قواعد الفقه الإسلامي | الأمور بمقاصدها | ح5 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الأمور بمقاصدها | ح5 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • قاعدة "الأمور بمقاصدها" من أهم قواعد الفقه الإسلامي التي يُبنى عليها الفقه كله، ودليلها حديث "إنما الأعمال بالنيات" الذي وضعه البخاري والنووي في صدر مصنفاتهما لأهميته.
  • مراتب القصد خمس: هاجس ثم خاطر ثم حديث نفس ثم همّ ثم عزم، ولا يُحاسب الإنسان إلا على العزم فقط.
  • إذا نوى الإنسان معصية ولم يفعلها فله ثواب، وإن فعلها عوقب عقاباً واحداً، وإن نوى الخير ولم يفعله فله ثواب، وإن فعله أثيب عشرة أمثالها.
  • النية ركن في العبادات عند الجمهور، في الوضوء والتيمم والاغتسال والحج والعمرة والصيام.
  • محل النية القلب، وزمنها أول العبادة إلا في الصيام فتكون في أي وقت من الليل.
  • الفرق بين القاعدة والضابط أن القاعدة تشمل أبواباً كثيرة، بينما الضابط يختص بمسألة معينة.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة عن قاعدة الأمور بمقاصدها ودليلها من السنة النبوية

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في هذه الحلقة نتحدث عن قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي الخمس التي قيل إنها هي الأساس لبناء الفقه كله. هذه القاعدة هي قاعدة «الأمور بمقاصدها»، ودليلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري وجعله لأهميته في صدر حديثه وفي صدر صحيحه، حيث جعله هو الحديث الأول في كتابه:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى»

فهو حديث يكاد أن يكون متواترًا؛ لأنه ذكره عمر بن الخطاب على المنبر وهو يتكلم أمام الصحابة ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعترض أحد. وشاع بعد ذلك في الطبقات المتأخرة إلى أن عَدَّ ابن حجر العسقلاني سبعمائة نفس يروونه من بعد سعيد أحد رواة الحديث.

أهمية حديث الأعمال بالنيات عند البخاري والنووي والمصنفين

هذا الحديث «إنما الأعمال بالنيات» من أهم الأحاديث التي استشعر بها وبأهميتها الإمام البخاري فجعله في صدر صحيحه. وشعر نفس شعور الإمام النووي، فلما ألَّف في الأربعين النووية التي هي تلك الأحاديث التي يُبنى عليها الدين، جعل هذا الحديث أول ما يذكره في أربعينه.

وهكذا فعل كثير من المصنِّفين [في علوم الحديث والفقه].

معنى النية ومراتب القصد الخمس عند العلماء

«إنما الأعمال بالنيات» أو «الأمور بمقاصدها» تجعلنا نريد أن نسأل أنفسنا عن معنى النية: ما هي؟

تأمَّل العلماء في اللغة وفي طريقة تفكير البشر وقالوا: مراتب القصد خمس:

  1. هاجس
  2. خاطر
  3. حديث النفس
  4. همّ
  5. عزم

كلها رُفعت [أي رُفع الإثم عنها] سوى الأخير وهو العزم، ففيه الأخذ [أي المؤاخذة] قد وقع.

تفصيل مراتب القصد من الهاجس إلى حديث النفس

إذا مراتب قصد الإنسان لفعل الشيء إما أن تكون هاجسًا، وهو ورود الصورة في الذهن، ورود صورة الشيء في الذهن سواء كان هذا الشيء طاعة أو كان معصية.

إذا ما تأكدت الصورة وثبتت يسمونه خاطرًا.

إذا ما تكلم الإنسان وتردد مع نفسه في الفعل وعدم الفعل، هل يُقدم على هذا الفعل سواء كان طاعة أو معصية، يُسمَّى حديث نفس.

مرحلة الهمّ والعزم وبداية الحساب على النية

إذا مالت نفسه إلى الفعل، فإنهم يُسمُّون هذه المرحلة مرحلة الهمّ، مثل قوله تعالى في سورة يوسف:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24]

يعني لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ولكنه قد نزَّهه الله عن ذلك.

المرتبة الأخيرة هي العزم، وهو القصد المؤكد، وهو أن يصمم الإنسان على فعل هذا الشيء. من هنا يبدأ الحساب بالثواب أو بالعقاب؛ إذ الأمور بمقاصدها، أي أن النية معتبرة.

عفو الله عما دون العزم من خواطر النفس ومراتب الثواب والعقاب

أما الهمُّ وما قبله فقد عفا الله سبحانه [عنه]. عندنا في حصول مثل هذه الأشياء التي ترد في الذهن والتي لا يخلو منها ولي مقرب ولا صالح ولا صديق، أنه يخطر في باله فعل المعصية، لكن لا تميل نفسه الميل المؤكد والعزم المؤكد عليه.

إذا نوى الإنسان معصية ثم لم يفعلها ومنع نفسه منها، فإنه يُثاب على ذلك. فإن فَعَلَها عُوقِبَ عِقَابًا واحدًا.

وإنْ نوى على فعل الخير ولم يفعل، يُثابُ على ذلك ثوابًا واحدًا. فإنْ فعله أُثيبَ على ذلك عشرةً من أمثالها من فضل الله علينا.

النية ركن من أركان العبادات عند جمهور العلماء

الأمور بمقاصدها، جُعلت النية ركنًا من أركان العبادات عند الجمهور [جمهور العلماء]:

  • هي ركن من أركان التيمم باتفاق.
  • هي ركن من أركان الوضوء؛ فالوضوء له أركان أولها النية، أن أنوي أن أرفع الحدث عن الجسم.
  • هي ركن من أركان الاغتسال الذي فيه تطهر من الجنابة.
  • هي ركن من أركان الحج.
  • هي ركن من أركان العمرة.
  • هي ركن من أركان الصيام في رمضان.

وجوب تبييت نية الصيام من الليل وكيفية ذلك عند المشايخ

وعند الجمهور [جمهور العلماء] ينبغي في كل يوم أن ننوي الصيام من الغد. وكان مشايخنا رحمة الله عليهم يعلموننا ونحن نتلو دعاء الإفطار أن نذكر معه نية الصيام حتى لا ننسى، فنقول:

«اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، نويت صيام غدٍ من رمضان لله العلي العظيم»

ونحن ما زلنا في الإفطار؛ لأن نية الصوم تقع في أي جزء من أجزاء الليل، والليل يبدأ عند المسلمين من الغروب، من غروب الشمس.

الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي مع التمثيل

الأمور بمقاصدها قاعدة فقهية وليست ضابطًا فقهيًا. والفرق بين القاعدة والضابط أن القاعدة نراها في كل الأبواب أو في جُلّ الأبواب أو في أبواب كثيرة في أبواب مختلفة، لكن الضابط إنما يكون في مسألة بعينها.

كالضابط الذي يقول أنه لا يجوز للرجل أن يجمع بين زوجتين لو فرضنا إحداهما أنثى والأخرى ذكرًا لما جاز أن يتزوج. هذا ضابط؛ لأنه مختص بهذه الجزئية في باب الزواج.

ولكن القاعدة تكون في باب الصيام، في كتاب الصلاة، في كتاب الحج، في كتاب الزواج، في كتاب الطلاق، في كل شيء.

أحكام النية من حيث المحل والزمن والتلفظ بها

هذه القاعدة [قاعدة الأمور بمقاصدها] تجعلنا نبحث أيضًا عن أحكام النية. فهذه النية محلها القلب، وهي غالبًا ما تكون واجبة.

والنية يمكن أن نتلو باللسان شيئًا في النية كما نفعل في الحج فنقول: «لبيك اللهم لبيك»، ولكن الأساس هو القلب.

وزمنها هو أول العبادة؛ مع تكبيرة الإحرام، مع بداية وضع الماء على الوجه في الوضوء، وهكذا. إلا في الصيام فإننا يتعذر علينا أن نراقب الفجر وننوي مع بداية أول ضوء من أضواء الفجر، هذا متعذر. ولذلك خفف الله عنا وجعل النية في أي وقت من أوقات الليل.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«من لم يُبيِّت الصوم من الليل فلا صيام له»

إلى لقاء قريب مع قاعدة أخرى.