قواعد الفقه الإسلامي | الضرورات تبيح المحظورات | ح12 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" متفرعة من قاعدة "الضرر يُزال"، وتطبق بشرط ألا تكون الضرورة أقل من المحظور.
- •الضرورة الشرعية هي ما إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب الهلاك، مثل الأكل والشرب.
- •الحاجة تنزل منزلة الضرورة وهي ما يصيب الإنسان بمشقة بالغة إن لم يتناولها، كالسكن.
- •من تطبيقات القاعدة: إباحة أكل الميتة للمضطر، وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.
- •يجوز أخذ مال الممتنع عن أداء الدين بشروط: استقرار الدين، اعتراف المدين به، يساره، تحديد المبلغ.
- •يجوز دفع الصائل (المعتدي) بالأهون فالأهون، حتى القتل إن لزم الأمر.
- •تهدف الشريعة إلى حفظ المقاصد الخمسة: النفس والعقل والدين والعرض والمال.
- •جاءت هذه القاعدة لرفع الحرج عن المكلفين عند الضرورة.
مقدمة حلقة قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وأصلها الفقهي
مرحبًا بكم أيها الإخوة المشاهدون في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي.
اليوم معنا قاعدة فرعية متفرعة من قاعدة أصلية تقول: الضرورات تبيح المحظورات، وهي قاعدة شاعت على ألسنة الناس: الضرورات تبيح المحظورات، مأخوذة من القاعدة الكبيرة: الضرر يُزال.
الشريعة بُنيت على إزالة الضرر، بُنيت على جلب المصلحة ودفع المفسدة، جلب المنافع للناس، ودفع المفاسد عن الحياة، بُنيت على إصلاح الأرض دون إفسادها.
قال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
وعندما نصل إلى حد الضرورة فإن الضرورة تبيح المحظور، بشرط عدم نقصان الضرورة عن المحظور؛ ولذلك فحقيقة القاعدة ينبغي أن يُقال فيها: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها.
تعريف الضرورة الشرعية والفرق بينها وبين الحاجة في الفقه الإسلامي
ما الضرورة؟ الضرورة: إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، هذه هي الضرورة الشرعية، هذه هي الضرورة بمعناها الفقهي الدقيق، أنه إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.
إذن فالأكل ضرورة، والشرب ضرورة، واللبس ضرورة، والنوم ضرورة، وقضاء الحاجة ضرورة؛ لأنه إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.
هناك مرتبة أخرى تحت الضرورة تسمى الحاجة، تنزل منزلة الضرورة. ما هي الحاجة؟ إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة، لا يموت ولا يقرب من الموت، لكنه يجهد ويتعب.
مثل السكن، إذا كان شخص لا سكن له، فإنه يكون في نكد مستمر، فالسكن حاجة. نعم، فهو إذا عاش يلتحف السماء ويفترش الأرض لا يموت، لكنه تصيبه مشقة بالغة؛ ولذلك فهنا الحاجة تنزل منزلة الضرورة، سواء كانت هذه الحاجة عامة أو خاصة.
إباحة أكل الميتة وشرب الخمر للمضطر من فروع قاعدة الضرورة
من فروع هذه القاعدة [الضرورات تبيح المحظورات] أن الله سبحانه وتعالى أجاز للمضطر الذي أشرف على الهلاك أن يأكل الميتة، وقال تعالى:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]
الخمر حرام، ولكن أجاز [العلماء] لمن غصَّ بلقمة ولم يجد أمامه إلا الخمر أن يبتلع الخمر حتى تنزل هذه اللقمة إلى معدته، ولا تقف في حلقه فيموت.
ولذلك قالوا: إساغة اللقمة بالخمر حلال، إساغة لقمة أي محاولة إنزالها وعدم وقوفها وحشرها في الحلق حتى لا يموت الإنسان.
حكم التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه تطبيقًا لقاعدة الضرورة
التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه: نرى أن في بلاد كثيرة يُكرهون المسلمين على الكفر، فهل يجوز له حتى يدرأ عن نفسه العذاب، ويدرأ عن نفسه القتل، ويدرأ عن نفسه هذا الضيق، هل له أن يتلفظ بكلمة الكفر؟
له هذا؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورات هذه قد تكون الضرورة بمعناها الدقيق، أو الحاجة التي نُزِّلت منزلة الضرورة.
حكم أخذ مال الممتنع عن أداء الدين بدون إذنه وشروطه عند الشافعية
كذلك أجازوا [العلماء] أخذ مال الممتنع من أداء ما عليه بدون إذنه، وهذه مسألة دقيقة ينبغي ألا نتوسع فيها إلا بفقيه يفتي لنا، وإلا عند استقرار الحق.
أنا لي دين عند أحدهم، هذا الدين الشرط الأول: أن يستقر في الذمة. الشرط الثاني: ليس هناك نزاع بيني وبينه فيه، هو يعترف به. الشرط الثالث: هو غني وليس معسرًا. الشرط الرابع: الدين محدد ومعلوم.
ثم بعد ذلك استطعت أن أضع يدي على مبلغ يساوي المبلغ الذي أطالبه به، ومطل الغني ظلم وهو غني، فهل يجوز لي أن آخذ هذا المبلغ؟
فقال الشافعي: الظافر بحقه، يعني بعين ماله أو بمثله، يعني بقيمة هذا المال مثله وليست عينه، جاز له أخذه. وعلى ذلك يجوز أخذ مال الغير بدون إذنه وفاءً وسدادًا للدين المستقر في ذمته الذي لا نزاع بين الطرفين فيه.
فإن كان هناك نزاع فلا يجوز باتفاق. فالظافر بحقه أو بمثل حقه جاز له أخذه عندنا عند الشافعية، هكذا يقول الشافعيون.
تأصيل جواز أخذ مال الممتنع بالضرورة وعلاقته بالمقاصد الشرعية الخمسة
وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذن [صاحبه]، الحقيقة أن أخذ مال الغير بغير إذنه حرام؛ إما سرقةً إذا كان خِلسةً، وإما اغتصابًا إذا كان قهرًا، وكلاهما حرام وباطل ومصيبة، ولكن هذا المحظور قد أُبيح بالضرورة.
وما الضرورة هنا؟ ضياع المال؛ لأن هناك أوامر من الشرع لنا بأن نحفظ أنفسنا فلا نقتل أنفسنا، بأن نحفظ عقولنا، بأن نحفظ ديننا، بأن نحفظ عرضنا، بأن نحفظ مالنا.
وهذه يسمونها المقاصد الشرعية؛ مقاصد الشريعة جاءت للحفاظ على هذه الخمسة الكبار: النفس، والعقل، والدين، والعرض، والمال.
هنا محظور أن أعتدي على واحد من هذه [المقاصد الخمسة]، ولكن جاءت الضرورة لتبيح هذا المحظور.
حكم دفع الصائل المعتدي وضوابطه الشرعية بالأهون فالأهون
مسألة دفع الصائل حتى لو قُتل الصائل: هو هذا الذي يعتدي عليّ. الصائل: شخص قادم عليّ حتى يؤذيني، حتى يوقع بي الضرب أو القتل وهكذا.
حكم الصائل في الشريعة أن ندفعه بالأهون فالأهون، أي لو استطعنا أن ندفعه بالصد أو بالبعد عنه فعلنا، أو بالضرب ضربناه، أو بالجرح جرحناه، أو بالقتل قتلناه.
قتل الإنسان حرام، ولكن هنا أُبيح لما كانت هناك ضرورة، والضرورة هي الدفاع عن النفس؛ لأنني لا أستطيع أن أطالب الناس بأن يبقوا هكذا مكتوفي الأيدي حتى يعتدي عليهم الصائل ويقتلهم، وأقول لهم: لا بد أن تصبروا فتموتوا مثلًا شهداء، لا!
الصائل يُقاوَم، ولكن يُقاوَم بالأخف فالأخف، أو بالأهون فالأهون، ولكن إذا وصل الأمر إلى القتل فلا دية له ولا حرمة له.
خاتمة الحلقة وتلخيص قاعدة الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها
قاعدة عظيمة كبيرة: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها.
إلى لقاء قريب، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
