قواعد الفقه الإسلامي | المشغول لا يشغل | ح20 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "المشغول لا يُشغل" من قواعد الفقه الإسلامي التي دليلها العقل، ويفهمها العقل مع الشرع.
- •العقل يفهم النص ومراد الله ورسوله وكيفية تطبيقه، لكنه لا يشرع بمفرده ولا يدرك الثواب والعقاب دون نصوص الشرع.
- •معنى القاعدة أن الشيء المشغول بأمر لا يمكن شغله بأمر آخر، كالإناء الممتلئ لا يمكن وضع شيء آخر فيه.
- •تطبيقات القاعدة متعددة: المرأة المتزوجة لا يصح تزويجها لشخص آخر، والرجل المتزوج بأربع نساء لا يصح زواجه من خامسة.
- •يحرم على الرجل الجمع بين الأختين أو المرأة وعمتها أو خالتها، وعليه انتظار انتهاء عدة مطلقته ليتزوج من أختها أو عمتها.
- •المتلبس بالحج لا يُحرم بعمرة لانشغاله بالحج.
- •لا يجوز التشريك في النية بين الفرض والنفل إذا كانا متعارضين.
- •العين المرهونة لا ترهن لدَين آخر، والعين المبيعة لا تباع لشخص آخر.
مقدمة الحلقة وتقديم قاعدة المشغول لا يُشغل الفقهية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات، مرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، ومع قاعدة جديدة يقول فيها الفقهاء: «المشغول لا يُشغل».
وهي قاعدة دليلها العقل؛ فلا يختلف اثنان أن المشغول لا يُشغل.
دور العقل في فهم الشرع وعدم استقلاله بالتشريع
والشرع نفهمه بواسطة العقل؛ فالعقل لا يُرتِّب ولا يستطيع أن يصل إلى الأفعال التي يترتب عليها ثواب ولا يترتب عليها عقاب في الآخرة، لكنه يستطيع أن يفهم النص ويفهم مراد الله ورسوله، ويفهم كيف يُطبَّق هذا النص على الواقع، ويفهم كيف يُغيَّر الواقع حتى يُهيِّئه لإيقاع النص عليه.
العقل يقوم بكل هذا، لكن العقل لا يُشرِّع. ومعنى عدم تشريع العقل هو أنه لا يستطيع وحده من غير نصوص الشرع أن يُدرك هل الفعل الفلاني يترتب عليه ثواب في الآخرة.
العقل وحده لا يدرك ترتب الثواب على ذكر الله تعالى
هل ذكر الله مثلًا يترتب عليه ثواب في الآخرة؟ العقل وحده لا يُدرك؛ لأن العقل كعقل يمكن أن يُبرِّر الموقفين:
الموقف الأول: الذي يقول إن ذكر الله الإنسانُ يُثاب عليه.
الموقف الثاني: الذي يقول إن ذكر الله الإنسانُ لا يُثاب عليه.
يقول أحدهم: كيف أذكر الله وكل النعم التي أنعم بها علينا إنما هي قطرة من فيض بحار [نعمه] سبحانه وتعالى ومن نعمه؟ فأنا أخاف أن أشكره وأن أذكره فيكون هذا في مقابلة القليل، كالملك إذا ما وهب شخصًا حبة قمح ثم جلس هذا الشخص طوال حياته يشكر الملك، فقد يكون هذا إساءة أدب مع الملك.
حسم الشرع لمسألة وجوب شكر الله وذكره بالنصوص القرآنية
والثاني يقول: أبدًا، هذه النعم بالنسبة لنا أن نعدها لا نحصيها.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
ومن هنا وجب علينا الشكر. فلما نزل الشرع نزل بهذا وبيَّن هذا؛ أن الله سبحانه وتعالى يحب منا أن نشكره ويحب منا أن نذكره:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
ومدح [الله تعالى الذاكرين] فقال:
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
شرح قاعدة المشغول لا يُشغل بمثال الكوب الممتلئ بالماء
المشغول لا يُشغل؛ الكوب الذي امتلأ بالماء مشغول، فكيف أشغله بشيء آخر؟ بل وكيف حتى أشغله بالماء نفسه بماء آخر؟ فلا أستطيع أن أضع في هذا الإناء الممتلئ المشغول أيَّ شيء آخر؛ لأنه مشغول.
ولأنه لا يمكن في محلٍّ واحد أن يقوم معنيان أو أن يقوم أمران متعارضان غاية التعارض في وقت واحد ومن جهة واحدة. ممكن من جهتين، نعم، ممكن في وقتين متتاليين، نعم. إذن فهو ليس بمشغول، لكن القاعدة تقول: المشغول لا يُشغل.
تطبيق قاعدة المشغول لا يُشغل على زواج المرأة المتزوجة
ولذلك المرأة المتزوجة لا يمكن أن تُزوَّج؛ فلو كانت هناك امرأة متزوجة يأتي رجل يتزوجها، فعقد الزواج الذي أنشأه هذا الثاني باطل لا يقع ولا محل له. الكوب مليء؛ فقضية الزواج هي أنها تتزوج رجلًا واحدًا، والرجل الواحد معها متزوجها، ولذلك الآخر هذا لا مكان له، فالمشغول لا يُشغَل.
بطلان زواج الرجل من خامسة إذا كان متزوجًا بأربع نساء
لو أنَّ رجلًا -وقد أباح الشرع للرجل أن يتزوج أربعة- قد تزوَّج الأربعة وأراد أن يتزوج الخامسة، فذمته امتلأت شرعًا، شُغِلَت، والمشغول لا يُشغَل. لو عقد على الخامسة فعقده باطل كأن لم يكن.
تصور العدة للرجل عند طلاق إحدى زوجاته الأربع
حتى لو طلَّق امرأة من الأربعة في هذه الحالة، حالة غريبة يصبح فيها -أو من الحالات التي يصبح فيها- للرجل عدة. نحن نعلم أن المرأة تمكث مدة يمكن فيها أن يُرجعها زوجها إلى عصمته وهي المسمى بالعدة: ثلاثة شهور لمن لا تحيض أو لمن لا تتحيَّض كالآيسة، أو ثلاثة حيضات لمن هي في سن الحيض.
ولكن هذا الرجل [في الأصل] ليست له عدة، لكن الرجل هذا له عدة؛ لأنه عندما طلَّق واحدة من الأربعة ما زالت على ذمته، ما زال يمكن، ما زالت لديه إمكانية لإرجاعها. ومن هنا فإنه لا بد أن ينتظر حتى تنتهي عدتها، وهنا يُتصوَّر للرجل عدة.
وجوب انتظار الرجل عدة مطلقته لزواج أختها أو عمتها أو خالتها
كذلك رجل متزوج من امرأة وطلَّقها، يريد أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها. يحرم على الإنسان، يحرم على المسلم أن يجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
لا بد وأن تكون له عدة ينتظر فيها انتهاء عدة تلك المرأة التي كانت في عصمته، حتى يستطيع أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها. المشغول لا يُشغل.
تطبيق القاعدة على عدم جواز إدخال العمرة أثناء أفعال الحج
كذلك أنا في الحج وفي مِنى، هكذا أكون متلبسًا بأفعال من أفعال الحج، لا يجوز لي أن أُحرِم بعمرة؛ لأنني مشغول بالحج، ولا يجوز إدخال العمرة في أثناء وقت الحج.
طبعًا أولى من هذه الصورة أن أكون بعرفة وأنا في الحج فأذهب فأفعل عمرة مثلًا، لا يكون هذا. لماذا؟ لأنني مشتغل بعبادة أخرى قد أخذت هذا الوقت.
عدم جواز التشريك في النية بين صيام الفرض والنفل في رمضان
مثلًا لا يجوز لي التشريك في النية بين الفرض والنفل إذا كانا متعارضين. فأنا أصوم رمضان فآتي وأقول: أنا سأصوم رمضان غدًا، يوم رمضان سأصومه وأصومه أيضًا بنية أنه نفل، لا يجوز هذا؛ لأنني مشتغل بالفرض، فلا يجوز إضافة نية النفل فيه.
تطبيق القاعدة على الرهن والبيع وخاتمة الحلقة
كذلك في باب من أبواب العقود: أنا رهنتُ بيتًا معينًا، والرهن عبارة عن وثيقة، شيءٌ موثوقٌ -يعني أيُّ مرهونٍ محبوسٍ- كوثيقةٍ يُستوفى منها الدَّيْن عند تعذر السداد. أنا رهنتُ هذا البيت للدَّيْن لهذا الدائن حتى يستوفي منه، لا يجوز أن أرهنه لدَيْنٍ آخر.
أنا بعتُ هذه العين، بعتُها لأحدهم، فلا يجوز أن أبيعها لشخصٍ آخر. مشغولٌ لا يُشغل.
قاعدةٌ مهمةٌ جدًّا تفكُّ كثيرًا من المشكلات لدينا. وإلى لقاء قريب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
