق يدخل منه الأنوار وباب الخلق تدخل منه الأغيار

باب الخلق يجب أن يكون مفتوحًا، وباب الحق باب يُفتح للضراعة إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا فُتح باب الحق دخلت منه الأنوار، وإذا فُتح باب الخلق دخلت منه الأغيار.

[والأغيار] تعني أحوال الدنيا من الشهوات، من الرغبات، أحوال الدنيا من النكد، من الكدر، أحوال الدنيا من الاختلاف، من تنوع أحوال الناس في الدنيا، سواء أكانت صالحة أو طالحة، أحوال الدنيا من الخير ومن الشر.

أما باب الحق فلا يدخل منه إلا الأنوار، وغير هذه الأنوار يُسمى أغيارًا؛ أي غير النور. فيدخل فيها ما قد يكون أنوارًا باهتة، قد تكون حسب تقويمنا لها في الحياة الدنيا بمقياس الشرع الشريف وبمقياس الله.

اشتداد الأنوار بالذكر والطاعة وأثرها في إغلاق باب الخلق

فباب الخلق يدخل منه الأغيار وباب الحق يدخل منه الأنوار. إذا اشتد الإنسان في الأنس بالله وفي طاعة الله وفي ذكر الله، تشتد هذه الأنوار، تشتد هذه الأنوار، تشتد هذه الأنوار حتى تُغلق باب الخلق.

ويصبح الإنسان في هذه الحالة قد فُتحت له أبواب الحق وأُغلق عليه باب الخلق. الإنسان حينئذ يستلذ ويشعر براحة وأنس أنه ابتعد عن المشكلات وعن العالم وعن أحوال الدنيا بما فيها من نكد وكدر وتغيّر واختلاف إلى آخره.

لكنه يرجع فيرى أنه لا بد من فتح باب الخلق طاعةً لله وتبليغًا لرسالته وعملًا بأوامره في عمارة الأرض.

استغفار النبي ﷺ كان من غين الأنوار لا من عين الأغيار

ولذلك يستغفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غين الأنوار لا من عين الأغيار. لو الأغيار فقط تدخّلت تُغلق باب الحق ويصبح الإنسان غافلًا.

لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم غافلًا؛ كانت تنام عينه ولا ينام قلبه أصلًا. بعد شقّ صدره الشريف وملئه بالحكمة، أصبح قلبًا ضارعًا.

وهذه الحادثة [حادثة شق الصدر] حدثت مرتين أو ثلاثة، بعد الإسراء والمعراج، بعد تنزّل الوحي عليه. كل هذه الأشياء ما جعلت هذا القلب أصلًا غافلًا. فباب الخلق لم يُغلق أبدًا عنده، وإنما كان يستغفر من غين الأنوار التي كانت تُغلق باب الخلق.

استغفار النبي ﷺ علوّ في المقام لا نقص وثناء القرآن على كماله

ثم يستغفر الله حتى يُفتح له باب الخلق حتى يقوم بتبليغ رسالته إلى الناس. فكان استغفاره علوًّا في المقام، ولم يكن استغفاره صلى الله عليه وآله وسلم ناتجًا من ذنوب أو أخطاء أو نقص، حاشاه صلى الله عليه وسلم.

فقد كان هو الإنسان الكامل الذي قال فيه ربه:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

والذي قال فيه ربه:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

والذي قال فيه ربه:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

والذي قال فيه ربه إلى ما لا نهاية في تعظيم القرآن الكريم لشأن سيد المتواضعين.

تواضع النبي ﷺ في سيادته وخلاصة بابي القلب والأحوال الأربعة

قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»

لا يقولها فخرًا وإنما يقولها لبيان منّة الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

فالقلب له بابان: باب على الخلق وباب على الحق. من الحق تدخل الأنوار، ومن الخلق تدخل الأغيار. ونحن بين أربعة أمثلة:

  1. أما إذا كان البابان مُقفلين فهو مجنون.
  2. وأما إذا كان باب الخلق مفتوحًا وباب الحق مغلقًا فهو غافل.
  3. وأما إذا كان باب الخلق مغلقًا وباب الحق مفتوحًا فيكون منجذبًا إلى الحق سبحانه وتعالى، ولكن يكون ناقصًا عن التمام والكمال في فتح البابين.
  4. كان قلبه صلى الله عليه وسلم منفتح البابين، وكان استغفاره من غين الأنوار لا من غين الأغيار.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.