قواعد الفقه الإسلامي | إعمال الكلام أولى من إهماله | ح1 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | إعمال الكلام أولى من إهماله | ح1 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • قاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله" تعني حمل كلام الناس على الوجه الصحيح إذا احتمل وجهاً صحيحاً وآخر فاسداً، تصحيحاً لمقاصد العقلاء.
  • تطبيقاتها كثيرة، منها قول رجل لزوجته: "أنت وابنك طالق"، فيقع الطلاق على الزوجة فقط لأن الابن ليس محلاً للطلاق.
  • كذلك إذا قال: "أنت وحماري طالق"، يقع الطلاق على المرأة وليس على الحمار.
  • في الأخطاء اللغوية كقول: "إن دخلت الدار أنت طالق" بدون فاء، يرى الشافعية وقوع الطلاق إعمالاً للكلام.
  • الشروط اللغوية تعتبر أسباباً شرعية، فيستفاد من وجود السبب الوجود، ومن عدمه العدم.
  • يستثنى من القاعدة أمور خطيرة كالزواج، فلا يعمل فيها إلا بألفاظ مخصوصة كـ"زوجتك" و"أنكحتك"، ولا تكفي كلمات أخرى كـ"أعطيتك ابنتي".
  • هذه قاعدة أغلبية تطبق في معظم الأحوال مع مراعاة الاستثناءات.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة وتقديم قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أهلًا بكم ومرحبًا أيها الإخوة المشاهدون مع حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي.

نلقي الضوء على قاعدة جديدة، ونختار اليوم هذه القاعدة التي يقول فيها الفقهاء: إعمال الكلام أولى من إهماله.

شرح قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله وتصحيح كلام العقلاء

هذه قاعدة لطيفة فيها تصحيح لكلام العقلاء: الناس تتكلم لنقل أفكارهم وما يقع في خواطرهم وقلوبهم للآخرين، فكلامهم يعبر عما في صدورهم، عن مكنون ضمائرهم.

هذا الكلام إذا احتمل وجهين، احتمل وجهًا صحيحًا واحتمل وجهًا آخر فاسدًا، فإننا نحمله على الوجه الصحيح؛ ذلك لأن إعمال الكلام أولى من إهماله، تصحيحًا لمقاصد العقلاء، تصحيحًا لكلام العقلاء.

وهذه القاعدة لها فروع كثيرة جدًا.

مثال تطبيقي على القاعدة في مسألة الطلاق مع ذكر ما لا يصح شرعاً

منها كما يضرب لذلك الفقهاء مثلًا: قول رجل لزوجته وابنه: أنت طالق مع ابنك، أو أنت وابنك طالق، ولا علاقة زوجية بينه وابنه، فالعلاقة الزوجية قائمة بينه وبين زوجته، فله أن يطلق زوجته، لكن ليس له أن يطلق ابنه؛ لأنه ليس هناك شيء في الشرع اسمه هكذا [أي طلاق الابن].

فنُعمِل بكلامه فيما يصح، حتى لو أبطلناه وأهملناه فيما لا يصح، ونحسب عليه طلاقًا، ونقول له: أنت بقولك هذا قد وقع الطلاق [على زوجتك].

الرد على من يحتج بالجمع بين ما يصح وما لا يصح في الطلاق

لا يستطيع [الزوج] أن يحتج علينا ويقول: انتظروا، هذا جمعت فيه بين ما يصح لي وما لا يصح، وأنتم أيها الفقهاء عندما نجمع بين ما يصح وما لا يصح لا تُعمِلون الكلام أو لا تعتبرونه.

فلو قال رجل لآخر: زوجتك ابنتي وفرسي مثلًا، فإنكم لا تصححونه. نقول: نعم؛ لأن مسألة الزواج خطيرة، ولذلك لا يُكتفى فيها إلا بالتصريح وبالتحديد، فلا بد هنا من التصريح والتحديد.

التفريق بين الطلاق والزواج في إعمال الكلام فيما يصلح له

وعلى كل حال، فلما قال له: زوجتك ابنتي وفرسي، فإن يتم زواج البنت والفرس يُلغى ولا يُعتدّ به، ولذلك فنحن نستخدم الكلام فيما يصلح له.

وكذلك هنا لو قال: أنت وحماري طالق، فإننا نوقع الطلاق على المرأة لأنها محل للطلاق، ولا نوقعه على الحمار لأنه ليس محلًا للطلاق.

مثال الأخطاء اللغوية في صيغة الطلاق المعلق على شرط

مثال ذلك الأخطاء اللغوية في لغة العرب في قضايا الطلاق. لو قال: إن دخلتِ الدار أنتِ طالق، ما هذا الكلام؟ هذا كلام فيه خطأ في اللغة العربية، كان ينبغي أن يقول: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق.

لا بد أن يأتي بالفاء هنا؛ لأن الفاء يجب أن تدخل في جواب الشرط. "إن دخلتِ" هذا الشرط، "فأنتِ طالق" هذا المشروط [أي جواب الشرط]. فهو قال: إن دخلتِ الدار أنتِ طالق، لم يقل فأنتِ طالق.

الخلاف بين أبي حنيفة والشافعية في وقوع الطلاق مع الخطأ اللغوي

أبو حنيفة في مثل هذا يقول أن الطلاق لا يقع حتى لو دخلت الدار؛ لأن هذا كلام غير مفهوم [لغويًا].

ولكن الشافعية يقولون: إعمال الكلام أولى من إهماله، ففي هذه الحالة كأنه قال الفاء: فإن دخلت الدار فأنت طالق.

الشروط اللغوية أسباب شرعية والعلاقة السببية بين الشرط والمشروط

وذلك لأن الشروط اللغوية أسباب شرعية. الشرط اللغوي يُفهم منه أنه إذا حدث فعل معين كان كذا أو سيكون كذا.

العلاقة بين الشرط والمشروط في اللغة العربية هي علاقة سببية، والسبب عند الفقهاء هو ما يُستفاد من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.

أمثلة على السببية الشرعية من زوال الشمس وغروبها

مثال ذلك بالضبط زوال الشمس؛ فإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، وإذا لم تزل الشمس بعد فلا يُؤذَّن للظهر، إذن لم يجب الظهر.

إذن إذا كان زوال الشمس سببًا للوجوب؛ لأنه يُستفاد من وجوده [أي وجود الزوال] وجوب الظهر، يكون الأذان إذن هكذا: أذان الظهر لم يأتِ بعد إلى الوقت الذي يُؤذَّن فيه لصلاة الظهر، يعني لم تأتِ الساعة إلى وقت الزوال. نحن في الساعة الحادية عشرة صباحًا مثلًا، لم يُؤذَّن للظهر، إذن لا توجب صلاة الظهر.

فالزوال سبب، والغروب سبب؛ لأنه إذا غربت الشمس يجوز لي أن أفطر في رمضان، وإذا لم تغرب الشمس فلا يجوز لي أن أفطر في رمضان. فغروب الشمس سبب يُستفاد من وجوده الوجوب، ويُستفاد من عدمه العدم.

تطبيق قاعدة الشروط اللغوية أسباب شرعية على مسألة الطلاق المعلق

إذن فالشروط اللغوية أسباب شرعية، فإذا ما دخلت المرأة الدار فإنه يكون ذلك سببًا في طلاقها، وإذا لم تدخل يكون ذلك سببًا في عدم الطلاق.

إذن فالشروط اللغوية أسباب شرعية، قاعدة لطيفة تنفعنا هنا في قضية إعمال الكلام أولى من إهماله.

شرط إعمال الكلام أن يكون معتبراً ومثال الزواج بلفظ أعطيتك ابنتي

إذا كان هذا الكلام معتبرًا ويحقق المقصود، فهناك أمور لا نستطيع فيها أن نُعمِل الكلام. وكما ضربنا مثلًا لذلك الزواج، فلو قلتَ لأحدهم على لهجة أهل مصر مثلًا: أعطيتك ابنتي، فمعناها عند المصريين أنه قد زوَّجها له.

ولكن كلمة "أعطيت" هذه ليست من الكلمات الشرعية التي استعملها الشرع الإسلامي في الزواج. استعمل الشرع "زوجتك ابنتي"، واستعمل الشرع "أنكحتك ابنتي"، لكنه لم يستعمل "أعطيتك ابنتي".

خطورة عقد الزواج تمنع إعمال الكلام بألفاظ غير شرعية

فلو قال شخص لآخر: أعطيتك ابنتي يقصد الزواج، لا نأخذ كلامه بهذه الجدية نظرًا لخطورة الزواج؛ لأن الزواج ستُبنى به أسرة، وسيكون هناك أطفال ونسب لهؤلاء الأطفال، وسيكون هناك وجوب للنفقة من قبل الزوج والطاعة من قبل الزوجة.

وسيكون هناك ميراث بينهما، وستكون هناك حياة أخرى تترتب عليها كثير جدًا من الحقوق. ولذلك هو خطير جدًا، ولذلك ومن أجل هذه الخطورة لا يمكن إعمال الكلام إلا على وجه مخصوص [وهو استعمال الألفاظ الشرعية المعتبرة].

خلاصة القاعدة أنها أغلبية وإعمال الكلام هو الأصل مع الخاتمة

إذن هذه قاعدة أغلبية، غالبًا ما نُعمِل الكلام، ويكون غالبًا إعمال الكلام أولى من إهماله، مع قاعدة أخرى من قواعد الفقه الإسلامي الثري.

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.