قواعد الفقه الإسلامي | الضرر لا يزال بالضرر | ح16 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الضرر لا يزال بالضرر | ح16 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر" تخصص القاعدة الكبرى "الضرر يزال"، فالشريعة متطلعة لإزالة الضرر لكن ليس بإحداث ضرر آخر.
  • إزالة الضرر بضرر مماثل لم تحقق الهدف، إذ ليس أحد الضررين أولى من الآخر.
  • من فروع هذه القاعدة على المذهب الجديد للشافعي: عدم وجوب العمارة على الشريك، فلا يلزم الشريك بالمشاركة في تكاليف الإصلاح خلافاً للحنفية.
  • عدم إجبار الجار على وضع الجائز (خشب السقف) على حائط جاره.
  • لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر إلا أن يكون نبياً، استثناء مرتبط بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.
  • في حالة الحرب، لو سقط شخص على جريح، لا يجوز له التحول إلى جريح آخر فيقتله، إلا إذا كان الأول أكثر أهمية للمسلمين كقائد المعركة.
  • التكافؤ شرط مهم في تطبيق هذه القاعدة، وإن تساوى الضرران فالاستمرار أولى.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة وتقديم قاعدة الضرر لا يزال بالضرر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، مرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، مع قاعدة أخرى نلقي عليها مزيدًا من الضوء.

قاعدة اليوم تقول: «الضرر لا يُزال بالضرر». تتذكرون القاعدة الكبرى: «الضرر يُزال»، فكانت هذه القاعدة جاءت تخصص عموم تلك القاعدة الكبيرة.

شرح معنى قاعدة الضرر لا يزال بالضرر ومنطقها

نعم، الشريعة متطلعة إلى إزالة الضرر ومتطلعة إلى أن الضرر يُزال، لكن لا يُزال بضرر آخر، بل يُزال بحيث ينتهي الضرر عن الجميع.

لأن في الحقيقة إزالة الضرر بضرر آخر يعني أننا لم نفعل شيئًا؛ أزلنا ضررًا وأوجدنا ضررًا آخر، وليس واحدٌ [من الضررين] أحدُ الضررين بأولى من صاحبه.

ولذلك فمنطقيًا الضرر لا يُزال بالضرر. هذه القاعدة التي خصصت القاعدة الكبرى «الضرر يُزال»، فكأننا نقول: الضرر يُزال ولكن لا يُزال بالضرر.

فرع عدم وجوب العمارة على الشريك عند الشافعي والخلاف مع الحنفية

لها [لهذه القاعدة] فروع، من فروعها على المذهب الجديد للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وهو فيها خلاف بين الشافعية والحنفية: عدم وجوب العمارة على الشريك.

إذا كان هناك حائط بين اثنين وهذا الحائط يحتاج إلى عمارة ويحتاج إلى تجديد من جانب أحد الشركاء، من جانب شريك من الشريكين، فهل يجب شرعًا على الآخر أن يقوم بالإصلاح؟ أم أن الشريك ليس عليه واجب في هذا [الإصلاح]، ومن تضرر هو الذي عليه أن يقوم بتلك العمارة وأن يتحمل تكليفها؟

الشافعي في الجديد إذ يقول بعدم وجوب العمارة على الشريك.

تطبيقات معاصرة لمسألة العمارة بين الشركاء والسكان وموقف أبي حنيفة والشافعي

هذه المسائل كثيرًا ما نُسأل عنها في قضايا الشركاء أو السكان، خاصة في دورات المياه التي كثيرًا ما تحدث مشاكل في الأدوار المتعددة، فيسألون:

هل عندما شاركته في السقف فأصبح هناك وجوب العمارة عليّ؟

أبو حنيفة يقول: نعم، ينبغي أن يقوم الشريك بالاشتراك في التكلفة في الإصلاح. الشافعي يقول: لا، مستدلًا بهذه القاعدة، أو جاريًا بمعنى أصح هذه القاعدة على ذلك الفرع.

عدم وجوب العمارة على الشريك فيها خلاف، ولكن هذا فرع يصور لنا معنى القاعدة: أنا لا أريد أن أزيل الضرر الذي حدث لأحد الشركاء بضرر آخر يقع على عاتق ويقع عبء على الشريك الآخر؛ لأن الضرر لا يُزال بالضرر.

عدم إجبار الجار على وضع الجذوع على حائط جاره تطبيقًا للقاعدة

أيضًا [من فروع هذه القاعدة]: عدم إجبار الجار على وضع الجذوع على حائط جاره، وهذا يوجد في الريف عندما تتلاصق البيوت ويحتاج الجار إلى أن يضع الجذوع التي يسقف بها أسقف بيته على حائط الجار الآخر.

فإننا لا نُجبر هذا الجار على الموافقة، فله أن يرفض؛ لأن الضرر لا يُزال بالضرر، فله أن يبني إذا حائطًا لنفسه ويضع عليه تلك الجذوع.

لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر واستثناء النبي في كتب الفقه

لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر؛ لا يجوز أن أزيل ضرر نفسي وأوقع الضرر بالشخص المقابل. في كتب الفقه يقولون: إلا أن يكون نبيًا.

ويتساءل بعض الناس: لماذا يذكرون هكذا في الفقه «إلا أن يكون نبيًا»؟

في الحقيقة أنهم راعوا في ذلك الأحاديث التي وردت في نزول سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في آخر الزمان، فقد تواترت الأحاديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول عيسى، وأنه قد رُفِعَ إلى السماء بجسده العنصري، وسوف ينزل في آخر الزمان حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرفض الجزية ويلقي الإسلام بجيرانه في الأرض.

فالمسلمون ينتظرون نزول المسيح عليه السلام كما ثبت في السنة الصحيحة.

سبب ذكر الفقهاء لاستثناء النبي في مسألة إيثار المضطر

من أجل ذلك نجد الفقهاء يكتبون في كتبهم مثل ذلك الفرق [استثناء النبي]؛ لأن عيسى كما ورد في الآثار عندما ينزل ستكون هناك ملاحم كبيرة وقتال، وسيكون وقت هو أشبه بوقت الضرورات.

فإذا ما كان الإنسان المسلم مع عيسى في حالة اضطرار فإنه يُفضّل على نفسه ذلك النبي؛ لأنه لا يُفضّل - لا نستطيع تفضيل الواحد على الآخر إلا إذا كان هذا الآخر نبيًا.

ولذلك قالوا هذا الفرق: لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر إلا أن يكون نبيًا.

حكم سقوط شخص على جريح في الحرب وتطبيق قاعدة الضرر لا يزال بالضرر

أيضًا تصوروا لو أن في الحرب وقع شخص على جريح، والجرحى في الحرب كثيرون. عندما وقع على الجريح وسقط عليه، نظر يمينًا ويسارًا فوجد أنه لو انتقل من الجريح الذي سقط عليه إلى الجريح الذي بجواره قتله، ولو استمر باقيًا وهو غير قادر على القيام لسبب أو لآخر قَتْلُ مَنْ هو تحته.

الضرر لا يُزال بالضرر؛ الضرر الذي أصاب الله به ذلك الجريح الذي سقط عليه هذا الإنسان لا نُزيله بضرر آخر، وهو أن يتحول إلى آخر فيقتله.

اشتراط التكافؤ بين الجريحين وحكم الاستمرار أو الانتقال

ولذلك اشترط الفقهاء هنا التكافؤ، أن يكون الجريح هذا كُفؤًا لهذا الجريح الآخر. فإذا كان هناك تكافؤ بين الجريحين فإنه يستمر - الفتوى أن يستمر على ما هو عليه؛ لأن الضرر لا يُزال بالضرر.

متى يكون هذا الجريح ليس كُفؤًا لهذا الجريح؟

إذا كان هذا قائد المعركة، أو كان الجريح الذي سقطت عليه معه أسرار أو عنده خطة تنفع المسلمين، أو بموته يُضار المسلمون كثيرًا، والآخر لا [يترتب على موته مثل ذلك]، يجب عليه الانتقال. لكن إذا تساوى وتكافأ فالاستمرار أولى.

خاتمة الحلقة وتلخيص قاعدة الضرر لا يزال بالضرر

الضرر لا يُزال بالضرر، قاعدة متفرعة من [القاعدة الكبرى] «الضرر يُزال».

مع حلقة أخرى وإلى حلقة أخرى وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.