عرض الأحاديث النبوية على القرآن | أ.د علي جمعة

بعض الناس يقول لا نأخذ أحكام الدين إلا من القرآن، وإذا كانت هناك أحاديث نبوية فلا نأخذها إلا إذا كانت موافقة للقرآن، ولا بد من عرضها عليه فما مدى صحة هذا القول؟ هذا القول صحيح مائة في المائة، وهو الذي سارت عليه الأمة سلفاً وخلفاً شرقاً وغرباً، وهو ما سار على نهجه الشافعي، وهذا ما فعله البخاري عندما أراد أن يؤلف صحيحه
ويجمعه، فهذا بالضبط ما فعله البخاري، لم يفعل شيئًا آخر. قامت الأمة في حالة علم وفي حالة إخلاص بجعل القرآن الكريم المصدر الأول بل والوحيد لكل ما يصدر عنهم أو يغرب، لكل ما يسير جهة اليمين أو اليسار، جعلوا القرآن الكريم هو الحجة وساروا وراءه. أين اللعبة إذن؟ لعبة عكس الاتجاه هذه؟ يقول لك كله صحيح صحيح صحيح والنتيجة خطأ. كيف ذلك؟ وكأن السائل تخيل
أن الأحاديث الصحيحة المروية ضد القرآن الكريم؛ ولذلك قال إعرض [الحديث الشريف على القرآن لإثبات الموافقة بينهما]، من الذي يعرض إذن؟ الذي يعرض هو الإمام الشافعي، وقد عرض؛ وقال: ما من حديث ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا وأصله في القرآن، "أخرجه البيهقي في مناقبه". إذن ها هو الشافعي فعل هذا، لذلك نحن نحب الشافعي. ولماذا نحن نحب أبا حنيفة؟ ولماذا نعظم الإمام البخاري؟ لأنه فعل هذا، فعل ما هم يريدون التلاعب به الآن. من الذي قارن بين هذه الأحاديث وبين القرآن فوجدها متطابقة؟ الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والطبري
والسفيانان ابن عيينة والثوري والحمّادان حماد بن سلمة وحماد بن سليمان وابن إباض وابن حزم؛ كانوا يفعلون ذلك جميعهم، إذ جعلوا القرآن المعيار، وكلما أتى حديث تعاملوا معه بهدوء وعلم وذكاء، وكل منهم كان لديه قوة ربط المعلومات ونظر يرى ما المآل الذي سيئول به إن قبلته أو رفضته، ويظل متعايشا شهراً واثنين وثلاثة مع هذا الحديث، وبعد ذلك يستشير إخوانه؛ فالشافعي يسأل
مالكاً ويسأل محمد بن الحسن، ويذهب إلى اليمن عند عبد الرزاق الصنعاني لكي يسأله، وبعد ذلك يأتي ليدرك تلاميذ الليث بن سعد في مصر، وبعد ذلك يجد تلاميذ مالك فيها، فيجلس في مجالس علمية نسميها الآن في الكليات "السمينار". نجلس في السمينار ونقلّب الكلام ونأخذه ونرده، وفي النهاية نخرج بنتيجة. كان أبو حنيفة يجلس وحوله ثلاثمائة عالم، ثلاثمائة. إذن عودًا للسؤال ما مدى صحة هذا القول؟ مدى صحته أنه صحيح مائة في المائة. ولكن إعرض؛ ومن الذي يعرض؟ الذي يعرض مَن الذي يملك الأهلية للعرض، قل لي فقط أنا متحير قليلاً.
حينئذ تعال واسأل يا أخي، اسألني، اسأل العلماء يا أخي. فيأتي معترضًا بقوله هكذا ستصبحون كهنة. لا، ناقشني حتى تقتنع أو تتعلم الأدوات كما تعلمنا، والتعليم مفتوح، لا نفرق بين أسود وأبيض ولا نفرق ما بين مصري وغير مصري ولا أي شيء. تفضل تعلم وقل؛ عندما تتعلم ستعرف وتنبهر بهؤلاء الناس الأكابر. نعم، أنت لديك الآن حيرة ما بين نص حديث ونص حديث آخر - دعنا من الحديث - وكذلك بين قرآن وقرآن، كيف يُحل؟ ابق في الحيرة إلى أن يُحل لأن هذا صحيح وهذا صحيح أيضاً ولكن من جهة؛ وهذه الجهة
هي غائبة عنك، ولذلك استعن بإخوانك، فكر فيها، اجعلها تقلقك، اجعلها تستفزك حتى تفكر وتجتهد وتحصل غايتها. أما أن تأتي وتقول: "أنا يبدو لي " - سنبدأ الآن بتصرفات المجانين - "هذه الاّية سيئة وتلك الاّية جيدة". لا، هم لم يفعلوا ذلك، لا، بل جلسوا وصنعوا حكاية قصة وبحثوا واتفقوا واختلفوا وهم يفكرون ويحللون، اختلفوا لماذا؟ لأن هذا الخلاف مبني على رصانة، وهذا الخلاف مبني على رصانة، وذاك الخلاف مبني على رصانة. فلنقبل الخلاف،
وليكن فيها أقوال وتكون من قبيل الظن. اتفقوا فيكون من قبيل القطع؛ فلا يوجد عاقل يقول إلا هذا، ولا أحد من العلماء يقول إلا هكذا، فهل يا ترى القرآن هو حجتنا الوحيدة؟ نعم، القرآن هو حجتنا الوحيدة. مكتوب عندكم هذا القول في الكتب؟ نعم، القرآن ورد متواتراً قطعياً. ها أنت قد قرأت "قطعياً" ولم تفهمها. قطعياً تعني ماذا؟ تعني أنه لا يوجد نزاع، لا يوجد خلاف، هذا هو الأصل، هو قطعي الثبوت. وماذا عن السنة؟ لا، قطعيّ الثبوت في السنة يبلغ مائة وعشرون حديثاً من جملة
ستين ألف حديث. مائة وعشرون على ستين ألف يساوي اثنين على الألف، وهذا لا يكفي، اثنان على الألف قليل جداً. ماذا تقول هذه الأحاديث المائة والعشرون المتواترة؟ "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ليذهب في ستين أو جلل كذاب، فالكذاب يذهب إلى الداهية. أنحن ندافع عن الكذابين؟ ما هذا الحديث الذي أقلقك وترفضه؟ ماذا يعني ذلك؟ فالمتواتر يبدو هكذا ولا يزيد عن مائة وعشرين حديثاً ألف فيهم جعفر الكتاني، وذكرهم "الإمام السيوطي في [الدر المنثور]" فيما ورد وإلى آخره. والبقية قال ثبوته ظني وأنت يا عزيزي تقرأ ولا تفهم ماذا
يعني "ثبوته ظني". ثبوته ظني يعني أن القرآن مقدم عليه، أي عند التعارض سنأخذ بالقرآن. ومن الذي فعل هذا الأمر؟ كلهم، كلهم قاموا بهذه العملية، ولذلك عندما فهمناهم انبهرنا بهم. فجاء شخص يقول لي: لماذا تنبهر بهم؟ فقلت له: اسكت يا جاهل اسكت، وما زال الانبهار بهم أيضاً، ثم يسأل هل أنتم تقدسونهم؟ قلت له: اسكت اسكت، أنت لا تفهم شيئاً على الإطلاق، أنت تتكلم لغة أخرى، ثم يعود فيقول: لكن ما يتعارض في ذهني ليس حديثاً واحداً، بل خمسون وستون وسبعون، مائة حديث. قلنا له: تقصد أحاديث يتناقض ويتضارب فهمها
في ذهنك؟ فيجيب، نعم. هل سألتَ واستقصيت؟ هل استعنت ورأيت ما معناهما بالتأني هكذا؟ قال: قرأت. صحيح أنك قرأت لكنك انتقلت من نص إلى نص، وستكون مشكلتك مع النص الجديد هي نفس مشكلتك مع النص القديم. أنت تفهم خطأً، هذه الحكاية [النصوص] كالجملة الواحدة. تعال ونبين لك أين خطؤك، لكن على فكرة ليس كل العلماء يستطيعون أن يبينوا له أين خطؤه. لماذا لا؟ هم ليسوا متفرغين، لأهم ماضون في بناء [الفهم والإدراك]، وصاحبنا جالس يخربش لأنه حائر، لكن لا عليه، فلا بد من تخصيص شخص للحائر هذا يفك حيرته، لكن اسأل واكتب هكذا واسأل، فيقول: لا،
أنا أريدك أن تناظرني في التلفزيون. لا، أنا لن أناظرك في التلفزيون لأنك جاهل. أصلاً فقدت الأدوات، وتريد المناظرة في التلفزيون، فأنت تريد أن تشوش على الناس بأن هذه مسألة خلافية، وهي أصول وقواعد، إما أن تأتي لتتعلم، وإما أن تناقش بما يرضي الله، وإما أن تنظر ماذا وراء الحيرة، وإما أن تسكت. ولذلك، هذا سؤال في مكانه الآن. قبل ذلك حدثتكم عن شخص كان اسمه محمد نجيب، ومحمد نجيب هذا كان رئيس هيئة التليفونات، وكان يملك سبعين
فداناً في البحيرة، باعها واشترى مطبعة وضعها في قبو منزله ليطبع الكتب لأنه لم يكن أحد يرضى أن يطبع له الكتب. محمد نجيب هذا توفي عام ألف وتسعمائة وستين، وعندما قامت الثورة في عام اثنين وخمسين عينوه وزيراً للمواصلات. جلس في الوزارة ثمانية وعشرين يوماً ثم تغيّرت الوزارة، فغادر ولم يسأل عنه أحد. قال محمد نجيب: "يا إخواننا، دعونا من هذا الحديث [الأحاديث النبوية]، دعونا من الحديث. ما هو الحديث الذي تتحدثون عنه؟ القرآن فقط. فقلنا له: "حسناً، ولكن أنت وأنت تقرأ القرآن وتدرس القرآن وتدرس الأشياء، هيا ادرس بعلم وتؤدة". قال: "أنا درست، خلاص.
ثم قال: لا يوجد صلاة؛ ألم يقل ربنا أقم الصلاة؟ إنها عشرة [صلوات]، وأنتم أناس ضالون جعلتموها خمسة. "اللهم طولك يا روح". ما هي العشرة؟ قال: "صلاة الفجر، والفجر، والعشرة، وصلاة الصبح، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة الشفع، وصلاة الوتر، والضحى، والعصر، والضحى، والفجر، وليالي". العشر والشفع والوتر، هذه الأشياء كلها تبلغ عشرة. قلنا له: كيف تصلي إذن؟ قال: اقرأوا ما تيسر من القرآن، فذكر اسم ربه فصلى. كل شيء موجود [في القرآن]. ولا تقل "الله أكبر"، قل "الرحمن أكبر". الرحمن فقط، الله،
الله، أي شيء. فعندما تقول "الله" هكذا وتقرأ ما تيسر من القرآن وبعد ذلك تسجد، ثم تقوم لتركع، من أين أتى بهذا؟ قال من: "يا مريم اسجدي لربك واركعي مع الراكعين". ها هي موجودة [في القرآن]. هذه مسألة غير منطقية، والله مسألة غير منطقية. لكن هذا الرجل كان صادقاً مع نفسه عندما أنكر السنة واستبعدها، حتمًا ستؤدي إلى هذه النتيجة، هكذا تكون النتيجة، وقال: إنه يجوز لك أن ترتكب معصية اثنين وستة من عشرة في المائة من أعمالك كل يوم، يعني تقدم مائة عمل خير وتعمل اثنين وستة من عشرة عمل شر،
فلا يحاسبك الله عليها. قلنا له: من أين أتيت بهذا؟ قال: الحج أشهر معلومات، أستكذب وتقول لا، قلت له: لا، الآية موجودة فعلا، الحج أشهر معلومات، فسألني: كم عدد أيام الحج؟ فأجبته، "تبدأ أشهر الحج في شهر شوال وشهر ذي القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة يساوي سبعين يوماً"، فقال: "قال تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، فواحد على سبعين؛ أي يوماً على سبعين يوماً يساوي كم؟ قلت له: "واحد وثلاثة من عشرة"، فقال لي: "بالزيادة". أو النقصان قلتُ له: "يكون اثنان وستة من عشرة". قال: "ها أنا أثبت لك الأمر، هذا تفكيرٌ، هذا تفكيرٌ منطقيٌ مع نفسه، لكن هذا لا علاقة له لا بالدين ولا بالدنيا". إذن، فلو قرأنا ما الذي حدث في تاريخ المسلمين لعرفنا
الفتن التي تُثار الآن وأصولها، وأنا متأكد طبعاً أن جماعة القرآنيون لم يعرفوا أصلاً عن محمد نجيب لأنهم لا يقرؤون، وأنا متأكد طبعاً أن أولئك الذين يَدعون لتنحية السنة لا يعرفون شيئاً إطلاقاً عن محمد نجيب، ولا أين مات، ولا إلى أين ذهب، ولا إن كان من البحيرة، ولا إن كان يملك سبعين فداناً أو ستين. يقولون: نحن لا نقرأ. ولكن هذا الكلام لا يُرضي الله - سبحانه وتعالى-. هذا الكلام يأخذنا إلى الوراء لأن الأمم تتقدم بالعلم وليس بالجهل ولا بالتحايل، فليس بالمكر تتقدم الأمم، بل تتقدم بالقواعد والرصانة التي رأيناها عند الشافعي ومالك والبخاري ومسلم وغيرهم، وليس بالكلام الفارغ ولا بالسخف هذا،
ولا تتقدم الأمم بالهتر؛ والهتر في اللغة هو الحمق. شخص قال من قبل: يا إخواننا دعوا الأحاديث، كان اسمه محمد أبو زيد الدمنهوري، ومحمد أبو زيد الدمنهوري هذا كان من دمنهور. ما هي مؤهلاته؟ الشيخ رشيد رضا أسس معهداً للدعاة لكي يعرّفهم بالحياة العصرية والأوضاع وما إلى ذلك. استمر سنتين أو ثلاثة ثم أغلق هذا المعهد. محمد أبو زيد الدمنهوري جاء وحضر في معهد الشيخ رشيد رضا هذا كل ما في الأمر، ثم قال: لابد للإسلام أن يحيا فألَّف
كتاباً أسماه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" وطبعه عند مصطفى الحلبي، وصدر الكتاب عام ألف وتسعمائة وثلاثين. عندما صدر في عام ألف وتسعمائة وثلاثين، إذا أمسكت الكتاب وفتحته تجده هامشاً بسيطاً على المصحف، أي هو مصحف حقيقي، تفتح المصحف فتجد تعليقات عبارة عن سطرين أو ثلاثة أو عشرة، سطرين أو ثلاثة أو عشرة على المصحف، لكنه في هذه السطور وإن قلت أنكر المعجزات وأنكر الإسراء والمعراج، وقال أبداً: إن الإسراء هو الهجرة من مكة إلى المدينة، والمسجد الأقصى هو مسجد المدينة، وأنكر الحدود وأنكر بعض قواعد الميراث وأنكر الكثير،
وهكذا. كتاب واحد، وعدد سطور معدودة لكنه فعل كل هذا بدعوى المعاصرة "دعونا نعيش التجديد"، فقام له العلماء ودرسوا [ما جاء به من مستحدثات]، وجاءت جماعة من دمنهور - وهو كذلك من بلدتهم - وألفت كتاباً اسمه "تنوير الأذهان في الرد على صاحب الهداية والعرفان" وهم يقصدون محمد أبو زيد الدمنهوري، ومن ضمن الآراء التي أوردها أن آدم ليس نبياً، وغيرها من الأفكار الغريبة! المهم أنهم ردّوا عليه، وأمسكوا بالأربع قضايا الأساسية: إنكار المعجزات، وإنكار الحدود،
وإنكار التشريع، وإنكار الميراث. وبدؤوا يردون عليه، وألّفت هيئة كبار العلماء سبعين صفحة نشرتها في مجلة "نور الإسلام" التي سُمّيت فيما بعد "مجلة الأزهر". لو قرأنا كلام محمد أبو زيد الدمنهوري لوجدنا بعض الإخوة يرددونه الآن، وأنا متأكد أنهم لم يسمعوا به. والله لو سمعوا به لأعددناهم من العلماء الكبار، فكيف سيسمعون به إذن [وهم لا يقرؤون]؟ فزهد الناس في الكتاب، واستُنقِذت منه نسخة وأُودعت في دار الكتب المصرية، فحُفظت ومُنع الاطلاع عليها. فلما أراد سيدنا الشيخ الذهبي، محمد حسين الذهبي، الذي ألف "التفسير والمفسرون"، أن يرى
هذا الكتاب، استصدر أمراً بالاطلاع عليه. فأطلع؛ فسماه "الاتجاه الإلحادي في تفسير القرآن"، وقال أنا فوجئت بأوضاع، وأنا أتسائل من أين أتت؟ كل هذا آتٍ من أنهم لم يتعلموا القواعد، حتى إذا جددوا، جددوا من غير أن يعود ذلك على الشريعة بالكلية بالبطلان، ولذلك تجد من يتصدرون هذا أغلبهم يسب الأئمة؛ ليس لديهم إلا هذا، ما هذا؟ يسب على الفور. عليك أن تنتبه فوراً، ما دام
يسب الأئمة فهو ليس منتبهاً، وإنما هو يعيش في حياته الخاصة.