قواعد الفقه الإسلامي | الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد | ح2 | ا.د. علي جمعة
- •اختلفت آراء الأئمة في المسائل الفقهية بناءً على تغير الأدلة والواقع، فالإمام الشافعي كان له قول قديم وقول جديد، والإمام أحمد كان يغير رأيه عند ثبوت حديث صحيح.
- •قاعدة "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" تعني الأخذ باجتهاد المجتهد الأخير بعد البحث والتمحيص، وتأخذ المدرسة الشافعية غالباً بقوله الجديد إلا في مسائل محدودة.
- •الشبهات ثلاثة أقسام: شبهة الفاعل كمن يشرب سائلاً يظنه ماءً فيظهر أنه خمر، وشبهة المحل كالشك في حل الطعام أو حرمته، وشبهة المذهب كاختلاف الأئمة في مسألة واحدة.
- •الاحتياط لا يمكن تصوره في شبهة الفاعل، لكنه واجب في شبهة المحل، ومندوب في شبهة المذهب.
- •في شبهة المذهب يجوز تقليد أي مذهب بشرط عدم تتبع الرخص، ومن التزم بمذهب معين فلا حرج عليه.
تعدد أقوال الأئمة بين القديم والجديد بسبب تغير الاجتهاد
أخرى من أدلة الشرع وعلى واقع آخر، ولأجل هذين السببين أنشأ [الإمام الشافعي] فقهًا جديدًا، فأصبح له في غالب مسائل الفقه قولان: قول نسميه القول القديم، وقول آخر نسميه القول الجديد.
كذلك الإمام أحمد كان يغير رأيه في كل مسألة تُعرض عليه إذا وجد نصًا من حديث قد وصله وثبت لديه أنه صحيح عن رسول الله ﷺ.
ومن أجل ذلك نرى أن الإمام أحمد له أكثر من رأي في مسائل كثيرة في الفقه، وصلت في بعض الأحيان إلى تسعة أقوال في المذهب الواحد.
قاعدة الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد والأخذ بالرأي الأخير للمجتهد
الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد، وإنما نأخذ باجتهاد المجتهد الأخير؛ هو الذي جاء بعد الفحص والتمحيص والدرس والبحث وإقامة الأدلة وإدراك الواقع إلى آخره.
ولأجل هذا وُجدت المدرسة الشافعية تأخذ بكلام الشافعي في الجديد غالبًا، إلا في نحو عشرين مسألة، فإنها تأخذ بكلامه القديم؛ لأنه تبيّن للشافعية أن رأي الشافعي القديم أقوى في الاعتماد على الدليل من رأيه الجديد.
جهود ابن تيمية الجد في تحرير مذهب الإمام أحمد واختيار الروايات الصحيحة
كذلك ابن تيمية الجد يحرر مذهب الإمام أحمد في كتاب له يُسمى المحرر، وينتقي الروايات الصحيحة عن الإمام، ويجعلها هي آخر اجتهادات الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، بل رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد، سنراها كلما رأينا اختلافًا في المذاهب، ولا نعترض باجتهاد مجتهد على مجتهد آخر.
تعريف الشبهة وأقسامها الثلاثة وشبهة الفاعل بالتفصيل
وهنا يجدر بنا أن نتعرض لمسألة مهمة سنزيدها بحثًا إن شاء الله في لقاءاتنا حول الشبهات الثلاث.
الإنسان قد يقع في شبهة؛ الحلال بيّن والحرام بيّن، لكن بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فما هي الشبهة؟ قال العلماء: الشبهة ثلاثة أقسام:
الشبهة الأولى: شبهة الفاعل، وهي أنني لا أعرف شيئًا؛ أشرب هذا السائل على أنه ماء ثم يتبين أنه خمر. أنا لم أكن أقصد ولم أكن أعلم ولم يخطر في بالي أصلًا أن هذا يمكن أن يُشتبه في أن يكون خمرًا، بل أظنه ماءً فظهر أنه ليس كذلك. هذه نسميها شبهة الفاعل.
شبهة المحل وشبهة المذهب مع أمثلة توضيحية لكل منهما
الشبهة الثانية: شبهة المحل، أنا أمامي طير لا أعلم إذا ما كان مذبوحًا على الطريقة الإسلامية أم أنه ميت، لا أعلم. أصبح هنا شبهة محل؛ لأن المحل الذي أمامي لا أعلم حله من حرمته.
الشبهة الثالثة: شبهة المذهب، وهي مثل أن الشافعي يقول: لمس المرأة ينقض الوضوء، وأبو حنيفة يقول: لمس المرأة لا يمحو [الوضوء]. أصبح عندي رأيان، أصبح عندي اجتهادان.
حكم الاحتياط في شبهة الفاعل وشبهة المحل ووجوبه عند الشك
الاحتياط لا يمكن تصوره في جانب شبهة الفاعل، ولكن يمكن تصوره بل ويجب في شبهة المحل.
أنا اشتبهت: هل هذه المرأة أختي من الرضاع أم لا؟ فينبغي عليّ ألا أتزوجها؛ لأن عندي شكًا. هل هذا العمل حلال أو حرام؟ هل هذا المحل الذي أمامي يجوز الإقدام عليه أو لا يجوز الإقدام عليه؟
فإنه ينبغي عليّ حينئذ [الاحتياط]؛ لأنني لا أعرف هل هذا السائل ماء أو خمر، لا أعرف هذا اللحم حلال أو حرام، لا أعرف هذه المرأة يجوز لي أن أتزوجها أو لا يجوز. إذن هذا يجب الاحتياط [فيه]، ومن هنا يقول كثير من العوام: الاحتياط واجب.
حكم الاحتياط في شبهة المذهب وخلاصة أحكام الاحتياط في الشبهات الثلاث
الثالث وهو شبهة المذهب: عندما أرى المذاهب الكثيرة فهنا أقول نعم، أنا لي أن أقلد من أشاء بشرط ألا أتتبع الرخص من المذاهب. فمن ابتُلي بشيء من ذلك فليقلد من أجاز، والاحتياط هنا مندوب.
فمن المندوب أن يقوم الإنسان فيتوضأ إذا ما لمس أجنبية، لكنه إذا التزم بمذهب معين فلا بأس، وإذا احتاط فلا بأس.
إذن فالاحتياط في شبهة الفاعل لا يمكن، وفي شبهة المحل واجب، وفي شبهة المذهب مندوب.
خلاصة قاعدة الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد والختام
هذا هو الذي نستفيده من قاعدة الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
