قواعد الفقه الإسلامي | اليقين لا يزول بالشك جـ1 | ح25 | أ.د. علي جمعة
- •قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" من القواعد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي.
- •استنبط العلماء هذه القاعدة من مجموع الشريعة وتتبع الفروع الفقهية.
- •دليلها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا انتاب أحدكم شيء في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً".
- •يبني المسلم أحكامه على اليقين ولا يخرج منه بمجرد الشك.
- •تندرج تحت هذه القاعدة فروع فقهية كثيرة في جميع أبواب الفقه.
- •تتفرع منها قواعد أخرى كـ "الأصل في الأشياء الإباحة" و"الأصل في الأبضاع التحريم" و"بقاء الحال على ما كان عليه".
- •من تطبيقاتها: الصائم المتيقن من النهار يستمر في صومه حتى يتيقن غروب الشمس.
- •من تطبيقاتها أيضاً: المتسحر الذي يشك في طلوع الفجر يستصحب اليقين وهو بقاء الليل.
- •كان ابن عباس يعمل بهذه القاعدة في رمضان عند الشك في طلوع الفجر.
- •تطبق في نزاع الزوجين حول الدخول، فالأصل عدم التمكين.
مقدمة الحلقة والتعريف بالقواعد الفقهية الخمس الكبرى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مرحبًا بكم وأهلًا وسهلًا في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، مع قاعدة أساسية من القواعد الخمس الكبرى. نتذكر هذه القواعد الخمس التي جمعها الناظم فقال:
خمسٌ محررةٌ قواعدُ مذهبي للشافعي بها تكون بصيرة ضررٌ يُزال وعادةٌ قد حكمت وكذا المشقة تجلب التيسير والشك لا ترفع به متيقنًا وخلوص نية إن أردت أجورا
قاعدة اليقين لا يزول بالشك وأصلها من القواعد الكبرى
قاعدتنا اليوم تقول: اليقين لا يزول بالشك، وهي قاعدة من الخمس الكبار:
- الأمور بمقاصدها.
- الضرر يُزال.
- اليقين لا يُزال بالشك.
- المشقة تجلب التيسير.
إلى آخر ما هنالك [من القواعد الخمس الكبرى]. أخذوا هذا [الحكم] من مجموع الشريعة؛ فعند تتبع الفروع الفقهية وجدوا أن اليقين لا يُزال بالشك.
حديث النبي ﷺ في الشك في الصلاة وأصل القاعدة
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إذ انتاب أحدكم شيءٌ في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يشمّ ريحًا»
قد يحدث للإنسان شكٌّ في صلاته، ويحدث له شكٌّ في نقض وضوئه وهو في الصلاة. وعندما [حدث] هذا مع الصحابة سألوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فدلّهم على تلك القاعدة: أن الإنسان دائمًا يبني أحكامه على اليقين الذي تيقّنه، ويسير معه ولا يخرج من هذا اليقين بالشك.
فهو لا بدّ أن يتأكد أنه قد نقض وضوءه حتى يخرج من الصلاة، أما مجرد الشك فلا يسوّد [يُبطل] له ذلك [الوضوء]، ويبقى على تلك الطهارة التي تيقّنها.
القواعد الفرعية المتولدة من قاعدة اليقين لا يزول بالشك
هناك فروع كثيرة في كل أبواب الفقه الإسلامي تندرج تحت هذه القاعدة، بل إن هناك قواعد كثيرة كما سنرى في حلقات متتابعة تتفرع من تلك القاعدة الأم، منها:
- •أن الأصل في الأشياء الإباحة.
- •أن الأصل في الأبضاع التحريم.
- •بقاء ما كان على ما كان.
ومنها الكثير من القواعد التي جاءت وتولّدت من هذه القاعدة الكبيرة [اليقين لا يزول بالشك].
تطبيق القاعدة على الشك في دخول وقت المغرب أثناء الصيام
من فروع هذه القاعدة مثلًا: أنني صائم، وفي حال الصيام أنا متأكد أي متيقن أنني في النهار، ثم شككت: هل دخل وقت المغرب؟ هل غربت الشمس؟ هل أذّن المؤذن لصلاة المغرب؟
هذا الشك يجعلني أستصحب اليقين وأطرح الشك. اليقين في صورتنا هذه هو الصوم، وهو الامتناع عن الأكل، والشك هو انتهاء موعد الصوم. أطرح الشك وأبقى على صومي.
حتى إذا تجرّأ أحدهم وشكّ في أن المغرب هل أُذِّن أم لا، فتجرّأ وأكل، ثم ظهر أنه لم يؤذّن، فعليه إعادة هذا اليوم [من الصيام].
تطبيق القاعدة على الشك في طلوع الفجر أثناء السحور
بالعكس، لو أنني في الإفطار وفي السحور أكلُ السَّحور — والسَّحور بفتح السين يُطلق على الطعام، والسُّحور [بضم السين] على عملية الأكل نفسها، على عملية التسحُّر — فأمامي السَّحور وأنا في السُّحور.
وشككت: هل أذّن الفجر أو لم يؤذّن؟ في هذه الحالة أستصحب الأصل، أسير مع اليقين، واليقين هو بقاء الليل؛ لأنني الآن في الليل.
فقه ابن عباس في استصحاب اليقين عند الشك في طلوع الفجر
كان سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يُدرك مثل هذه القاعدة [اليقين لا يزول بالشك]، فكان يرسل غلمانه حتى يرصد الفجر؛ إذ يرسل غلامين له ليرصدا الفجر.
ثم يرجع الغلامان إلى ابن عباس، فيقول أحدهما: ظهر الفجر، ويقول الآخر: الفجر لم يظهر بعد. فيقول ابن عباس لهما: اختلفتما، ائتياني بسحوري، هاتوا الطعام؛ لأنكما اختلفتما فليس هناك يقين، بل هناك شك، واليقين هو بقاء ذلك [الليل].
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]
وليس حتى تظنوا أو تتوهموا أو تشكّوا، حتى يتبيّن لكم. فاليقين لا يزول بالشك.
تطبيق القاعدة على اختلاف الزوجين في التمكين والدخول
ومن هذا [التطبيق على قاعدة اليقين لا يزول بالشك]: اختلف الزوجان في التمكين، في تمكين الزوجة نفسها لزوجها. فقالت الزوجة: سلّمت نفسي إليك من وقت كذا، وأنكر الزوج. فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التمكين.
نعلم جميعًا أن هناك فارقًا بين العقد وكتب الكتاب وبين الدخلة والبناء؛ فالزوجان يقومان بالعقد أولًا، ثم قد تمضي مدة شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين، ثم يحدث الدخول والبناء.
الآثار الشرعية المترتبة على الدخول وعدمه في النزاع بين الزوجين
في هذه الفترة ما بين العقد وبين الدخول، حدث نزاع بين الزوجين؛ ادّعت [الزوجة عند] القاضي أنه قد دخل بها: زوجي هذا دخل بي، وقال هو: لم أدخل بها.
تعلمون أيضًا أن هناك حقوقًا ستترتب على قضية الدخول وعلى قضية عدم الدخول؛ لأن الزوج إذا لم يدخل بها فإنه يدفع نصف المهر المسمّى بينهما فقط، فإذا دخل بها استحقّت المهر كله. فالأمور سيترتب عليها أمور أخرى.
إذا لم يدخل بها وكانت هي حاملًا فليس هذا الولد منه، أما إذا دخل بها وكانت حاملًا فإن هذا الولد يُنسب إليه وإلى فراشه ويرثه. وتترتب أحكام كثيرة جدًّا على قضية الدخول وعدم الدخول.
حكم القاضي في نزاع الزوجين بناءً على قاعدة اليقين لا يزول بالشك
فهناك خطورة في هذا الحكم، نحتاج إلى البتّ فيها.
فماذا يفعل القاضي مع الزوجين؟ الذي يدّعي الزوج أنه لم يدخل بها، وتدّعي الزوجة أنه قد دخل بها وأنها مكّنت نفسها له.
الأصل — اليقين — أنه لم يدخل، والشك الذي حدث في هذا النزاع [هو ادّعاء] أنه دخل [بها]. فيُحكم بالأصل وهو عدم الدخول؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
