عن النبي ﷺ قال : (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم ......
- •يوضح الحديث النبوي أن من يُقرض مالاً دون إشهاد لا يُستجاب دعاؤه، لأن العقود شُرعت لوقت الاختلاف وليس للوفاق.
- •الشراكات تحتاج لتوثيق واضح يبين تفاصيل الأرباح والخسائر والمصاريف لضمان حقوق الطرفين.
- •من يترك العقود غامضة ويتجنب الإشهاد عليها متعمداً يكون محل سخط الله، لأن الله ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر.
- •الخيانة في الشراكة تؤدي إلى نزع بركة الله، حتى لو كانت خيانة بسيطة كتفضيل أحد الشريكين لنفسه في قسمة المنافع.
- •تروي القصة عن شريكين في تجارة القمح، ظهرت بينهما مشكلة تسلط النمل على بضاعتهما، فاكتشفا أن سببها خيانة أحدهما للآخر بانتقائه البيض الكبير لنفسه.
- •بعد اعتراف المخطئ وتوبته، عادت بركة الله للشراكة، حيث رجع النمل يعيد حبات القمح.
- •تؤكد القصة أهمية التقوى في الشراكات والأمانة في المعاملات لنيل بركة الله.
حديث النبي في ثلاثة لا يستجاب لهم ومنهم من لم يُشهد على ماله
عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
قال: «ثلاثة يدعون الله عز وجل فلا يُستجاب لهم، ورجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فلم يُشهد عليه» رواه الحاكم في مستدركه، وهو في صحيح الجامع.
ما هو فقه هذه القطعة من الحديث؟
في قوله [صلى الله عليه وسلم]: «رجلٌ على رجلٍ مالٌ ولم يُشهد عليه»، إذا ابتلاك الله بإنشاء العقود بين الناس عرفتَ معنى هذا الحديث. فالعقود بين الناس إنما تُكتب من أجل وقت الاختلاف، لا من أجل وقت الوفاق.
أهمية تفصيل بنود العقد لتوضيح الحقوق عند الاختلاف بين الشركاء
عندما أعمل معك عقدًا، نريد أن نميّز رؤوسنا من أرجلنا؛ أي نتفاهم في المعاملة التي سنتعامل فيها مع بعضنا البعض:
- •إذا حصل ربح، ماذا سيكون الوضع؟
- •إذا حدثت خسارة، ماذا سيكون الوضع؟
- •إذا حدثت مصاريف زائدة، ماذا سيكون الوضع؟
- •إذا اختلّت وكالة، ماذا سيكون الوضع؟
وهكذا فنقوم بوضع هذا الكلام كله في العقد.
خطورة التلاعب وعدم كتابة بنود العقد والإشهاد عليه بين الشركاء
من يريد أن يتلاعب مع شريكه ويرى: إن نجحت الأمور فبها، وإن لم تنجح فستكون المسؤولية عليك أنت وليست عليّ أنا، يلعب فيعمل هذه الأشياء؛ فلا يكتب بنودًا ولا يُشهد على العقد، حتى يصبح محلّ أخذٍ وردّ.
فيقول أحدهما: كان قصدي هكذا، فيردّ الآخر: لا، بل كان قصدي هكذا، فنظلّ نختلف ونُحيِّر القاضي. الذي يفعل هكذا مغضوبٌ عليه من الله؛ لأن الله ثالث الشريكين، حتى إذا خان أحدهما صاحبه نزع يده من هذه الشركة.
نصيحة للشركاء بإصلاح النيات وتنظيم الشروط وعدم التلاعب
فهذه مسألة مهمة جدًا أيها الشركاء: أصلحوا النيات مع الله. أيها الشركاء، لا تتغاضوا عن شروطٍ تنفع استمرار العلاقة وتحديدها، حتى يصل لكل ذي حقٍّ حقّه.
أما التلاعب والإخفاء وترك الأمور هكذا بلا تنظيم، فهذا لا يُرضي الله. هذا معنى هذه القطعة من الحديث.
ورأيناها كثيرًا عند الناس؛ رأينا من يريد أن يعرف الحق والمستحق، ورأينا من يريد أن يتلاعب وأن يترك الأمور دائمًا محلّ شكّ، ودائمًا محلّ نزاع، ودائمًا محلّ أخذٍ وردّ، حتى يأكل أموال الناس ولا يخسر هو.
قصة الشريكين وتجارة القمح وتسلط النمل عليهما بسبب الخيانة
أنا [أي الله عز وجل] ثالث الشريكين، فإذا خان أحدهما صاحبه نزعتُ يدي [من بينهما]. وكان مشايخنا يحكون حكاياتٍ في هذا المجال.
حكاية أن شريكين كانا يملكان وكالةً لبيع القمح، وكالة كبيرة والتجارة رائجة. وبعد ذلك جلس أحدهما بعد العصر، وكان الشريك يأتي بعد المغرب، فوجد شيئًا غريبًا لم يكن معتادًا، وهو أن النملة تدخل، وكل نملة تضع في فمها حبة قمح وتخرج أمامه إلى قريتها أو إلى جحرها.
فتساءل في نفسه: هذا النمل لِمَ سلّطه الله علينا؟ لم يكن هكذا أبدًا، ولم يأتنا النمل هذا أبدًا، ونحن نشتغل منذ سنين. لا بدّ أن أحدنا خان الآخر فسلّط الله علينا هذا النمل.
مواجهة الشريك لصاحبه باتهام الخيانة بسبب تسلط النمل على القمح
وجلس [الشريك الأول] يفكّر فيما إذا كان قد خان صاحبه في شيء، فلم يجد. حتى أتى صاحبه في المغرب، قال له: يا أخي، كما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف، أنت خُنتني وأنا أريد فضّ هذه الشركة.
قال له: ما هذا؟ ما هذا الجنون؟ خُنتك كيف وخُنتني كيف؟ لم تحدث مني خيانة لك إطلاقًا!
قال له: قصة النمل، وأن النمل ما سلّطه الله علينا إلا لأنك قد حدث في قلبك أو فعلك شيء، أو أنا. وأنا بحثتُ من العصر إلى الآن ولم أجد شيئًا، إذن فأنت.
إمهال الشريك للتفكير واكتشافه خيانته في تقسيم هدية البيض
قال له: يا أخي، من العدل أن تترك لي من المغرب حتى العشاء، ونقرّر بعد العشاء، لكن أنت تفكّر وأنا لا أفكّر، هذا ظلم. قال له: لك حق، نؤجّل هذا الأمر إلى ما بعد العشاء.
جلس الرجل يفكّر في نيّته التي تغيّرت أو فعله الذي خان فيه صاحبه، من المغرب للعشاء، فتوصّل إلى الحقيقة وأنه هو السبب.
وجد أنه بالأمس جارهم يبيع ماذا؟ وكالة لبيع البيض، أقفاص بيض. هكذا أرسل إليهم هدية قفص بيض - وكان قديمًا وحتى الآن يضعون البيض في أقفاص - قفص من البيض. قال: هذا لك ولشريكك.
اعتراف الشريك بانتقاء البيض الكبير لنفسه وترك الصغير لشريكه
قال له: فجلستُ، فالحقيقة أنني كنتُ أُمسك البيضة الكبيرة وأضعها عندي، والصغيرة أختارها لك وأضعها لك. الكبيرة عندي، لكن العدد والله واحد، العدد والله واحد، لكن القضية أن هذه البيضة الكبيرة أضعها عن يميني وشمالي.
قال له: يا أخي، هذا هو! طيّب، اقسمهم بالعدد وكفى، لكن تنتقي الكبيرة وتترك لي أنا الصغيرة؟ فهذه ليست شركة!
إلى هذا الحدّ كان لديهم شفافية لترجمة تسلّط النمل، وأن شيئًا ما في النيّات قد حدث. والثاني هذا الذي اكتشف نفسه أنه يأخذ الكبيرة ويترك لصاحبه الصغيرة، يعني العدد واحد، العدد واحد، وكِبَر البيض من صغره يعني مسألة نسبية دقيقة جدًا.
توبة الشريك وتصالحهما واتفاقهما على عدم الخيانة وعودة النمل بالقمح
ولكن قال له: أنا تبتُ إلى الله، وجزاءً عليّ أنا سأعطيك البيض كله، أُحضره من البيت وأعطيه لك كله، فيكون أنت ماذا أخذتَ هكذا؟ قالوا: لا يا أخي، ربنا يهنّيك ببيضك وانتهينا.
ونقرأ الفاتحة على ذلك، ونتفق على أننا لا يخون أحدنا أخاه، حتى يكون معنا الله. وقرأوا الفاتحة على هذا.
فجلسوا فوجدوا الآية الكبرى: النمل يرجع يضع القمح ويخرج فارغًا! يضع حبة القمح ويخرج النمل - يا عيني - فارغًا. من الذي فعل هذا؟ هذا من عند الله، يُسلّي قلوب هؤلاء الشركاء بعد أن وصلوا إلى مرحلة التقوى.
التقوى في قلوب الشركاء وخطورة الخيانة الحقيقية في الأرباح والحسابات
وهذا الذي نحن جالسون نتحدث فيه: القلوب الضارعة. هؤلاء الناس بهذا الشكل فيهم تقوى.
فتخيّل من يخون صاحبه خيانة حقيقية، يعني ليست في حجم البيض، بل خيانة حقيقية في الأرباح وفي الحسابات وفي الداخل وفي الخارج، هل يكون الله معهما؟ أبدًا.
