قُتل ابن خالى وبعد دفنه طلب الطب الشرعى باستخراج الجثة فهل يجوز؟ | أ.د علي جمعة - فتاوي

قُتل ابن خالى وبعد دفنه طلب الطب الشرعى باستخراج الجثة فهل يجوز؟ | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يجوز استخراج جثة المتوفى إذا طلب ذلك الطب الشرعي لإجراء فحوصات تحدد كيفية القتل والقاتل.
  • حكم الحاكم (القاضي) يرفع الخلاف، فالله أعطى للقاضي سلطاناً لم يعطه لغيره لضبط الحياة بين الناس.
  • الطب الشرعي يتبع وزارة العدل، ويعمل تحت سلطة القاضي كأحد معاونيه.
  • الميت لا يتأذى بنبش قبره لأن روحه طليقة عند الله في الملأ الأعلى، والمتأذي هم الأحياء فقط.
  • أشارت أسماء لابنها عبدالله بن الزبير أن الشاة لا تشعر بالسلخ بعد ذبحها، مشيرة إلى أن الروح بعد مفارقتها الجسد لا تتأثر بما يُفعل بالجثة.
  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نبش القبور إلا لحاجة، وعن التمثيل بالجثث.
  • يجوز نبش القبر للمصلحة مثل إنقاذ حياة جنين في بطن امرأة متوفاة، أو استخراج مال ضائع.
  • المحرم هو النبش للإهانة والاستهانة، أما للضرورة أو الحاجة فهو جائز.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

سؤال عن حكم استخراج جثة المقتول بأمر الطب الشرعي وهل يتأذى الميت

يسأل سائل: قُتِلَ ابن خالي، وبعد دفنه طلب الطب الشرعي استخراج الجثة لإجراء فحوصات تبين كيف قُتِل ومن القاتل؟

فهل يجوز ذلك؟ وهل يتأذى الميت بذلك؟

أولًا: نعم، يجوز شرعًا، وهذا هو السبب الذي جعلنا نطلق على ذلك الطب الذي يتعلق بالقضاء الطب الشرعي، ومصلحة الطب الشرعي تتبع وزارة العدل؛ إشارة في ذلك إلى أنها تتبع القاضي، وحكم الحاكم يرفع الخلاف.

حكم الحاكم يرفع الخلاف في استخراج الجثة وسلطة القاضي الشرعية

يقول الشيخ على لسان السائل: هل نخرج الجثة أم لا نخرجها؟ فحكم الحاكم يرفع الخلاف؛ أنت [السائل] تقول نخرج الجثة، وابن عمك يقول لا نخرجها، الحاكم قال نستخرجها [الجثة]، إذن تخرجون.

وهذا هو شرع الله وأمر الله، فإن الله قد أعطى سلطانًا للقاضي لم يعطه لأحد، فهو يطلق الزوجان بحكم القضاء فتصير المرأة بعد عدتها حلالًا، ويصير الرجل إذا كان متزوجًا لأربعة حلالًا أن يتزوج بأختها وعمتها وخالتها وخامسة في العدد [رابعة بالنسبة له].

يبقى إذن حكم الحاكم هذا شيء غريب! من أين؟ أراد الله ضبط الحياة بين الناس فأعطى السلطة للقاضي.

الفرق بين سلطة القاضي في مجلس الحكم وخارجه وحدود صلاحياته

ولذلك دائمًا ونحن نتكلم نقول ماذا؟ حضرة القاضي؛ لأن حضوره خلاف عدم حضوره.

هل كلام القاضي مُصدَّق خارج نطاق الحكم؟ أي إذا كان هو خارج مجلس الحكم!، لا، فهو يُعدّ حينئذ مواطنًا عاديًّا؛ له حصانة قضائية، وهذه قضية أخرى من أجل أن يكون له [القاضي] مزيد من الاحترام، لكنه ليس له قدرة على إنفاذ الحكم إلا في مجلس القضاء.

المأذون نائب عن القاضي في عقود الزواج وعلاقته بالمحكمة

والقاضي له نواب، منهم المأذون الذي يعقد عقود الزواج، فهو تابع للقاضي. ولذلك المأذون عندما يحرر الوثائق يذهب في اليوم التالي إلى المحكمة لكي يختمها القاضي وتصبح بختم حضرة القاضي.

وذلك لأن عدد الزيجات يفوق قدرة القضاة على النظر في ذلك، لكن الأصل هو أن الزواج يتم عند حضرة القاضي، كما أن التطليق يتم في المحكمة عند حضرة القاضي.

حكم القاضي يكفي عن الوثيقة في إثبات الزواج والطلاق

ولذلك لو ذهب اثنان إلى حضرة القاضي وأقرَّا بخلوهما من الموانع الشرعية وأنهما زوجان، فحكم القاضي بذلك، وأرادا الطلاق، فنقوم بالحصول على هذا الحكم الذي أصدره القاضي ونذهب [إلى] المأذون ونطلب منه الطلاق.

فنحن حينئذ نريد أن نثبت الطلاق، فيسأل المأذون: هل قمتم بالزواج أصلًا؟ ماذا نفعل حينئذ؟ فنقوم بعرض حكم القاضي على المأذون، فالحكم يكفي عن الوثيقة.

لماذا؟ لأن القاضي هو الأصل، فالقاضي هو من يرأس المأذون.

معاونو القاضي من لجنة الخبراء والطب الشرعي وجواز استخراج الجثة

وأيضًا من المعاونين [للقاضي] لجنة الخبراء، وهي لجنة تسمى الخبراء تتبع القضاء للفرز والتجنيب وقسمة التركات؛ كل هذا يتبع حضرة القاضي.

وأيضًا من المعاونين الطب الشرعي، فالطب الشرعي عندما قال نُخرج الجثة، فالقاضي قال نُخرج الجثة، وبناءً عليه فاستخراج الجثة من القبر جائز شرعًا.

هل يتأذى الميت باستخراج جثته وقصة عبد الله بن الزبير مع أمه أسماء

ويسأل السائل: وهل يتأذى الميت بذلك [استخراج جثته]؟

الميت لا يتأذى بذلك، الذي يتأذى بذلك الأحياء. أما الميت فهو روح طليقة عند الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى.

ولما جاء ابن الزبير عبد الله إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، يخاف أن يُمثَّل به في قتاله مع الحجاج، قالت: يا بني، وما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها! فالشاة لا تشعر بالسلخ بعد ما ذُبحت.

تشير إليه [عبد الله بن الزبير] أن الروح عندما لحقت ببارئها فلا يضر ما يفعلونه بالجسد.

النهي عن نبش القبور إلا لحاجة وحديث النبي يوم بدر عند القليب

وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نبش القبور إلا لحاجة، ونهانا عن المُثلة وهي أن نمثل بالجثة في الحرب، وجعل من تكريم ابن آدم أن يُدفن.

فلما جاء يوم بدر فإنه دفن المشركين وألقاهم في القليب، ووقف عنده وقال ﷺ:

«يا أهل القليب، لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟»

قالوا [الصحابة]: أيسمعونك يا رسول الله وقد أَرِمُوا؟ أي ذهبوا وماتوا. فأجاب رسول الله ﷺ:

«إنهم لأسمع لي منكم»

ومن هنا أخذ العلماء أن الروح لها اطلاع ولها سماع، كما أقر بذلك رسول الله ﷺ وبيّنه لنا وعلّمنا هذا الكلام.

الميت لا يتأذى بالنبش للمصلحة ومنها إنقاذ حياة الجنين الحي

وعليه فإن الميت لا يتأذى خاصة وأنّ في ذلك منفعة. والمنافع التي تتيح فتح القبر منها: إنقاذ الحياة.

كما لو دُفنت امرأة حامل ثم تبين أنها في شهورها الأخيرة وأن الولد حي، فيُفتح القبر فورًا وتُخرج هذه المرأة ويُشق بطنها وهي ميتة؛ كل ذلك للمصلحة وليس للتمثيل ولا لفظاعة الانتقام أو الإهانة، إنقاذًا لحياة الطفل.

وقد كان [ذلك]، واشتهرت هذه العائلة التي كان هذا الطفل أساسًا لها بعائلة ابن الميت؛ لأنه كان على شفا الموت ثم أنقذه الله آية للناس.

جواز نبش القبر لاسترداد المال وضابط التحريم هو الإهانة والاستهانة

إذن فلا يتأذى الميت ما دام هناك مصلحة. ومن مصالح النبش المال، فلو أن مالًا لأحدهم قد ابتلعه [الميت] كالذهب، بعضًا من الذهب ابتلعه شخص [المَيِّت]، فمات فأصبح في بطنه ثلاثين أربعين جنيهًا إسترلينيًّا، جنيه الملكة أو الملك إدوارد.

ماذا نفعل؟ أجاز الفقهاء نبش القبر وإخراج الجثة لمصلحة من ضياع مال أو ضياع نفس أو من أجل تحقق مثل المسألة التي معنا ونحو ذلك.

والمُحرَّم إنما هو الذي يكون للإهانة والذي يكون للاستهانة، أما لو كان بعيدًا عن هذا المعنى فهو يجوز للغرض والحاجة أو الضرورة.