قواعد الفقه الإسلامي | الضرورة تقدر بقدرها | ح13 | أ.د. علي جمعة - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

قواعد الفقه الإسلامي | الضرورة تقدر بقدرها | ح13 | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • قاعدة "ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها" متفرعة من قاعدة "الضرر يُزال" المأخوذة من حديث "لا ضرر ولا ضرار".
  • ما أبيح للضرورة يجب ألا يتجاوز حدود الضرورة لأنه أبيح على غير الأصل تيسيراً وتخفيفاً.
  • المضطر لأكل الميتة يأكل فقط ما يسد رمقه دون توسع لأن الأكل ما زال موصوفاً بالحرام.
  • الجبيرة على الجرح يجب أن تكون على قدر الحاجة، فإن زادت وجب إعادة الصلاة بعد فك الجبيرة.
  • يُعفى عن الحشرات إذا وقعت في الطعام اتفاقاً دون قصد، أما إذا أوقعها شخص فالطعام يتنجس.
  • يجوز اقتناء الكلب للصيد والحراسة ويكره لغير ذلك، خاصة في المساكن الضيقة.
  • العرايا (بيع الرطب بالتمر) استثناء من القاعدة، فقد أجازها الفقهاء بين الأغنياء رغم أن الحكمة منها الرحمة بالفقراء.
  • القواعد الفقهية أغلبية وليست كلية، فهناك فروع تستثنى منها.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة وتعريف قاعدة ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، مرحبًا بكم وأهلًا وسهلًا في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، مع قاعدة أخرى. قاعدة اليوم تقول: «ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها».

أصل قاعدة ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها وتفرعها من قاعدة الضرر يُزال

هذه القاعدة في الحقيقة متفرعة من القاعدة الكبيرة: الضرر يُزال. الضرر يُزال، أُخِذت من قوله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

أي لا تضر نفسك ولا تضر غيرك. وما أُبيح للضرورة ينبغي أن يكون على قدر الضرورة؛ فلا نتوسع فيه لأنه أُبيح على غير الأصل، أُبيح تيسيرًا وتخفيفًا، أُبيح فينبغي ألا نزيد في هذه الإباحة فوق حد الضرورة. فالضرورات إذا ما أُبيحت تُقدَّر بقدرها.

تطبيق القاعدة على المضطر لأكل الميتة والاكتفاء بسد الرمق

يُؤخذ من هذا أن المضطر الذي أجزنا له أكل الميتة في الحقيقة لا يأكل توسعًا، أي يكتفي بسد الرمق فقط. ولكن لا يأتي بالحيوان الميت ويجلس يشوي ويأكل ويمتلئ، بل هو يأكل على قدر الحاجة فقط.

لأن هذا الذي يأكله حرام وما زال موصوفًا بالحرام، إلا أننا قد أجزنا له الهجوم عليه من أجل الضرورة؛ من أجل أن هناك ما هو أعظم من ذلك [وهو حفظ النفس من الهلاك]، فعليه أن يتبين مواقع قدميه [أي يلتزم بحدود الضرورة دون تجاوز].

تطبيق القاعدة على الجبيرة في الوضوء ووجوب أن تكون بقدر الحاجة

كذلك قلنا في الجبيرة: الجبيرة تستر جزءًا من مواطن الوضوء، اليد المكسورة أو الرجل المكسورة. ينبغي أن تكون الجبيرة على قدر الاستمساك، أي على قدر الحاجة.

فلو كان جرح بسيط أو كان كسر بسيط يستلزم أن نضع جبيرة عشرة سنتيمترات، فنحن جعلناها خمسة عشر سنتيمترًا، كان هذا أكثر من الحاجة.

ولذلك يجب أن نتوضأ وأن نتيمم وأن نعيد الصلاة مرة ثانية بعد فك الجبيرة. لماذا؟ لأنها كانت أكثر من قدر الاستمساك، أكثر من قدر الحاجة؛ لأن الضرورة وهي المسح على الجبيرة من أجل المرض وكسر الرجل أو اليد أو العضو تُقدَّر بقدرها.

حكم الحشرات إذا وقعت في الطعام اتفاقًا والفرق بين الوقوع العفوي والمتعمد

ومثلًا قالوا إنه يُعفى عن الحشرات إذا وقعت في الطعام وقعت اتفاقًا [أي بغير قصد]، ولكن إذا ما أوقعها إنسان فما الحاجة إلى ذلك؟ أعني أنني أعلم أن هناك شخصًا فقيرًا لديه طعام فسقطت فيه حشرة، فحتى لا أُفسد عليه هذا الطعام وحتى أُيسر عليه الأمر، فإن الشريعة أجازت أن يأخذ هذه الذبابة التي وقعت في ذلك الطعام ويطرحها ويأكل.

هو في الأصل هذه الذبابة نجسة؛ لأنها تقف على النجاسات، والأصل عندما تقع نجاسة في الطعام أنه ينجس هو الآخر. فلماذا لا ننجسه على الناس؟ النبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا رحمةً للأمة أنه إذا وقعت مثل هذه الحشرات التي لا يمكن الاحتراز منها في الطعام، فإن الطعام طاهر، ولا نكلف الناس ما لا طاقة لها به.

حكم وضع الحشرات عمدًا في الطعام وتطبيق قاعدة الضرورة تُقدَّر بقدرها

ولكن كيف آتي ببعض النمل الميت أو الحي وأضعه في الطعام؟ ما الحاجة إلى ذلك؟ الضرورة تُقدَّر بقدرها.

لو فعلتُ هذا [أي وضعت الحشرات عمدًا]، فإن الطعام يتنجس، يصبح الطعام نجسًا لا يجوز أكله. ولو حدث هذا وحده من غير فعلٍ مني، فإنه يجوز أكله.

لماذا؟ لأن الضرورة، وهي إباحة الطعام بعد وقوع هذه الحشرات فيه، تُقدَّر بقدرها ولا تزيد عليه.

حكم اقتناء الكلب في الإسلام بين الإباحة للحاجة والكراهة لغير حاجة

ومثلًا، يجوز اقتناء الكلب للصيد وللحراسة، ويُكره كراهةً شديدةً اقتناء الكلب لغير ذلك، خاصةً في المساكن الضيقة في أيامنا هذه؛ لأن لعاب الكلب نجس، وإذا ما خالطنا وخالط [أوانينا وثيابنا] فإن ذلك يستدعي تطهيرها سبع مرات إحداهن بالتراب.

كما أنه ثبت في صحيح البخاري أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة [أي تمثال].

الكلب أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيد وفي الحراسة، وهناك أيضًا في المعاونة للرعي ومعاونة للزراعة. إذن يُقدَّر بقدر [الحاجة]؛ لأن هذا الحيوان مفيد، نستفيد منه في الحدود التي نستطيع أن نستفيد به فيها، فيجوز للصيد والحراسة، ولا تجوز تربيته في البيت من غير حاجة إليه.

جواز اقتناء الكلاب في الأماكن المتسعة للحراسة مع تقدير الضرورة بقدرها

الأماكن المتسعة التي يُخشى عليها من اللصوص أو من الاعتداء أو ما شابه ذلك، يجوز اقتناء الكلاب بها، ولكن الضرورة تُقدَّر بقدرها.

بيع العرايا كفرع مستثنى من القاعدة رحمةً بالفقير

هناك فروع في الحقيقة خرجت عن هذا [أي عن قاعدة ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها]. فمثلًا كان هناك ما يُسمى بالعرايا. العرايا هذه هي أن عندي نخلة فيها بلح رطب، والفقير عنده بلح قديم، فجاءني وقال: اشترِ البلح الذي في هذه النخلة بالبلح هذا القديم.

النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الأقوات بالأقوات حتى تستقر الأسعار، لكن لما سألوه عن العرايا، عن هذه الصورة التي فيها نوع من أنواع الرحمة بالفقير وبأبنائه حتى يأكلوا الرطب، يأكلوا البلح وهو في موسمه الجديد، فإنه أجاز التبادل الذي منعه في الأصل.

فأصبحت العَرايا مستثناة للرحمة بالفقير، وأصبحت العَرايا كأنها ضرورة، فينبغي أن تُقدَّر بقدرها.

العرايا بين الأغنياء دليل على أن القواعد الفقهية أغلبية وليست كلية

فهذه الحكمة [في إباحة العرايا] كانت تستدعي منا أن نقول إن العرايا لا تتم إلا بين فقير وغني، لكن كل الفقهاء أجازوها بين الأغنياء. فإذن هذه المسألة خرجت عن القاعدة.

ومن هنا نتعلم أن هناك بعض المسائل تكون في القاعدة وتُستثنى من القاعدة. إذن فالقواعد الفقهية قواعد أغلبية وليست قواعد كلية، أي أن هناك غالبًا ما تسير القاعدة ثم تأتي فروع تُستثنى وتخرج من القاعدة، كمسألة العرايا في قاعدتنا هذه.

خاتمة الحلقة والتأكيد على أهمية قاعدة ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها

قاعدة مهمة: ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.