قواعد الفقه الإسلامي | الحر لا يدخل تحت اليد | ح8 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الحر لا يدخل تحت اليد | ح8 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • قاعدة "الحر لا يدخل تحت اليد" من قواعد الفقه الإسلامي تعني أن الإنسان الحر لا يخضع لسلطان أو استيلاء غيره كما هو الحال مع العبد.
  • دراسة أحكام العبيد مهمة رغم انتهاء الرق، إذ تمثل ثروة فقهية يمكن الاستفادة منها في معالجة قضايا معاصرة كالشخصية الاعتبارية والشركات المساهمة.
  • الشرع الإسلامي متشوف للحرية وإلغاء العبودية، لذا أفتى العلماء بالعتق في مواضع الخلاف.
  • تطبيقات القاعدة: الحابس للحر لا يضمن موته الطبيعي، بخلاف العبد فيضمنه.
  • في وطء الشبهة، لا يضمن موت الحرة أثناء الولادة، بينما يضمن موت الأَمَة ويدفع ثمنها.
  • في الزواج، لا يؤخذ الرجل بجريرة المرأة الحرة التي ادعت خلوها من الموانع الشرعية وهي متزوجة بآخر.
  • المرأة الحرة لا مهر لها إذا طاوعت على الزنا، بخلاف الأمة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة وتقديم قاعدة الحر لا يدخل تحت اليد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، مرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي. وقاعدتنا اليوم تقول: «الحر لا يدخل تحت اليد».

أهمية دراسة أحكام العبيد في الفقه الإسلامي رغم انتهاء الرق

وفي الحقيقة أن الفقه الإسلامي اهتم كثيرًا بأحكام العبيد، وكثير من الناس اليوم لا يهتمون بدراسة هذا الجانب في الفقه الإسلامي. وأرى ذلك قصورًا أو تقصيرًا؛ لأن هذه الأحكام حتى ولو لم يعد هناك رق ولم تعد هناك عبودية، إلا أن هذه الأحكام في حقيقة الأمر تمثل ثروة كبيرة للفقه الإسلامي في قضية الإلحاق بها.

تنفعنا كثيرًا في معالجتنا لقضايا الشخصية الاعتبارية، أو تداخل الذمم في نحو الشركات المساهمة، أو في نحو المؤسسات الحديثة التي لم يعرفها زمن الفقهاء العظام. فدراسة مثل هذه الفروع المتعلقة بالرق وبالعبد وبعلاقته مع سيده دراسة مفيدة جدًا؛ لأننا نستطيع أن نلحق بها أشياء كثيرة تفوت علينا منفعتها إذا ما نحن أهملناها.

سبب اختيار قاعدة الحر لا يدخل تحت اليد وتشوف الشرع للحرية

ومن أجل ذلك تخيرت لكم اليوم هذه القاعدة حتى ولو كانت متعلقة بالعبودية التي ذهب زمانها، ووافق علماء المسلمين وحكامهم على أن تذهب؛ لأن الشرع الشريف في أصله متشوف للحرية ولإلغاء العبودية.

ولذلك ليس هناك فرع يختلف فيه النظر فيما إذا كان يُعتق هذا العبد أو لا يُعتق، إلا وأفتى العلماء بعتقه؛ لأنه يسير مع أصل الشرع أنه متشوف للحرية. ولكن دراستنا لهذه الناحية من مناحي الفقه الإسلامي تتأتى للاستفادة منها فيما قد حل بنا من مسائل معاصرة.

معنى قاعدة الحر لا يدخل تحت اليد وتشوف الشرع للعتق

نقول: «الحر لا يدخل تحت اليد»، يعني تحت السلطان، يعني الحر لا يمكن أن أتصرف فيه كما أتصرف في العبد. العبودية تنقل الإنسان إلى عالم الأشياء، ومن أجل ذلك والاحترام الإنساني كإنسان، تشوف الشرع الشريف للعتق وجعله واسعًا وسدَّ كثيرًا من منافذ الرق.

لكن الحر يبقى حرًا، لا يمكن أن يدخل تحت استيلاء وتحت سلطان وتحت يد وتحت قهر، كل هذا بمعنى واحد.

حكم حبس الحر إذا مات حتف أنفه دون تعذيب أو منع طعام

ولذلك لو حبس شخص ما، حبس إنسانًا حرًا ولم يمنعه الطعام والشراب وكذا إلى آخره، لكنه حبسه عنده فمات، مات بأجله، جاء أجله فمات، كما يقولون: مات حتف أنفه، لا بسبب هذا الحابس، لم يعذبه، لم يمنع عنه الطعام، بل هو مات بشكل طبيعي، يعني حتف أنفه.

فإن هذا الحابس لا يضمن، لا يُعد قاتلًا له يستوجب القصاص مثلًا. أما لو أنه قد عذبه أو منعه الطعام فإنه يُقص [أي يُقتص منه].

الفرق بين حبس الحر وحبس العبد في الضمان عند الموت

أما لو فعل هذا الفعل مع العبد، قبض على عبد ووضعه في محبسه ولم يمنعه الطعام ولا الشراب ولم يعذبه ولم يؤذيه ولم يقتله، ومات العبد حتف أنفه، فإنه يضمن؛ لأن العبد هذا في معاملته كأنه شيء، تحول إلى شيء [أي أن العبد في الأحكام المالية يُعامل معاملة الأموال فيُضمن بالتلف تحت اليد].

حكم وطء الشبهة مع الحرة والأمة إذا ماتت أثناء الولادة

مثلًا، هناك كما شرحنا مرات ما يُسمَّى بوطء الشبهة، أن يطأ الإنسان امرأة وهو يعتقد أنها زوجته فيظهر أنها ليست زوجته، هذا يُسمَّى بوطء الشبهة.

لنفترض أنه فعل هذا مع امرأة حرَّة فحملت منه، فلما حملت منه وجاءت للولادة، ماتت وهي تلد، فلا شيء عليه [أي لا ضمان عليه؛ لأن الحرة لا تدخل تحت اليد].

ننتقل إلى الصورة الأخرى: هو فعل هذا مع أَمَة ظنها أنها أمته وبانت أنها ليست بأمته، وطء شبهة مع أمة، حملت منه، ماتت الأمة وهي تضع (تلد)، مثل الصورة الأولى، ولكن هذه كانت حرة وهذه معنا الآن أمة [رقيق]، فإنه يدفع ثمنها ويضمن، وفي الأولى [الحرة] لا يضمن.

حكم مهر الحرة والأمة في حالة المطاوعة على الزنا

مثلًا، لو طاوعته حرة - والعياذ بالله تعالى - على الزنا، ووافقت معه على الزنا، فإنه لا مهر لها بإجماع المسلمين. في حين أن الأمة لو طاوعته على الزنا فلها المهر في أحد الآراء.

لماذا؟ لأن الحر، وهي هذه الحرة، ليست تحت سلطانه، إنما هي فعلت مطاوعة من نفسها، أسقطت حقها في الزواج منه بذلك، بتلك المعصية وبهذه المطاوعة [أما الأمة فهي مال لسيدها، فالتصرف فيها يوجب الضمان حتى لو طاوعت].

توجيه الدعوى عند ادعاء رجل آخر زوجية امرأة حرة متزوجة

لو أن امرأة حرة تزوجت برجل، وإذا بنا برجل آخر يأتي ويقول: هذه المرأة زوجتي.

فمن نحاكم؟ نوجه القضية ضد من؟ ضد هذه المرأة، ونقول لها: إن هناك رجلًا جاء يدعي أنك زوجته، وبيّني لنا الحقيقة: أنت زوجة هذا أم زوجة ذاك؟ أو نوجه هذا إلى الرجل زوجها الذي يُعد في صورتنا هذه الزوج الثاني إن صحت الدعوة؟

الرجل الأول [المدَّعي] هذا فقال [الفقهاء]: «الحر لا يدخل تحت اليد»، ما ذنب هذا الرجل [الزوج الثاني] وقد جاءته هذه المرأة وادعت أنها خالية من الموانع الشرعية وتزوجها؟ فإذا بها متزوجة بآخر. فلأن الحر لا يدخل تحت اليد، توجه القضية إليها ولا توجه القضية إليه.

حكم الزوج إذا كان يعلم بزواج المرأة السابق والفرق بين الحرة والأمة

إلا إذا ظهر وبان أنه [الزوج الثاني] كان يعلم ذلك [أي يعلم أنها متزوجة]، ففي علمه بهذا تلاعب بالشريعة؛ لأنه يعلم أن زواجه باطل وأن ما يتم بينهما إنما هو زنا وأن هذا حرام. أما إذا كان لا يعلم فإنه لا يؤخذ بجريرة هذه المرأة.

فلو أنها كانت أَمَة مثلًا وكانت زوجة لغيره، فإن في هذه الحالة يؤخذ هذا الرجل بجريرة تلك الأمة [لأن الأمة تدخل تحت اليد فيُسأل عنها من وضع يده عليها].

خاتمة الحلقة والتأكيد على الاستفادة من ثروة الفقه الإسلامي في المسائل المعاصرة

«الحر لا يدخل تحت اليد»، كلام وإن تعلق بالعتق وبالرق وبالحرية، وهي أمور والحمد لله عافانا الله منها في العصر الحديث، واتفقنا مع جملة البشر على إنهاء الرق، وهو ما أمر به الإسلام في أثناء تعليمه، إلا أننا نستفيد من تلك الثروة الكبيرة الضخمة التي تركها لنا علماء المسلمين في بحوثهم المتعددة.

إلى لقاء قريب مع حلقة جديدة أخرى من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، أستودعكم الله سبحانه وتعالى، والسلام عليكم ورحمة الله.