قواعد الفقه الإسلامي| الميسور لا يسقط بالمعسور | ح22 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "الميسور لا يسقط بالمعسور" من القواعد الفقهية المهمة التي تجمع فروعاً متعددة.
- •أساس القاعدة قوله تعالى: "اتقوا الله ما استطعتم"، فالإنسان يقدم لله ما يستطيعه.
- •الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فمن لا يستطيع حيلة يكتفى منه بما يقدر عليه.
- •من تطبيقاتها: من لا يملك ماءً كافياً للغسل يتوضأ بما تيسر ثم يتيمم.
- •من لا يستطيع غسل رجله في الوضوء يغسل باقي الأعضاء ثم يتيمم.
- •من لا يستطيع الركوع في الصلاة يقوم ويسجد ويؤدي ما يقدر عليه.
- •من يستطيع العمرة ولا يستطيع الحج يؤدي العمرة.
- •من يستطيع صيام بعض أيام رمضان دون الأخرى يصوم ما يستطيع.
- •من عليه دين ويقدر على سداد جزء منه يسدد المتيسر ولا يؤخره.
- •النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم يحل عقوبته وعرضه".
- •هذه القاعدة تجسد روح الشريعة وتفيد الناس في علاقتهم مع ربهم وأنفسهم والآخرين.
مقدمة في قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور الفقهية
أيها الإخوة الأعزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نلتقي اليوم مع قاعدة فقهية من القواعد التي صاغها الفقهاء ليجمعوا بها كثيرًا من الفروع التي تشتتت في أبواب متعددة. هذه القاعدة يقول فيها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور.
وهذه من القواعد التي نرى فيها تنميق العبارة وترقيقها؛ لأن كلمة "الميسور" بينها وبين "المعسور" حرف واحد، الياء والعين، فهذا التوازن كان مقصده حفظ مثل هذه القواعد حتى يحفظها طلاب العلم ويحفظها عموم الناس.
دليل قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور من القرآن الكريم
الميسور لا يسقط بالمعسور، ودليلها قوله تعالى:
﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]
هذا دليلها؛ ما استطعت فلتُقدِّم إلى ربك ما تستطيعه، حتى إذا أعيتك الحِيَل وسُدَّت أمامك الطرق، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
فإذا كنت من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، اكتفى الله سبحانه وتعالى منك بما تستطيع.
تطبيق القاعدة على من لا يملك ماءً كافيًا للاغتسال من الجنابة
وهنا نرى أن الميسور لا يسقط بالمعسور. لو أن معي من الماء ما يكفي الوضوء، والواجب عليّ أن أتطهر من الجنابة، والطهارة من الجنابة تحتاج أن أغتسل، والاغتسال يأخذ كمًّا أكبر من الماء، فإنني أتوضأ بما قد يسّره الله لي ثم أتيمم ثم أصلي.
هذا مذهب الشافعية تطبيقًا للقاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور؛ ليس لأنني غير قادر على الاغتسال أنفي استعمال الماء بالكلية، بل أستعمل ما معي من ماء على قدره وإن كان قليلًا.
الجمع بين الوضوء الناقص والتيمم لاستباحة الصلاة عند قلة الماء
ثم بعد ذلك، ولأنني لم أتطهر الطهارة الكاملة التي تمكنني من الصلاة، ولأنه ما زال هناك حدث عندي، والحدث أمر اعتباري أمر تقديري، كأنني أفترضه قائمًا بالأعضاء قائمًا بالجسم، يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخِّص لذلك.
فأنا عندي هذا الحدث، والحدث هذا الذي لم أستطع أن أزيله لأنه ليس معي إلا القليل من الماء، أستطيع أن أستبيح الصلاة بموجب التيمم؛ فالتيمم طهور من لا طهور له، ومن فقد الماء ولو حياته كلها يتيمم ويصلي؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
تطبيق القاعدة على كبار السن العاجزين عن غسل أرجلهم في الوضوء
إذا كان شخص - وهذا يحدث كثيرًا خاصة عند كبار السن - غير قادر على غسل رجله؛ لأنه لا يستطيع أن يرفعها أو أن يغسلها في الوضوء، وليس هناك من يعينه، فليتوضأ؛ يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه.
ثم بعد ذلك يتيمم، يجمع بين الوضوء والتيمم ثم يصلي؛ لأنه وقع في هذه القاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور.
تطبيق القاعدة على من يعجز عن الركوع ويستطيع القيام والسجود
شخص آخر أيضًا لا يستطيع الركوع لعلة ما في جسمه، لكنه يستطيع السجود ويستطيع القيام، فإنه يقوم ويقرأ الفاتحة في الصلاة ويصلي مع الجماعة وهو قائم، سواء وحده أو مع الجماعة وهو قائم.
ثم عندما يأتي الركوع يجلس على الكرسي، ثم يقوم ثم يسجد على الأرض سجدتين، وهكذا إلى آخره؛ لأن الميسور عليه - وهو تلك الحركات التي قد تيسرت له - لا تسقط بالمعسور.
تطبيق القاعدة على من يملك تكلفة العمرة دون الحج
فمثلًا الشخص الذي لديه تكلفة الذهاب إلى العمرة والعمرة فرض، وليس معه تكلفة الذهاب إلى الحج والحج فرض، فالحج والعمرة فرضان على المكلف مرة في العمر.
فإنه يذهب لأداء العمرة حتى لو لم يستطع أن يذهب في أشهر الحج لارتفاع تكلفتها ولعدم مقدرته على الحج؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
تطبيق القاعدة على المريض الذي يستطيع صيام بعض أيام رمضان
مثلما من استطاع أن يصوم من رمضان وهو مريض ما استطاع ولم يستطع الباقي، فليصم ما استطاعه ثم بعد ذلك يفطر في الباقي؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. ليس لأنه غير قادر على الصيام في أيام معينة يفطر كل رمضان.
فبعض الناس تحتاج إلى عمل تحاليل أو إلى عمل أشعة أو إلى الذهاب إلى الأطباء لإجراء فحوصات معينة تستوجب الإفطار في أيام معينة، والطبيب لا ينصح بالصيام حين لا تسمح الحالة بذلك، ولكنه لا ينصح بعدم الصيام في الأيام الأخرى.
فهذا الإنسان يأتي في اليوم الذي عليه إجراء هذه الفحوصات والذي استوجبت حالته أن يقوم بإجرائها، فليقم بإجرائها وليفطر، ولكنه يصوم بقية أيام رمضان؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
تطبيق القاعدة على سداد الديون وعدم جواز المماطلة فيها
كالذي عليه دين فإنه يسدد ما استطاع منه، وإلا يدخل في دائرة البطل [أي التسويف والمماطلة]. فلو أن معه نصف الدين، عليه أن يعطيه لصاحبه ولا يحبسه.
كثير من الناس يحبسون هذا [المال] ويقولون: أنا أخجل من صاحب الدين، سأبقي هذا المبلغ عندي حتى يكتمل المال كله ثم أعطيه لصاحبه. لا، هذا خطأ؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
عليك أن تبادر ما دام عندك هذا المال أن ترده لصاحبه وقد حلّ أجله، تعطيه لصاحبه حتى يستفيد منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«مطلُ الغنيِّ ظلمٌ، يحلُّ عقوبتَه وعِرضَه» أخرجه ابن حبان
فمطل الغني ظلم، والمطل هو التلاعب والتأخير في الديون.
خاتمة في عظمة قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور وشمولها لجوانب الحياة
الحقيقة معنا قاعدة عظيمة جدًّا؛ لأن فيها روح الشريعة: الميسور لا يسقط بالمعسور. كلام في منتهى العلو، وكلام يستفيد منه الناس في اجتماعهم البشري، ويستفيد منه الناس في خاصة أنفسهم وفي تعاملهم مع ربهم ومع الناس ومع أنفسهم.
يستفيد منه الناس في كل الجوانب. قاعدة مهمة: الميسور لا يسقط بالمعسور. هذه من ثمار الفقه الإسلامي الغالية العالية.
إلى لقاء قريب، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
