قواعد الفقه الإسلامي | المكبر لا يكبر | ح21 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "المكبر لا يكبر والمصغر لا يصغر" أصلها من علم العربية وانتقلت إلى الفقه الإسلامي.
- •المكبر في اللغة هو منتهى الجموع كـ"مساجد" و"مصابيح" فلا يُجمع مرة أخرى، والمصغر كـ"رجيل" لا يصغر مرة ثانية.
- •تطبيقاتها في الفقه متعددة، فمن سرق وقتل يُقتل ولا تُقطع يده ثم يُقتل، لأن المكبر (القتل) لا يكبر.
- •يُستثنى من ذلك القصاص، فمن قطع يد شخص ثم قتله يُقصّ منه بالمثل لأن الجزاء من جنس العمل.
- •في الطهارة، لا نزيد على سبع غسلات في نجاسة الكلب، فلا نضاعفها إلى واحد وعشرين مرة.
- •في الصلاة، من ترك سنة وتلبس بفرض لا يعود إليها، ومن سها في سجود السهو لا يسجد مرة أخرى.
- •لا تؤخذ الجزية بعنوان الزكاة لأن المكبر لا يكبر.
- •هذه القاعدة مثال على الترابط بين العلوم الشرعية واللغوية.
مقدمة الحلقة وتقديم قاعدة المكبَّر لا يُكبَّر والمصغَّر لا يُصغَّر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مرحبًا بكم أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات، في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، ومع قاعدة جديدة يقول فيها الفقهاء: المكبَّر لا يُكبَّر، والمصغَّر لا يُصغَّر.
أصل القاعدة من علم النحو العربي وانتقالها إلى الفقه الإسلامي
هذه القاعدة مأخوذة من العربية، وكانت تلك العلوم كلها متشابكة. وفي العربية: المكبَّر لا يُكبَّر، والمصغَّر لا يُصغَّر، فلفتت هذه الصياغة أذهان الفقهاء إلى أن عندهم أيضًا في الفقه مثل ذلك، فكتبوا هذه القاعدة وفرَّعوا عليها الفروع.
الجمع إذا وصل إلى منتهاه، وهذا الذي نقول عنه صيغة منتهى الجموع، أي جمعٌ لا جمعَ له. عندنا قد تكون الكلمة لها مفرد؛ "رجل" وتُجمع على "رجال"، والرجال نفسها قد تُجمع مرة ثانية فيصبح جمع الجمع ونقول "رجالات"، أو مثلًا "نسوة" تُجمع على "نسوان"، وتُجمع النسوان على "نساء".
ولكن عندما نأتي إلى كلمة "مساجد" و**"مصابيح"** نجد أنها نهاية الجمع، ولذلك تُمنع من الصرف؛ لأن المكبَّر وهو منتهى الجموع لا يُكبَّر.
معنى المصغَّر لا يُصغَّر في النحو العربي مع التمثيل
المصغَّر: نأتي لكلمة "رجل" ونصغرها فيصبح "رُجَيل"، المصغَّر لا يُصغَّر؛ لا نستطيع أن نصغر كلمة "رُجَيل" [مرة أخرى].
تطبيق قاعدة المكبَّر لا يُكبَّر في عقوبة من سرق وقتل
بالنسبة للفقهاء تكلموا عن قضية المكبَّر لا يُكبَّر وعن قضية المصغَّر لا يُصغَّر في صورٍ عدة:
لو مثلًا سرق وقتل، فإن المكبَّر لا يُكبَّر، فنقتله ولا نقطع يده أولًا ثم نقتله. والرجل الذي زنا وكان محصنًا لا نجلده ثم بعد ذلك نرجمه؛ لأن المكبَّر وهو الرجم [أشد العقوبات]، ماذا بعد فقد الحياة؟! لماذا نفعل هذا فيه؟ نعذبه أولًا بمائة جلدة ثم نقتله؟! المكبَّر لا يُكبَّر.
استثناء القصاص من قاعدة المكبَّر لا يُكبَّر لتحقيق العدالة
ولا يتأتى هذا [الاستثناء من القاعدة] إلا في حالة القصاص؛ حالة ما إذا اعتدى الإنسان على أخيه فقطع يده ثم قتله، فإنه تُقطع يده ثم يُقتل؛ لأننا نريد أن نُفهِم الناس أن الجزاء من جنس العمل.
فليس هنا تكبير وتصغير، التكبير والتصغير هو ما استحقوه من حقوق الله الخالصة، أما حقوق العباد فيمكن أن يكون فيها هذا الشأن، هذا التكرار؛ لأنه فعل هذا في القتيل، مثَّل به وعذبه وقطع يده ثم قتله، فعند القصاص يُفعل فيه من جنس ما فعله مع هذا القتيل الممثَّل به.
تطبيق القاعدة في تطهير النجاسات وحكم ولوغ الكلب في الإناء
المكبَّر لا يُكبَّر، ولذلك عندنا في تطهير النجاسات أنني أزيل النجاسات إلا النجاسة المغلظة: الكلب والخنزير، أو ما تولَّد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر. أحيانًا يخرج حيوان بين الذئب والكلب، هذا يصبح في حكم الكلب.
حكم الكلب أنه إذا ولغ في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب. وحكم النجاسات عمومًا أنني لو طهرتها أُطهرها ثلاث مرات؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التثليث، يحب التثليث في اغتساله، ويحب التثليث في وضوئه. يُستحب التثليث في إزالة النجاسة؛ لأنه نوعٌ من أنواع التطهر ونوعٌ من أنواع النظافة، وشيءٌ جميل.
عدم التسلسل في غسل إناء ولوغ الكلب تطبيقًا لقاعدة المكبَّر لا يُكبَّر
ولكن نأتي في الطهارة من ولوغ الكلب التي نغسل الإناء فيها سبع مرات إحداهن بالتراب، ولا نتسلسل فيها؛ لأنها فعلًا أصبحت كثيرة. فلا نزيد أكثر ونغسل الإناء واحدًا وعشرين مرة إذا تسلسلنا في كل واحدة منها، يعني سبعة ثم سبعة ثم سبعة حتى أحقق التثليث، هذا كثير. فالمكبَّر لا يُكبَّر.
وهذا أيضًا عندما كانت تُؤخذ الجزية [من أهل الذمة]، فإننا لا نأخذ الجزية بعنوان الزكاة؛ لأن المكبَّر لا يُكبَّر.
أقسام الصلاة الثلاثة من أركان وسنن وهيئات وأمثلة على كل قسم
أما المصغَّر فلا يُصغَّر، فأيضًا نتصورها في الصلاة. الصلاة إذا ما سهونا عن سنة فيها أو عن فريضة أو عن هيئة. الصلاة المكونة من ثلاثة أجزاء: أركان وسنن وهيئات.
الأركان: تكبيرة الإحرام، الفاتحة، الركوع، السجود، القيام منه، التحيات الأخيرة.
السنن عند الشافعية مثلًا: القنوت في الفجر، والتحيات الوسطى.
الهيئات: وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، رفع اليدين في تكبيرة الإحرام أو في تكبيرات الانتقالات، أو التفريج بين الأصابع في المواضع المحددة، والتمام وهكذا. السورة التي نقرؤها بعد الفاتحة، نقول آمين، نقول سمع الله لمن حمد، نسبِّح وهكذا، هذه هيئات.
حكم نسيان الهيئات والسنن في الصلاة وعدم العودة إليها بعد التلبس بالفرض
الإنسان إذا نسي الهيئات لا شيء عليه. الإنسان إذا نسي السنن وتلبَّس بالفرض فإنه لا يعود إلى هذه السنن.
فلو أن الإنسان نسي القنوت في الفجر وتلبَّس بالسجود، فإنه يترك، لا يعود، لا يقوم من السجود ويذهب إلى ما تركه من سنة؛ لأنه قلنا أن الفرض أفضل من النفل.
وهو [أي المصلي] قبل السجود إذا نزل ولم يسجد بعد، بل أصبحت ركبتاه على الأرض ولم يسجد، فإنه يقوم مرة أخرى من أجل أن يدعو الله سبحانه وتعالى ويحقق هذه السنة [سنة القنوت]. لكن إذا تلبَّس بالسجود فعلًا بأن كانت السبعة أعضاء على الأرض، فإنه لا يعود.
حكم ترك السنن والأركان في الصلاة وسجود السهو وتطبيق قاعدة المصغَّر لا يُصغَّر
إذن القنوت والتحيات الوسطى سنن، إذا تركناها سجدنا للسهو. كذلك إذا تركنا ركنًا وهو الركعة أو السجدة أو القراءة يجب أن نعود إليها، ثم بعد ذلك نسجد للسهو.
فسجود السهو سجدتين قبل السلام. أنا من شدة غفلتي وأنا أصلي واستوجب عليَّ، وجبت عليَّ سجدة السهو، سهوت في نفس سجدة السهو، سهوت فيها فسجدت سجدة واحدة ونسيت السجدة الثانية.
سجدة السهو نفسها سهوت فيها، فسجدت سجدة واحدة، لا أسجد سجدتين؛ لأنني قد سجدت، سهوت في هذه السجدة، لا أفعل هذا بل أُسلِّم وينتهي الأمر؛ لأن المصغَّر لا يُصغَّر، والمكبَّر لا يُكبَّر.
خاتمة الحلقة والإشارة إلى انتقال القاعدة من النحو إلى الفقه
قاعدة صارت إلى الفقهاء من النحو، وكانوا كثيرًا ما يحبون هذا الاتصال بين العلوم.
إلى حلقة أخرى، أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، فالسلام عليكم ورحمة الله.
