عرض الأحاديث النبوية على القرآن | أ.د علي جمعة - فتاوي

عرض الأحاديث النبوية على القرآن | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • مسألة الاكتفاء بالقرآن وعدم الأخذ بالسنة إلا إذا وافقت القرآن ليست صحيحة، بل إن علماء الأمة جعلوا القرآن هو المعيار وعرضوا الأحاديث عليه.
  • كان العلماء كالشافعي ومالك وأبي حنيفة والبخاري وغيرهم يقارنون الأحاديث بالقرآن ويناقشونها في مجالس علمية دقيقة.
  • من أنكروا السنة وحاولوا فهم الدين من القرآن وحده وقعوا في أخطاء فادحة، كمحمد نجيب الذي زعم أن الصلوات عشر وليست خمس.
  • محمد أبو زيد الضمنهوري ألف كتاب "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" وأنكر فيه المعجزات والإسراء والحدود وأحكام الميراث.
  • هذه الدعوات تنشأ بسبب عدم تعلم القواعد الأصولية وفهم منهج العلماء، وأصحابها غالباً يسبون الأئمة ويزعمون التجديد.
  • تتقدم الأمم بالعلم والرصانة وليس بالجهل والتحايل، وينبغي اتباع منهج العلماء في التعامل مع النصوص.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

سؤال حول صحة الاكتفاء بالقرآن وعرض الأحاديث عليه

بعض الناس يقول: لا نأخذ أحكام الدين إلا من القرآن، وإذا كانت هناك أحاديث نبوية فلا نأخذها إلا إذا كانت موافقة للقرآن، ولا بد من عرضها عليه.

فما مدى صحة هذا القول؟ هذا القول صحيح مائة في المائة، وهو الذي سارت عليه الأمة سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، وهو ما سار على نهجه [الإمام] الشافعي، وهذا ما فعله [الإمام] البخاري عندما أراد أن يؤلف صحيحه ويجمعه، فهذا بالضبط ما فعله البخاري، لم يفعل شيئًا آخر.

الأمة جعلت القرآن الكريم المصدر الأول والحجة الوحيدة

قامت الأمة -في حالة علم وفي حالة إخلاص- بجعل القرآن الكريم المصدر الأول بل والوحيد لكل ما يصدر عنهم أو يغرب، لكل ما يسير جهة اليمين أو اليسار، جعلوا القرآن الكريم هو الحجة وساروا وراءه.

مكمن الخلل في تصور التعارض بين الأحاديث الصحيحة والقرآن

أين اللعبة إذن؟ مكمن الخلل في عكس الاتجاه هذه؟ يقول لك: كله صحيح صحيح صحيح، والنتيجة خطأ. كيف ذلك؟ وكأن السائل تخيل أن الأحاديث الصحيحة المروية ضد القرآن الكريم؛ ولذلك قال: اعرض [الحديث الشريف على القرآن لإثبات الموافقة بينهما].

والسؤال: من الذي يملك أهلية العرض إذن؟ الذي يعرض هو ممثل الإمام الشافعي، وقد عرض؛ وقال:

«ما من حديث ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا وأصله في القرآن» أخرجه البيهقي في مناقبه.

العلماء الكبار هم من قارنوا الأحاديث بالقرآن وأثبتوا التطابق

إذن ها هو الشافعي فعل هذا، ولذلك نحن نحب الشافعي. ولماذا نحن نحب أبا حنيفة؟ ولماذا نعظم الإمام البخاري؟ لأنه فعل هذا، فعل ما يحاولون [أي: يريدون] التلاعب به الآن.

من الذي قارن بين هذه الأحاديث وبين القرآن فوجدها متطابقة؟ الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والطبري والسفيانان (ابن عيينة والثوري) والحمّادان (حماد بن سلمة وحماد بن سليمان) وابن إباض وابن حزم؛ كانوا يفعلون ذلك جميعهم، إذ جعلوا القرآن المعيار.

منهج العلماء في التعامل مع الأحاديث بالتأني والمشاورة والنقاش العلمي

وكلما أتى حديث تعاملوا معه بهدوء وعلم وذكاء، وكل منهم كان لديه قوة ربط المعلومات ونظر يرى ما المآل الذي سيئول به [الحديث] إن قبلته أو رفضته، ويظل متعايشًا مع هذا الحديث شهرًا واثنين وثلاثة، وبعد ذلك يستشير إخوانه؛ فالشافعي يسأل مالكًا ويسأل محمد بن الحسن.

ويذهب إلى اليمن عند عبد الرزاق الصنعاني لكي يسأله، وبعد ذلك يأتي ليدرك تلاميذ الليث بن سعد في مصر، وبعد ذلك يجد تلاميذ مالك فيها، فيجلس في مجالس علمية نسميها الآن في الكليات السمينار [حلقات نقاش]، نجلس في السمينار ونقلّب الكلام ونأخذه ونرده، وفي النهاية نخرج بنتيجة.

كان أبو حنيفة يجلس وحوله ثلاثمائة عالم، ثلاثمائة.

العودة للسؤال عن أهلية العرض على القرآن ومن يملكها

إذن عودًا للسؤال، نعود للسؤال: ما مدى صحة هذا القول؟ مدى صحته أنه صحيح مائة في المائة، ولكن اعرض؛ ومن الذي يعرض؟ الذي يعرض مَن الذي يملك الأهلية للعرض؟

قل لي فقط: أنا متحير قليلًا، حينئذ تعال واسأل يا أخي، اسألني، اسأل العلماء يا أخي. فيأتي معترضًا بقوله: هكذا ستصبحون كهنة! لا، ناقشني حتى تقتنع أو تتعلم الأدوات كما تعلمنا، والتعليم مفتوح، لا نفرق بين أسود وأبيض ولا نفرق ما بين مصري وغير مصري ولا أي شيء، تفضل تعلم وقل.

التعلم يقود إلى الانبهار بالعلماء الأكابر ومعالجة الحيرة بالصبر

عندما تتعلم ستعرف وتنبهر بهؤلاء الناس الأكابر. نعم، أنت لديك الآن حيرة ما بين نص حديث ونص حديث آخر -دعنا من الحديث- وكذلك بين لو كان التعارض ظاهريًا بين قرآن وقرآن.

كيف يُحل؟ ابقَ في الحيرة إلى أن يُحل؛ لأن هذا صحيح وهذا صحيح أيضًا، ولكن من جهة؛ وهذه الجهة هي غائبة عنك، ولذلك استعن بإخوانك، فكر فيها، اجعلها تقلقك، اجعلها تستفزك حتى تفكر وتجتهد وتحصل غايتها.

التفريق بين التفكير العلمي الرصين والتصرفات غير المنهجية

أما أن تأتي وتقول: أنا يبدو لي -سنبدأ الآن بتصرفات المجانين- هذه الآية سيئة وتلك الآية جيدة، لا، هم [العلماء] لم يفعلوا ذلك. لا، بل جلسوا وصنعوا حكاية قصة وبحثوا واتفقوا واختلفوا وهم يفكرون ويحللون.

اختلفوا لماذا؟ لأن هذا الخلاف مبني على رصانة، وهذا الخلاف مبني على رصانة، وذاك الخلاف مبني على رصانة، فلنقبل الخلاف، وليكن فيها أقوال وتكون من قبيل الظن، وإن اتفقوا فيكون من قبيل القطع؛ فلا يوجد عاقل يقول إلا هذا، ولا أحد من العلماء يقول إلا هكذا.

القرآن هو الحجة الوحيدة وثبوته قطعي لا نزاع فيه

فهل يا ترى القرآن هو حجتنا الوحيدة؟ نعم، القرآن هو حجتنا الوحيدة. يقول: مكتوب عندكم هذا القول في الكتب؟ أقول: نعم، القرآن ورد متواترًا قطعيًا.

ها أنت قد قرأت "قطعيًا" ولم تفهمها. قطعيًا تعني ماذا؟ تعني أنه لا يوجد نزاع، لا يوجد خلاف، هذا هو الأصل، هو قطعي الثبوت.

الأحاديث المتواترة قطعية الثبوت لا تتجاوز مائة وعشرين حديثًا

وماذا عن السنة؟ لا، قطعيّ الثبوت في السنة يبلغ مائة وعشرين حديثًا من جملة ستين ألف حديث. مائة وعشرون على ستين ألف يساوي اثنين على الألف، وهذا لا يكفي، اثنان على الألف قليل جدًا.

ماذا تقول هذه الأحاديث المائة والعشرون المتواترة؟

قال رسول الله ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»

فليذهب الكذاب إلى الجحيم! أنحن ندافع عن الكذابين؟ ما هذا الحديث الذي أقلقك وترفضه؟ ماذا يعني ذلك؟ فالمتواتر يبدو هكذا ولا يزيد عن مائة وعشرين حديثًا.

معنى ظنية ثبوت الأحاديث وتقديم القرآن عند التعارض

ألّف فيهم جعفر الكتاني، وذكرهم الإمام السيوطي في [الدر المنثور] فيما ورد وإلى آخره. والبقية قال: ثبوته ظني.

وأنت يا عزيزي تقرأ ولا تفهم. ماذا يعني ثبوته ظني؟ ثبوته ظني يعني أن القرآن مقدم عليه، أي عند التعارض سنأخذ بالقرآن.

ومن الذي فعل هذا الأمر؟ كلهم، كلهم قاموا بهذه العملية، ولذلك عندما فهمناهم انبهرنا بهم.

الرد على من يتهم العلماء بالتقديس والدفاع عن الانبهار بهم

فجاء شخص يقول لي: لماذا تنبهر بهم؟ فقلت له: اسكت يا جاهل اسكت، وما زال الانبهار بهم أيضًا.

ثم يسأل: هل أنتم تقدسونهم؟ قلت له: اسكت اسكت، أنت لا تفهم شيئًا على الإطلاق، أنت تتكلم لغة أخرى.

مشكلة من يرى تعارضًا في الأحاديث دون أن يسأل أو يتعلم

ثم يعود فيقول: لكن ما يتعارض في ذهني ليس حديثًا واحدًا، بل خمسون وستون وسبعون، مائة حديث. قلنا له: تقصد أحاديث يتناقض ويتضارب فهمها في ذهنك؟ فيجيب: نعم.

هل سألتَ واستقصيت؟ هل استعنت ورأيت ما معناهما بالتأني؟ هكذا؟ قال: قرأت. صحيح أنك قرأت، لكنك انتقلت من نص إلى نص، وستكون مشكلتك مع النص الجديد هي نفس مشكلتك مع النص القديم.

أنت تفهم خطأً، هذه الحكاية [النصوص] كالجملة الواحدة، تعال ونبين لك أين خطؤك.

ضرورة تخصيص من يفك حيرة المتحيرين والرد على طلب المناظرة

لكن ليس كل العلماء يستطيعون أن يبينوا له أين خطؤه. لماذا لا؟ هم ليسوا متفرغين، لأنهم ماضون في بناء [الفهم والإدراك]، وصاحبنا جالس يعبث لأنه حائر، لكن لا عليه، فلا بد من تخصيص شخص للحائر هذا يفك حيرته.

لكن اسأل واكتب هكذا واسأل. فيقول: لا، أنا أريدك أن تناظرني في التلفزيون. أقول: لا، أنا لن أناظرك في التلفزيون لأنك جاهل أصلًا، فقدت الأدوات وتريد المناظرة في التلفزيون، فأنت تريد أن تشوش على الناس بأن هذه مسألة خلافية، وهي أصول وقواعد.

الخيارات الأربعة أمام المتحير بين التعلم والنقاش والتفكر والسكوت

إما أن تأتي لتتعلم، وإما أن تناقش بما يرضي الله، وإما أن تنظر ماذا وراء الحيرة، وإما أن تسكت.

ولذلك، هذا سؤال في مكانه.

قصة محمد نجيب رئيس هيئة التليفونات ودعوته لترك الأحاديث النبوية

الآن قبل ذلك حدثتكم عن شخص كان اسمه محمد نجيب، ومحمد نجيب هذا كان رئيس هيئة التليفونات، وكان يملك سبعين فدانًا في البحيرة، باعها واشترى مطبعة وضعها في قبو منزله ليطبع الكتب؛ لأنه لم يكن أحد يوافق أن يطبع له الكتب.

محمد نجيب توفي عام ألف وتسعمائة وستين، وعندما قامت الثورة في عام اثنين وخمسين عيّنوه وزيرًا للمواصلات، جلس في الوزارة ثمانية وعشرين يومًا ثم تغيّرت الوزارة، فغادر ولم يسأل عنه أحد.

قال محمد نجيب: يا إخواننا، دعونا من هذا الحديث [الأحاديث النبوية]، دعونا من الحديث. ما هو الحديث الذي تتحدثون عنه؟ القرآن فقط.

محمد نجيب يدّعي أن الصلوات عشر وليست خمسًا بناءً على القرآن وحده

فقلنا له: حسنًا، ولكن أنت وأنت تقرأ القرآن وتدرس القرآن وتدرس الأشياء، هيا ادرس بعلم وتؤدة. قال: أنا درست، خلاص.

ثم قال: لا يوجد صلاة [كما تعرفونها]؛ ألم يقل ربنا أقم الصلاة؟ إنها عشرة [صلوات]، وأنتم أناس ضالون جعلتموها خمسة. اللهم طولك يا روح [بمعنى: اللهم أفرغ علينا صبرًا].

ما هي العشرة؟ قال: صلاة الفجر، والفجر، والعشرة، وصلاة الصبح، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة الشفع، وصلاة الوتر، والضحى، والعصر، والضحى، والفجر.

﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ [الفجر: 2-3]

هذه الأشياء كلها تبلغ عشرة.

كيفية الصلاة عند محمد نجيب بناءً على فهمه الخاطئ للقرآن

قلنا له: كيف تصلي إذن؟ قال: اقرأوا ما تيسر من القرآن.

﴿وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 15]

كل شيء موجود [في القرآن]، ولا تقل "الله أكبر"، قل "الرحمن أكبر"، الرحمن فقط، الله، الله، أي شيء. فعندما تقول "الله" هكذا وتقرأ ما تيسر من القرآن وبعد ذلك تسجد، ثم تقوم لتركع.

من أين أتى بهذا؟ قال من:

﴿يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]

ها هي موجودة [في القرآن].

إنكار السنة يؤدي حتمًا إلى نتائج غير منطقية كما فعل محمد نجيب

هذه مسألة غير منطقية، والله مسألة غير منطقية. لكن هذا الرجل كان صادقًا مع نفسه عندما أنكر السنة واستبعدها، حتمًا ستؤدي إلى هذه النتيجة، هكذا تكون النتيجة.

وقال: إنه يجوز لك أن ترتكب معصية اثنين وستة من عشرة في المائة من أعمالك كل يوم، يعني تقدم مائة عمل خير وتعمل اثنين وستة من عشرة عمل شر، فلا يحاسبك الله عليها.

استدلال محمد نجيب بآيات الحج على جواز نسبة من المعاصي

قلنا له: من أين أتيت بهذا؟ قال:

﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ [البقرة: 197]

أستكذب وتقول لا؟ قلت له: لا، الآية موجودة فعلًا. فسألني: كم عدد أيام الحج؟ فأجبته: تبدأ أشهر الحج في شهر شوال وشهر ذي القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة يساوي سبعين يومًا.

فقال:

﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]

فواحد على سبعين؛ أي يومًا على سبعين يومًا يساوي كم؟ قلت له: واحد وثلاثة من عشرة. فقال لي: بالزيادة أو النقصان؟ قلتُ له: يكون اثنان وستة من عشرة. قال [ضاحكًا]: ها أنا أثبت لك الأمر.

هذا التفكير لا علاقة له بالدين وأصوله تعود لجهل القواعد

هذا تفكيرٌ منطقيٌ مع نفسه، لكن هذا لا علاقة له لا بالدين ولا بالدنيا.

إذن، فلو قرأنا ما الذي حدث في تاريخ المسلمين لعرفنا الفتن التي تُثار الآن وأصولها، وأنا متأكد طبعًا أن جماعة القرآنيين لم يعرفوا أصلًا عن محمد نجيب لأنهم لا يقرأون، وأنا متأكد طبعًا أن أولئك الذين يَدعون لتنحية السنة لا يعرفون شيئًا إطلاقًا عن محمد نجيب، ولا أين مات، ولا إلى أين ذهب، ولا إن كان من البحيرة، ولا إن كان يملك سبعين فدانًا أو ستين.

الأمم تتقدم بالعلم والرصانة لا بالجهل والتحايل

يقولون: نحن لا نقرأ، ولكن هذا الكلام لا يُرضي الله -سبحانه وتعالى-. هذا الكلام يأخذنا إلى الوراء؛ لأن الأمم تتقدم بالعلم وليس بالجهل ولا بالتحايل.

فليس بالمكر تتقدم الأمم، بل تتقدم بالقواعد والرصانة التي رأيناها عند الشافعي ومالك والبخاري ومسلم وغيرهم، وليس بالكلام الفارغ ولا بهذا السخف، ولا تتقدم الأمم بالهتر؛ والهتر في اللغة هو الحمق.

قصة محمد أبو زيد الدمنهوري وكتابه الهداية والعرفان في تفسير القرآن

شخص قال من قبل: يا إخواننا دعوا الأحاديث، كان اسمه محمد أبو زيد الدمنهوري، ومحمد أبو زيد الدمنهوري هذا كان من دمنهور.

ما هي مؤهلاته؟ الشيخ رشيد رضا ثم أسس معهدًا للدعاة لكي يعرّفهم بالحياة العصرية والأوضاع وما إلى ذلك، استمر سنتين أو ثلاثة ثم أُغلق هذا المعهد. محمد أبو زيد الدمنهوري جاء وحضر في معهد الشيخ رشيد رضا، هذا كل ما في الأمر.

ثم قال: لابد للإسلام أن يحيا، فألَّف كتابًا أسماه الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن، وطبعه عند مصطفى الحلبي، وصدر الكتاب عام ألف وتسعمائة وثلاثين.

محتوى كتاب الهداية والعرفان وإنكاره للمعجزات والإسراء والمعراج والحدود

عندما صدر في عام ألف وتسعمائة وثلاثين، إذا أمسكت الكتاب وفتحته تجده هامشًا بسيطًا على المصحف، أي هو مصحف حقيقي، تفتح المصحف فتجد تعليقات عبارة عن سطرين أو ثلاثة أو عشرة، سطرين أو ثلاثة أو عشرة على المصحف.

لكنه في هذه السطور -وإن قلّت- أنكر المعجزات، وأنكر الإسراء والمعراج، وقال أبدًا: إن الإسراء هو الهجرة من مكة إلى المدينة، والمسجد الأقصى هو مسجد المدينة، وأنكر الحدود وأنكر بعض قواعد الميراث وأنكر الكثير.

وهكذا كتاب واحد، وعدد سطور معدودة، لكنه فعل كل هذا بدعوى المعاصرة، دعونا نعيش التجديد.

رد العلماء وأهل دمنهور على كتاب الهداية والعرفان وتفنيد أفكاره

فقام له العلماء ودرسوا [ما جاء به من مستحدثات]، وجاءت جماعة من دمنهور -وهو من بلدتهم- وألفت كتابًا اسمه تنوير الأذهان في الرد على صاحب الهداية والعرفان، وهم يقصدون محمد أبو زيد الدمنهوري.

ومن ضمن الآراء التي أوردها أن آدم ليس نبيًا، وغيرها من الأفكار الغريبة! المهم أنهم ردّوا عليه، وأمسكوا بالأربع قضايا الأساسية:

  1. إنكار المعجزات.
  2. إنكار الحدود.
  3. إنكار التشريع.
  4. إنكار الميراث.

وبدأوا يردون عليه، وألّفت هيئة كبار العلماء سبعين صفحة نشروها في مجلة نور الإسلام التي سُمّيت فيما بعد مجلة الأزهر.

تكرار أفكار الدمنهوري اليوم دون معرفة أصولها ومصير كتابه

لو قرأنا كلام محمد أبو زيد الدمنهوري لوجدنا بعض الإخوة يرددونه الآن، وأنا متأكد أنهم لم يسمعوا به، والله لو سمعوا به لأعددناهم من العلماء الكبار، فكيف سيسمعون به إذن [وهم لا يقرؤون]؟

فزهد الناس في الكتاب، واستُنقِذت منه نسخة وأُودعت في دار الكتب المصرية، فحُفظت ومُنع الاطلاع عليها.

الشيخ الذهبي يطلع على الكتاب ويصفه بالاتجاه الإلحادي في التفسير

فلما أراد سيدنا الشيخ الذهبي، محمد حسين الذهبي، الذي ألف التفسير والمفسرون، أن يرى هذا الكتاب، استصدر أمرًا بالاطلاع عليه فأُطلع؛ فسماه الاتجاه الإلحادي في تفسير القرآن.

وقال: أنا فوجئت بأوضاع، وأنا أتساءل من أين أتت؟ كل هذا آتٍ من أنهم لم يتعلموا القواعد، حتى إذا جددوا، جددوا من غير أن يعود ذلك على الشريعة بالكلية بالبطلان.

من يتصدر لإنكار السنة أغلبهم يسب الأئمة وهذه علامة على الجهل

ولذلك تجد من يتصدرون هذا [الاتجاه] أغلبهم يسب الأئمة؛ ليس لديهم إلا هذا. ما هذا؟ يسب على الفور.

عليك أن تنتبه فورًا، ما دام يسب الأئمة فهو ليس منتبهًا، وإنما هو لاهٍ في دُنياه.