قواعد الفقه الإسلامي | الحاجة تنزل منزلة الضرورة | ح6 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الحاجة تنزل منزلة الضرورة | ح6 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، فالعامة تشمل جميع الناس، والخاصة تختص بطائفة معينة.
  • عقود المعاوضات يشترط خلوها من الغرر، والغرر هو تردد الشيء بين أمرين أخوفهما أعظمهما.
  • أباح النبي صلى الله عليه وسلم الإيجار رغم ما فيه من غرر، وكذلك عقد السلم (التوريد) للحاجة العامة.
  • الحاجة الخاصة تبيح المحظور كاستخدام المخدر في العمليات الجراحية رغم حرمته الأصلية.
  • ارتكاب أخف الضررين واجب عند تعارضهما، فيُرتكب الضرر الأقل لتجنب الضرر الأكبر.
  • أفتى العلماء بجواز دفن أكثر من ميت في مقبرة واحدة في مصر للحاجة، مع أن الأصل دفن كل ميت وحده.
  • الحاجة هي ما يصيب الإنسان بمشقة إذا لم يتناولها، بينما الضرورة ما يهلك الإنسان أو يقارب الهلاك بدونها.
  • تراعى الحاجة سواء كانت عامة أو خاصة بزمان أو مكان أو أشخاص معينين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة قاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اليوم مع قاعدة جديدة من قواعد الفقه الإسلامي العريق.

يقول الفقهاء فيها أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. فالحاجة العامة أي التي تعم كل الناس، والحاجة الخاصة هي التي تخص طائفة دون طائفة.

مثال الحاجة العامة عقد الإيجار وعقود المعاوضات في الفقه الإسلامي

الحاجة العامة مثل احتياج الناس إلى الإيجار دائمًا في عقود المعاوضات. العقود التي نسميها عقود المعاوضات أي أن هناك تبادلًا بين اثنين، فهذا يدفع شيئًا وهذا يدفع شيئًا مقابلًا له.

مثل عقد البيع فهو من عقود المعاوضات؛ لأن البائع يدفع السلعة والمشتري يدفع الثمن في مقابل هذه السلعة، فهناك معاوضة أي تبادل بينهما.

وجوب خلو عقود المعاوضات من الغرر وتعريفه وأمثلته

في عقود المعاوضات ينبغي أن تكون خالية من الغرر، والغرر معناه تردد الشيء بين أمرين أخوفهما أعظمهما. فتردد الشيء بين أمرين أخوفهما أعظمهما يجعلنا ننزه العقد من الغرر ومن شبهة الغرر.

الغرر كبيع الطير في الهواء أو السمك في الماء، كأن أتفق مع شخص أن نلقي بالشبكة في النهر والذي يخرج من السمك يكون في مقابل عشرة جنيهات، فقد يخرج بمائة وقد لا يخرج شيء، فيكون هذا غررًا. العقود دائمًا نحاول أن نبرئها من الغرر.

عقد الإيجار فيه غرر لكن حاجة الناس إليه جوّزته شرعًا

ولكن عقد الإيجار عقد فيه غرر؛ لأن الإنسان الذي يريد أن يستأجر بيتًا فإنه يريد أن ينتفع بهذا البيت لمدة شهر قادم، فهذه المنفعة ليست موجودة الآن، ولا أعرف إذا ما كنت سأحصل عليها على الوجه الذي ينبغي أو لا.

وهنا يأتي غرر في الإيجار، إلا أن حاجة الناس إليه قد جوَّزت هذا العقد، فأباح رسول الله ﷺ الإيجار على سبيل الرخصة.

عقد السلم والتوريدات وإباحته رغم الغرر لرفع الحاجة عن الناس

كذلك هناك عقود التوريدات، أدفع الآن نقودًا ثم بعد ذلك أستلم السلعة التي قد اتفقنا عليها ووصفناها وصفًا تامًا، بعد ذلك بعد شهر أو شهرين يوردها لي صانعها أو بائعها. إذا السلعة ليست موجودة لدي الآن، هذه السلعة وإن كانت مفقودة، وإن كان هذا الفقد فيه شيء من الغرر، إلا أن النبي ﷺ أرخص -أي جعلها رخصة- أرخص في السلم. هذا العقد، عقد التوريد هذا، نسميه السلم.

إذن الإيجار والسلم ونحوهما من العقود قد أبيحت في الشريعة الإسلامية من أجل رفع الحاجة عن الناس.

الفرق بين الحاجة والضرورة وأن ترك الحاجة يسبب مشقة بالغة وحرجًا

لن يموت الإنسان إذا لم يستأجر، ولن يموت الإنسان إذا لم يقم بعقود التوريدات، ولكن ستصيبه مشقة بالغة تجعله في حرج، والدين يرفع هذا الحرج.

كذلك الحاجة الخاصة فإنها تبيح المحظور، ويظهر هذا كثيرًا في قضايا الطب.

إباحة التخدير الطبي رغم حرمته الأصلية لحاجة المريض إلى العملية الجراحية

لأن الحاجة إلى المخدر حتى تتم العملية الجراحية في سهولة ويسر، من غير أن يصاب الإنسان بصدمة عصبية قد تودي بحياته، أو يتحمل من الألم الفظيع ما لا يطيق، فإنه يجوز له أن يتناول المخدر بالرغم أن المخدر هذا في أصله حرام؛ لأنه يزيل العقل.

والعقل مناط التكليف، والتكليف متعلق بالعقل، فلا بد أن يكون الإنسان المسلم واعيًا لأمور عمارة الدنيا وعبادة الله سبحانه وتعالى. ومن أجل ذلك كانت المحافظة على العقل من أهم المقاصد التي راعاها الشارع وأمر بها.

قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب وتطبيقها على التخدير الطبي

ولكننا نأتي ارتكابًا لأخف الضررين، ولذلك هناك قاعدة أخرى تقول إن ارتكاب أخف الضررين واجب. ارتكاب أخف الضررين واجب، هذه قاعدة مهمة جدًا، وسنفرد لها لقاءً خاصًا؛ لأنها يتفرع عليها الكثير مما نحتاجه في عصرنا الحاضر.

لأننا لو لم نرتكب الضرر الأقل لارتكبنا ووقعنا في الضرر الأبلغ والأكبر، ولولا أن نأخذ المخدر لأهدرنا الحياة أو تحملنا ما لا نطيقه من الألم، وتشوشت علينا حياتنا وتشوشت علينا صحتنا وتشوشت علينا عبادتنا وهكذا.

تطبيق القاعدة على فتوى جواز الدفن الجماعي في مصر لحاجة الناس

ومن أجل ذلك كانت الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. أفتى العلماء كثيرًا بهذه القاعدة عندما عمت البلوى على الناس بأمور لا يستطيعون أن يفروا منها.

مثل ما حدث في قضايا الدفن، فإن أصل الشريعة أن يُدفن كل واحد على حدة، كل إنسان يُدفن وحده في شق أو في لحد. ولكن في بلد مثل مصر مثلًا نرى المدافن من قديم الزمن يُدفن فيها أكثر من شخص.

الفقهاء نصوا على أن ذلك لا يكون إلا بضرورة ولحاجة، ولأن أرض مصر من النيل أرض رطبة، اضطر الناس أن يبنوا هذه المقابر على هذه الهيئة وأن يدفنوا في كل مقبرة واحدة أكثر من جثمان وأكثر من إنسان.

المشقة البالغة في استعمال الصحراء للدفن وفتوى العلماء بجواز الدفن الجماعي

لأن الفرد لو أننا استعملنا الصحراء [للدفن الفردي] هذا ممكن، ولكنه فيه مشقة بالغة وكبيرة في الانتقال وفي الذهاب إلى هذه الأماكن النائية البعيدة عن تلك الأرض بهذه الخاصية.

فأفتى العلماء بجواز ذلك [أي الدفن الجماعي]، لا لأن أصل الدين يأمر بذلك، لا، ولكن لأن هذه الحالة حالة خاصة ينبغي أن نراعيها، وينبغي أن نفتي الناس بما يسهل عليهم أمر دينهم.

خلاصة قاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة والفرق بين الحاجة والضرورة

فالحاجة وهي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة كما ذكرنا قبل ذلك، الحاجة تنزل منزلة الضرورة وهي التي إذا ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.

سواء كانت هذه الحاجة عامة أي في كل الأشخاص أو في كل زمان أو في كل مكان أو في كل الأحوال، أو كانت خاصة بزمان معين أو مكان معين أو أشخاص معينين أو حالة معينة.

وإلى لقاء آخر في حلقة أخرى، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.