قواعد الفقه الإسلامي | العادة محكمة | ح17 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "العادة محكمة" من قواعد الفقه الإسلامي تعني اعتبار العُرف في التشريع، لكن بشرط ألا تخالف العادة الشرع الشريف.
- •العادة الصحيحة التي تُحكَّم هي التي لا تتعارض مع ما ثبت في الكتاب والسنة، ويتكرر العمل بها بين الناس.
- •ينبغي للقاضي أن يعرف عادات أهل البلد وتقاليدهم وألفاظهم للحكم بينهم.
- •قد تختلف صور الأحكام باختلاف الأعراف، كما في مثال حفظ البهائم، فالحكم يتبع المسؤولية والتقصير.
- •الأحكام في حقيقتها لا تتغير، وإنما تتغير صورها وكيفية تطبيقها على الواقع بحسب الزمان والمكان.
- •يراعي الفقيه عند الإفتاء أمرين: النص الشرعي والمقاصد الشرعية الخمسة.
- •المقاصد الشرعية هي: حفظ النفس، والعقل، والدين، والعرض، والمال.
- •"العادة محكمة" إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى، مع "الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الشك لا يرفع به متيقن"، و"الأمور بمقاصدها".
قاعدة العادة محكمة والأخذ بالعرف كمصدر من مصادر التشريع
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها المشاهدون الأعزاء، مع قاعدة أخرى من قواعد الفقه الإسلامي يقول فيها الفقهاء: العادة محكَّمة.
الأخذ بالعرف هو أحد مصادر تشريع الإسلام، قال الله تعالى:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
وحتى نأخذ بالعادة المحكَّمة، ينبغي ألا تخالف الشرع الشريف؛ فلو اتفق الناس جميعًا على المعصية لا يحلُّ هذا الحرام، ولا نستطيع أن نأخذ بما اتفقوا عليه في المعصية، أو بما شاع فيهم من فساد ونقول إن العادة محكَّمة.
شروط العادة الصحيحة التي يُحتكم إليها وعدم مخالفتها للشرع
العادة التي تُحكَّم هي العادة الصحيحة، وحتى تكون العادة صحيحة ينبغي ألا تخالف الشرع الشريف في شيء مما ثبت في الكتاب أو السنة، أو في شيء مما أجمعت عليه الأمة، أي مجتهدي الأمة.
هنا العادة ما هي؟ هي ما تكرر حتى عاد معروفًا بين الناس، ولذلك فيها معنى العَوْد، أي أن هناك تكرارًا فيها. العادة محكَّمة أي أننا نجعلها حَكَمًا بين الناس.
وجوب معرفة القاضي لعادات أهل البلد وألفاظهم قبل الحكم
ولذلك قال الفقهاء إنه ينبغي على القاضي إذا ما نزل بلدًا أن يعرف عادات أهلها، أن يعرف عاداتهم وتقاليدهم، أن يعرف ألفاظهم التي يتعاملون بها؛ لأن العادة محكَّمة.
قد يتفق الحكم [الشرعي] ولكن تختلف الصور، فيختلف الحكم لاختلاف الصورة، وهو في الحقيقة لم يختلف في نظر الشرع.
مثال واقعي على تطبيق قاعدة العادة محكمة في حفظ البهائم بالريف
أعطي لذلك مثالًا واقعيًا: معروف في الريف أن الناس تحفظ بهائمها بالليل، وأن البهائم تخرج في الصباح مع أصحابها، ويمكن أن ترعى، ويمكن أن تنزل حقلًا معينًا وتُفسد الزرع وتأكل الزرع.
إذن هذا ما جرى عليه الناس في بلد معين؛ من عادة أهل هذه البلدة أنهم يحفظون بهائمهم بالليل وأنهم يتركونها في النهار ترعى وتسرح. وبناءً على ذلك، فإنني كفقيه أُكلِّف أهل هذه البلدة أن يكونوا مسؤولين عن بهائمهم ليلًا، وأُكلِّف أصحاب الزرع أن يكونوا مسؤولين عن حراسة زروعهم نهارًا.
حكم إتلاف البهيمة للزرع نهارًا وليلًا بحسب عرف البلد
فلو أن بهيمة من البهائم أكلت وأفسدت زرع إنسان معين في النهار، لا يضمن [صاحب البهيمة] ولا يدفع ثمن ما أفسدته هذه البهيمة؛ لأنه ليس مقصِّرًا وليس متعديًا، بل المقصِّر هو صاحب الزرع الذي قصَّر في حراسته.
كذلك لو أنني وجدت أن البهيمة قد اعتدت على ذلك الزرع ليلًا، فإنني آخذ الضمان وثمن المُتلَف من صاحب البهيمة الذي قصَّر في حفظها وتركها تخرج لتُفسد الزرع الذي لا حراسة عليه [في الليل].
انعكاس الحكم بتغير العرف مع ثبات القاعدة الشرعية في تحميل المقصر المسؤولية
لو تغير هذا العرف في بلد ما أو تغير في زمن ما، فأصبح الناس لظروفهم المعيشية ليس عندهم أماكن لحفظ البهائم ليلًا، إنما هم يرعونها ويمسكون بها نهارًا، ينعكس الحكم في الصورة لكنه لا ينعكس عند الشرع؛ لأن الشرع يرتب المسؤولية على المقصِّر أو على المتعدي، وتختلف هنا الصورة فقط لاختلاف العرف.
فلو أنه كان الأمر كذلك في بلد ما أو في زمن ما، وكان الحفظ إنما هو للبهائم في النهار بعكس الصورة الأولى التي كان الحفظ فيها بالليل، والحفظ هنا بالنهار، وأفسدت هذه البهيمة شيئًا وهي في النهار، ضَمِن صاحبها، أو كان في الليل لا يضمن. عكس الحكم الأول في الصورة فقط، لكن في الحقيقة الحكم واحد وهو أن المقصِّر أو المتعدي عليه أن يضمن ما أتلفته بهيمته.
معنى تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان وثبات الشريعة في حقيقتها
هذا معنى تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأحوال. الأحكام في الحقيقة لا تتغير، إنما الذي يتغير هو ما كان مبنيًّا منها على الواقع، أي الصور الخارجية.
أما الشرع فالشرع ثابت والشرع لا يتغير، الذي يتغير هو كيفية تطبيق ذلك الشرع على الواقع.
مراعاة النص والمقاصد الشرعية الخمسة عند تطبيق الشريعة على الواقع
في تطبيق الشرع على الواقع سنراعي النص، سنراعي المقاصد الشرعية الخمسة التي طالما ذكرناها وهي:
- حفظ النفس
- حفظ العقل
- حفظ الدين
- حفظ العِرض أو كرامة الإنسان
- حفظ المال أو المُلك
هذه الخمسة ينبغي على المكلَّف أن يراعي حفظها في كل مستوياتها.
الفقيه عندما يريد أن يُفتي وأن يُطبِّق الشرع الشريف في واقع الناس، فإنه ينظر إلى أمرين: إلى النص حتى لا يخالفه؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، وإلى المقاصد الشرعية حتى لا يَكُرَّ عليها بالإبطال. لا يُفتي فتوى وإذ به يُضيِّع بها المقاصد الشرعية؛ لأن ذلك فيه تضييع لأصل الدين وفيه تضييع للمصالح، والدين إنما جاء لحماية المصالح ولحماية وحفظ هذه المقاصد من أجل عبادة الله وعمارة الدنيا.
القواعد الفقهية الخمس الكبرى وما تفرع عنها من فروع فقهية
العادة محكَّمة كلمة لا بد من فهمها الفهم الصحيح، وهي من أصول القواعد الخمس التي دائمًا ينبغي أن نرددها وأن نحفظها:
- الضرر يُزال
- العادة محكَّمة
- المشقة تجلب التيسير
- الشك لا يُرفع به متيقَّن
- خلوص النية إن أردت أجورًا
هذه الخمسة هي الخمس الكبار التي ينبغي دائمًا أن نهتم بها؛ لأنه قد تولَّد منها ما لا يُحصى من القواعد، وتفرَّع عن هذه القواعد ما لا يُحصى من الفروع التي ذكرنا قبل ذلك أنها وصلت إلى أكثر من مليون فرع - مليون ومائتي ألف فرع فقهي في الفقه الإسلامي -
الفروع الفقهية تعالج أفعال الإنسان وتراعي تطبيق الشريعة بحكمة
تعالج [هذه الفروع الفقهية] كل أفعال الإنسان في يومه كله، وتراعي تطبيق الشريعة وتغيُّر الصور من أجل المحافظة على المقاصد، ومن أجل الوصول إلى تطبيق واعٍ حكيم للشريعة في حياة الناس.
العادة محكَّمة.
إلى لقاء قريب، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
