عن الحداثة و التحديث | أ.د علي جمعة - فتاوي

عن الحداثة و التحديث | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الحداثة مذهب فكري ظهر في أوروبا مع التنويريين كروسو وفولتير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وتمكن بعد الثورة الفرنسية.
  • سعت الحداثة للخروج عن سلطان الكنيسة الكاثوليكية، وقد حرّم البابا سبعين علماً في خطاب "باسنت" لارتباطها بفكر الحداثة.
  • اعتمدت الحداثة على فكرة أن العالم يسير بنظام دقيق دون الحاجة إلى الإله، كما عبر نيوتن بتشبيه العالم بالساعة.
  • تطور هذا الفكر مع لابلاس الذي قال لنابليون "لست في حاجة إليه" عندما سأله عن عدم ذكر الله في كتابه عن الأجرام السماوية.
  • استمرت الحداثة حتى عام 1990 حين ظهرت ما بعد الحداثة التي بدأت عام 1974.
  • ترى ما بعد الحداثة أن العالم فوضى بلا ضابط أو قوانين، بخلاف الحداثة التي تنحي الألوهية وتؤمن بفهم الكون بالعلوم.
  • أثرت ما بعد الحداثة في الفنون والآداب والشعر والرسم، وتسببت في انتشار الاكتئاب والقلق.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

تعريف الحداثة كمذهب فكري ظهر في أوروبا مع التنويريين

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد.

الحداثة والتحديث هي مذهب فكري ظهر في أوروبا مع التنويريين، وهؤلاء التنويريون يمكننا أن نضع لهم علامة مؤقتة كـجان جاك روسو وفولتير وأمثالهم. وقد تمكنوا بعد الثورة الفرنسية، لكن أفكارهم كانت موجودة قبل الثورة الفرنسية، أي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

وفيها محاولة جادة للخروج عن سلطان الكنيسة الكاثوليكية؛ ولذلك آخر محاكم التفتيش لما انتهت [كان ذلك في] ألف ثمانمائة وثلاثين، ويمكن في ألف ثمانمائة وثلاثين نعدّ مرة ثانية من تمكّن فكر الحداثة.

موقف البابا من فكر الحداثة وتحريمه سبعين علمًا في خطاب باسنت

وفكر الحداثة أصدر له البابا [قرارًا بـ] أنه يحرّم سبعين علمًا. البابا [حرّم] سبعين علمًا في خطاب له اسمه «باسنت»، والخطابات البابوية تُسمّى بأول كلمة فيها. فكلمة «باسنت» هذه كلمة لاتينية، أي مثلًا وأمّا، يعني أمْ، ليس لها معنى مستقل هكذا، أمّا [فـ] هو حرف كأنه حرف «باسنت».

سُمّي بهذا الخطاب، خطاب «باسنت» الذي حرّم فيه البابا سبعين علمًا؛ لأن هذه علوم تخدم الحداثة، والحداثة هذه حرام [عند الكنيسة]. بعد ذلك غيّروا رأيهم، لكن حينئذ في أوائل القرن التاسع عشر حصل هذا.

فكرة الحداثة المبنية على الاستغناء عن الإله بسبب نظام الكون الدقيق

فظلت هذه الأفكار تختمر، وهي أفكار كلها مبنية على أن العالم يسير بنظام دقيق، فليس هناك حاجة إلى الإله.

هل انتبهت كيف [بُنيت هذه الفكرة]؟ إن نيوتن عندما جاء كان إلهيًّا [أي مؤمنًا بالله]، فقال إن العالم له نظام دقيق يسير مثل الساعة، لكن تقريبًا ربنا [سبحانه وتعالى] لم يستطع [نيوتن] أن يقول إنه لا يوجد إله؛ لأنه كان مؤمنًا، [لكنه قال] إنه [الله] خلقنا وتركنا هكذا، مثل الساعة التي تعمل بمفردها.

هل أنت تحرّك عقرب الساعة؟ [لا،] الدنيا تسير هكذا فقط، لكن الله ليس له علاقة بنا، هو خلقنا وأعطانا عقلًا وتركنا. من الذي يقول هذا؟ نيوتن.

لابلاس ونابليون وبداية تنحية مسألة الإله عن العلم والحياة

ثم جاء بعد ذلك الفلكيون، وكان منهم لابلاس. فلما ألّف كتاب «الأجرام السماوية» قدّمه هو وأعطاه لـنابليون. كان نابليون من كورسيكا وكان يتذاكى بعض الشيء، فقال له: الله! أنت لم تكتب فيه عن الله؟ قال [لابلاس]: لست في حاجة إليه. هل أنتم معي؟

ومن هنا بدأت قصة تنحية مسألة الإله [عن العلم والحياة]، ولا بالخير ولا بالشر. يعني هو لم يقل إنه لا يوجد إله، لكنه يقول: أنا لست في حاجة إليه. نعم، الله موجود، لكنني لست في حاجة إليه. لا حول ولا قوة [إلا بالله].

استمرار الحداثة حتى ظهور مذهب ما بعد الحداثة في التسعينيات

واستمرت هذه الأمور من الحداثة حتى عام ألف وتسعمائة وتسعين. وفي عام ألف وتسعمائة وتسعين بدأت مذاهب أخرى وُلِدَت منذ عام أربعة وسبعين [تسعة عشر وأربعة وسبعين]، اسمها «البوست مودرنيزم»، أي ما بعد الحداثة.

الحداثة تقول إن أهم شيء هو الدنيا، وليس لنا شأن بمسألة وجود إله أو عدم وجوده؛ إن كنت ترى أن هناك إلهًا فليكن، وإن كنت ترى أنه لا يوجد إله فأنت حرّ.

الفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة في فهم الكون والعلوم

لكن ما بعد الحداثة تقول: لا، هذا الكون ونحن سنقدّر. ما قبل الحداثة [أي الحداثة نفسها] تعني أن قضية الألوهية منحّاة، لكننا سنفهم هذا الكون بالسبعين علمًا هؤلاء: الجيولوجيا والكيمياء والفيزياء والصوت وهكذا، سنفهم الكل.

أما ما بعد الحداثة فتقول: أبدًا، لم نفهم شيئًا! ها نحن لدينا مائة سنة وأكثر، مائة، مائتا سنة، مائة وخمسون سنة، ولم نفهم شيئًا.

وهذا دليل [على] ماذا؟ ألا يرجع [الأمر] إلى الألوهية؟ لا، [عندهم] الدليل على أن هذا العالم لا يُفهم يا صديقي. وماذا يعني ذلك؟ قال [أصحاب هذا المذهب] إن هذا العالم فوضى بلا ضابط ولا رابط ولا قوانين ولا أي شيء، ولا نحن نريد أن نفهمه أيضًا.

مذهب ما بعد الحداثة هو العبثية والفوضوية الأناركية في حقيقته

فهذا كنا قديمًا نسمّيه العبثي والفوضوي. الفوضوي الأناركي.

ما هذا الأناركي يا سيدي؟ أنت ماذا يقول لك أناركي؟ أناركي يعني فوضوي، يعني ماذا؟ التي يسمّونها ماذا؟ نهارك بطّال وليلك نائم، كذلك في الدنيا تعيش البهائم. هذه هي الأناركية.

تأثير ما بعد الحداثة في الفنون والآداب وانعدام معنى الحياة بلا إله

فبعد الحداثة حصلت [هذه التحولات] وأثّرت في الفنون وفي الآداب وفي الشعر وفي الرسم وفي كل شيء؛ لأنه ما فائدتي أنا في الحياة؟ لا يوجد إله، ما فائدة هذه الحياة؟ إنها خدعة مغرية حقًّا.

إذا أصبحت الدنيا بلا آخرة، وأصبحت الدنيا بلا ربّ، فهذه خدعة لا يعلم عواقبها إلا الله، إنها مقلب قوي جدًّا.

فهم يا عزيزي لديهم اكتئاب نفسي وتوتر عصبي وقلق، ويدعون الناس لمشاركتهم هذا القلق: اجلسوا معنا وافعلوا كذا.

الفرق بين التحديث المادي والحداثة الفكرية وبوادر ما بعد الحداثة

والتحديث هذه كلمة معناها أنني لم أرصف الطريق فأرصف الطريق، ليس عندي طائرة فأشتري طائرة، ليس عندي سيارة فأشتري سيارة، أغسل بيدي فأغسل بغسّالة أوتوماتيكية، إلى آخره. فهذه لا علاقة لها بالأمر [أي بالحداثة الفكرية].

السؤال الثاني كان ماذا؟ قد قلت لك، وحتى ألف وتسعمائة وتسعين وجدنا أن حركة ما بعد الحداثة بدأت تتشكّل. كان هناك بوادر في سنة أربعة وسبعين [تسعة عشر وأربعة وسبعين]، حيث كانت تتحدث عن الجندر والعلاقات الثنائية وما شابه والأسرة البديلة، ثم استمرت في التطور حتى بدأت تظهر بشكل صريح وواضح في التسعينيات.