قواعد الفقه الإسلامي | الرخص لا تناط بالمعاصي | ح11 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الرخص لا تناط بالمعاصي | ح11 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • الرخصة هي حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر كالمشقة والحرج، بينما العزيمة هي الحكم الثابت وفق الدليل كالصلاة والصيام.
  • من الرخص الإفطار في رمضان للمسافر، وقصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين المتوائمتين، والمسح على الخفين لمدة يوم في الحضر وثلاثة أيام في السفر.
  • قاعدة "الرخص لا تناط بالمعاصي" تعني أن الرخص لا تُمنح لمن ارتكب معصية.
  • هناك فرق بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر؛ فالأولى تعني السفر للمعصية كالسفر للقتل، وهنا لا يُسمح بالترخص.
  • أما المعصية في السفر فتعني ارتكاب معصية عَرَضاً أثناء سفر مباح أو مندوب، وهنا يجوز الترخص.
  • من فروع القاعدة: الاستنجاء لا يصح بمحرم كاستخدام الذهب والفضة أو الطعام المحترم.
  • حرم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء معاً، مع جواز لبس الذهب للنساء والفضة للرجال.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة وتعريف قاعدة الرخص لا تناط بالمعاصي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، معنا اليوم قاعدة تقول: الرخص لا تُناط بالمعاصي.

الرخصة هي حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر، هذا العذر هو المشقة والحرج؛ فالله سبحانه وتعالى يريد رفع المشقة عنا وما جعل علينا في الدين من حرج، رحمةً منه. ومن أجل ذلك فإنه أنزل الأحكام الشرعية، فأسمينا هذه الأحكام والتكاليف بالعزيمة، وهو الحكم الذي ثبت على وفق الدليل: الصلاة، الصيام، الحج، الجهاد، الزواج، البيع، الشراء، الميراث، كل هذا إنما هو عزيمة.

أمثلة على الرخص الشرعية في السفر من قصر وجمع وإفطار

ثم بعد ذلك جاء تخفيف، فأجاز لنا أن نُفطر في رمضان إذا كنا مسافرين، وأُجيز لنا أن نقصر الصلاة، وأُجيز لنا أن نجمع بين الصلاتين المتوائمتين: الظهر والعصر معًا جمع تقديم أو جمع تأخير، والمغرب والعشاء معًا جمع تقديم أو جمع تأخير.

وأُجيز لنا أن نمسح على الخف في الوضوء، وأُجيز لنا أن يستمر هذا المسح لمدة يوم أربعة وعشرين ساعة في الحضر، وإذا كنا في السفر فإنه أجاز لنا المسح على الخفين ثلاثة أيام.

بيان كيفية حساب مدة المسح على الخفين من وقت نقض الوضوء

يبدأ اليوم في المسح على الخف من حين نقض الوضوء بعد لبسه. فمثلًا لو توضأت الساعة العاشرة صباحًا، ثم بعد ذلك لبست الخف في الساعة الثانية ظهرًا وأنا متوضئ؛ لأنه لا بد في لبس الخف يتطلب أن أكون متوضئًا.

ثم بعد ذلك في الساعة الخامسة نقضتُ هذا الوضوء الذي لبستُ فيه الخُفَّ، فإن الأربعة والعشرين ساعة أو الثلاثة أيام التي في السفر تبدأ من حين الساعة الخامسة هذه، لا من حين الساعة العاشرة صباحًا ولا من حين الساعة الثانية ظهرًا، بل من حين نقض الوضوء بعد لبس الخف وهي الساعة الخامسة.

رخصة أكل المحرمات عند الضرورة ورفع المشقة في الشريعة

رُخَصٌ كثيرة يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِلَّا مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 173]

حرَّم علينا الخمر والميتة والخنزير، ثم أجاز لنا أن نأكل عند الضرورة إذا خفنا على أنفسنا الهلاك.

رُخَصٌ كثيرة في الشريعة الإسلامية جاءت لرفع المشقة والحرج، إذن فهو رحمة من عند ربنا.

معنى قاعدة الرخص لا تناط بالمعاصي والفرق بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر

ولكن الرخص لا تُناط بالمعاصي، يعني الرخص التي فيها تخفيف لم يجعلها ربنا سبحانه وتعالى حتى نستعملها ونحن نرتكب المعصية، ونقول: نحن سنرتكب هذه المعصية ونتمتع في نفس الوقت بالرخصة؛ لأن الرخصة لا تتعلق ولا تُناط بالمعاصي.

فلو أن هناك من سافر في معصية، سافر في معصية، فالسفر هنا سفر معصية. وهناك فرق بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر، وسوف نخصص حلقة للفرق بينهما؛ لأننا في حاجة إليها في عصرنا الحاضر.

تعريف المعصية بالسفر وحرمة التمتع بالرخص فيها

التفريق بين الأمرين: المعصية بالسفر أنني أسافر لأقتل، أنني أسافر لأقطع الرحم، أنني أسافر لأُفسد في الأرض، هذه معصية بالسفر؛ أصبح [السفر] وسيلة للمعصية.

لا يجوز أثناء السفر أن أتمتع برخصه، لا يجوز لي وأنا مسافر وهذا السفر معصية في حد ذاته أن أمسح على الخفين، ولا أن أقصر الصلاة، ولا أن أتيمم، ولا أن أقصر أو أجمع بين الصلاتين، ولا أن أُفطر في الصيام. وهكذا لا صيام ولا صلاة ولا أقصر ولا كذا إلى آخره أتمتع فيها بالرخصة؛ لأن الرخص لا تُناط بالمعاصي.

المعصية في السفر لا تمنع من التمتع بالرخص الشرعية

أما المعصية في السفر فيمكن لي أن أتمتع بالرخصة. المعصية في السفر أنني سافرت من أجل طلب العلم، أو من أجل العمل، أو من أجل الجهاد في سبيل الله، أو من أجل زيارة الوالدين وبرهما، أو صلة الرحم.

ثم وأنا مسافر ارتكبت معصية عَرَضًا، لم يكن للسفر تعلق بها، هي معصية من المعاصي التي يمكن لأي إنسان أن يرتكبها في أي مكان وفي أي زمان.

إذن، هناك فرق ما بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر. إذا كان السفر معصية في حد ذاته فلا يمكن أن أتمتع بالرخص المتعلقة [بالسفر].

حكم الرخص في السفر المباح أو الواجب إذا ارتكبت فيه معصية عرضية

إذا كان [السفر ليس معصية] إنما سافرت سفرًا مباحًا أو مندوبًا أو واجبًا مثل الجهاد، وأنا في هذا السفر ارتكبت معصية ومخالفة، فهذا لا علاقة له بالرخصة؛ لأن الرخصة إنما تعلقت بالسفر، والسفر هنا ليس بمعصية.

إذن أُنفِّذ الرخص: أمسح على الخفين لمدة ثلاثة أيام، أقصر الصلاة، أُفطر في رمضان، لي هذا إلى آخره. إذا المعصية أو الرخص لا تُناط بالمعاصي.

الاستنجاء بالأحجار رخصة وشروط ما يُستنجى به من الطهارة والاحترام

من أمثلة هذه القاعدة ومن فروعها الاستنجاء. يجوز أن يكون بالماء، وهو إزالة النجاسة بعد قضاء الحاجة من بول أو غائط. ويجوز أيضًا أن يكون بالأحجار، والأحجار هنا مفهومها أنها كل جامد قالع لعين النجاسة، رافع لعين النجاسة، يعني طاهر لا يكون نجسًا، غير محترم.

فإذا كان محترمًا مثل الطعام، مثل الخبز مثلًا، لا يجوز أن نستنجي بالخبز؛ لأن الخبز مُكرَّم كما ورد في الحديث الصحيح، حرام أن نفعل ذلك. فهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز استخدامها في إزالة النجاسات؛ إذ يكون في ذلك بطر وعدم احترام.

حكم الاستنجاء بالذهب والفضة وتطبيق قاعدة الرخص لا تناط بالمعاصي

وإذا [استُنجي بشيء محرم] النجاسة هل تزول؟ قالوا: الرخص لا تُناط بالمعاصي، ولذلك لا تزول.

حرّم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم آنية الذهب والفضة وقال:

قال رسول الله ﷺ: «هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة»

ونهى عنها أن نأكل في صحاف الذهب والفضة. وقاس العلماء على ذلك كل الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة، يحرم على الرجال والنساء معًا [استعمالها في الأواني]. يجوز استعمالها للرجال أن يلبسوا خاتم الفضة، ولا يجوز لهم أن يلبسوا الذهب. يجوز للنساء أن يلبسن الذهب والفضة، لكن استعمال الأواني والأدوات ممنوع أن تُصنع من الذهب والفضة.

حكم من استنجى بحجر من ذهب أو فضة وتطبيق القاعدة عليه

إذا أتى أحدهم بشيء كحجر الاستنجاء من ذهب أو من فضة واستنجى بها، هل يكون قد أتمَّ ما طُلب منه وهو قد استعمل حرامًا؟ قالوا: الرخص لا تُناط بالمعاصي [فلا يُجزئه ذلك الاستنجاء].

كثيرة جدًا هي فروع هذه القاعدة، والوقت لا يسمح لشرحها وبيان أحوالها كلها، ولكن يمكن بما ذُكر أن تستدل على غيره.

خاتمة الحلقة والتوديع بالدعاء والسلام

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.