كلمة فضيلة أ.د علي جمعة احتفالا بمولد سيدي سلامة الراضي شيخ الطريقة الحامدية الشاذلية - تصوف, شخصيات إسلامية

كلمة فضيلة أ.د علي جمعة احتفالا بمولد سيدي سلامة الراضي شيخ الطريقة الحامدية الشاذلية

17 دقيقة
  • السيد سلام الراضي من أقطاب الطريقة والحقيقة والشريعة، فتح الله عليه وبارك فيه وأيده عبر العصور.
  • جمع الله له علوماً تدور حول الكتاب والسنة، وكان مفتوحاً عليه ومنفوحاً، وإذا تعرض لتفسير القرآن أتى بالعجائب.
  • زاره جماعة من هيئة كبار العلماء واستمعوا إلى دروسه وفتوحاته، وامتحنه أحدهم بسؤال صعب فأجاب عنه في أربع صفحات.
  • عرض السؤال على شيخ الأزهر الظواهري الذي استعان بالشيخ محمد بخيت المطيعي، وتبين أن هذا السؤال لا يجيب عليه إلا من كتبه.
  • من أمثلة الفتوحات الربانية تفسيره لآية "قل كلٌ يعمل على شاكلته" المكتوبة تحت القبة الزرقاء بالحجرة النبوية، حيث فسرها بأن الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
  • ورث سلام الراضي علمه لأبنائه وكان سبباً في هداية كثيرين وتمسكهم بالإسلام والكتاب والسنة والذكر والدعاء.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

افتتاح المجلس بالحمد والصلاة والسلام والتحية في الليلة المباركة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

شكرًا لشيخنا وشيخ الطريقة لهذه الدعوة المباركة في تلك الليلة المباركة، في هذه المناسبة المباركة، بل وفي هذا المكان المبارك.

وأحييكم جميعًا بتحية الإسلام فأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصف مقام سيدي سلامة الراضي قطب الطريقة والحقيقة والشريعة

نحن في رحاب قطب من أقطاب الطريقة والحقيقة والشريعة، فتح الله عليه فتوح العارفين به، وبارك فيه وأيده وأكد تأييده عبر العصور وكرّ الدهور؛ سيدي سلامة الراضي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

كل هذا الحشد الذي اتبعه يدل على أنه قد أثّر في القلوب، وأنه قد وجّه العقول، وأنه قد أفاض في السلوك؛ في سلوك التخلية من كل قبيح والتحلية بكل صحيح، في سلوك الالتزام بالكتاب والسنة.

وكما قال شيخ الطائفة سيدي الجنيد: طريقنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة.

طريق الذكر والفكر مقيد بالكتاب والسنة كما وصفه القرآن الكريم

طريق مقيّد بالذكر والفكر:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

سيدي سلامة الراضي كان من أولئك القلائل الذين جمع الله لهم علومًا تدور جميعًا -كما دارت علوم المسلمين- حول الكتاب والسنة.

كان مفتوحًا عليه وكان منفوحًا، وكان إذا ما تعرّض لتفسير القرآن سمعت منه العجائب.

قصة زيارة هيئة كبار العلماء لسيدي سلامة الراضي وإعجابهم بعلمه

يُروى أنه قد جاءه جماعة من هيئة كبار العلماء، وهيئة كبار العلماء نشأت في الأزهر الشريف سنة ألف تسع مئة وإحدى عشرة، وانتهت سنة ألف وتسع مئة واحد وستين.

وكان أول من فيها على رأس أربعين شيخًا الشيخ محمد راشد، كان إمامًا من أئمة التفسير وكانت طريقته نقشبندية.

جاءه العلماء، فلما رأوا واستمعوا إلى الدرس وإلى تلك الفتوح، أخذوا يسألونه ويزدادون منه.

غيرة أحد العلماء من سيدي سلامة وسؤاله امتحانًا له

وبعد ذلك -كشأن البشر- غار أحدهم من سيدي سلامة؛ كيف يُفتح على هذا الرجل الذي لم يأخذ العالمية الظاهرية، وكيف يأتي بهذه العجائب والغرائب ونحن لا نعرفها؟

فسأله سؤالًا من أسئلة الامتحان، ففهم الشيخ [سيدي سلامة] مراد هذا الإنسان، قال له: إذن أنا أسألك سؤالًا. قال: وما هو؟ فبدأ في هذا السؤال.

قال [المعترض]: لا، اكتبه لي وأنا أجيب عنه. فكتبه الشيخ رحمه الله تعالى في أربع صفحات.

ذهاب السؤال إلى شيخ الأزهر الظواهري وعجزه عن الإجابة

وبحث [سيدي سلامة] عن هذا المعترض فلم يجده، فذهب به [بالسؤال] مع سيدي محمد بن الشيخ سلامة إلى شيخ الأزهر حينئذٍ، وكان يُسمّى بالإمام الأكبر والأستاذ الأعظم، وكان يُسمّى بشيخ الإسلام.

وما ذاك؛ ذهب إليه بالسؤال ذي الصفحات الأربعة، وكان الشيخ -وهو الشيخ محمد الأحمد الظواهري رضي الله تعالى عنه- وكان من أهل الطريق ومن أهل الله، لم يكن منحرفًا عن أولياء الله وعن المفتوحين عليهم وعلى المنفوحين من عند الله سبحانه وتعالى.

فلما قرأ الصفحة الأولى قال له: إذا تأتيني بعد أيام حتى تأخذ الرد، وسيكون إن شاء الله ردًّا وافيًا كافيًا.

جواب شيخ الأزهر بأنه لا يجيب على هذا السؤال إلا من كتبه

أتى سيدي محمد بعد الأيام المعدودة، فوجد قصاصة ورق لا أكثر منها ولا أقل، وفي الورق مكتوب: يجيب على هذا السؤال من سأل.

يعني لا نعرف، لا نعرف أن نجيب على السؤال الذي مثل هذا، لكن شكل السؤال واضح؛ ما أحد سيجيبه إلا الذي [كتبه].

وهذا من حُسن اعتقاد الشيخ [الظواهري] في أولياء الله الصالحين الكبار، وهذا إحقاق للحق ووضع للأمر في نصابه.

رجوع علماء الظاهر إلى علماء الباطن لتعلم الحقيقة عبر العصور

وهذه نفحة ربانية على مرّ العصور؛ رجع علماء الظاهر إلى علماء الباطن حتى يتعلموا الحقيقة التي من أنكرها فقد أنكر الحق.

ذهب السؤال إلى الشيخ محمد بخيت [المطيعي]، والشيخ محمد بخيت في هذا الوقت كان قد ترك الإفتاء، وكان رضي الله تعالى عنه أعلم من في الأرض.

قالوا إنه كانت تأتيه الفتوى فيجيب عنها موثقة من الكتب بعد يومين، ثم بعدما أنهى مدته كانت الفتوى تأتي من البلدان فتجلس بالأشهر بل بالسنين لا يجيب عنها أحد.

الشيخ بخيت المطيعي هو من كتب الجواب وشهادته لمقام سيدي سلامة

كان الشيخ بخيت المطيعي -محمد بخيت المطيعي رضي الله تعالى عنه- نقشبنديًّا، وكان بالإضافة إلى أنه من أكابر علماء الظاهر كان أيضًا من المفتوحين عليه.

فلما ذهب إليه السؤال تبيّن أنه هو الذي كتب الجواب؛ الشيخ الظواهري استعان به، فهو الذي قال: اكتب لا يجيب على هذا السؤال إلا من كتبه.

هذا هو مقام سيدي سلامة الراضي الذي ورّثه لأبنائه، وأيّده الله بكل هؤلاء الذين كان سببًا في هدايتهم، سببًا في التزامهم، سببًا في تمسكهم بالإسلام، بالكتاب، بالسنة، بالذكر، بالدعاء.

القلوب الضارعة الخاشعة لله وسجود القلب الذي لا يقوم منه أبدًا

في القلوب الضارعة يخطئ الإنسان ويصيب، ولكن تبقى القلوب الضارعة خابتة لله، ساجدة لله.

وإذا سجد القلب لا يقوم أبدًا.

تفسير آية قل كل يعمل على شاكلته المكتوبة فوق القبر النبوي الشريف

أضرب لكم بعض الأمثلة من هذه الفتوحات التي قد لا يلتفت إليها أحد وهي بين أيدينا.

مثلًا عندما ندخل إلى الغرفة النبوية الشريفة وتحت القبة الخضراء، هناك قبة زرقاء، تحتها هذه القبة الزرقاء مكتوب عليها:

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]

المعنى الذي نعرفه أن كل واحد يعمل بأصله.

ولكن الغريب: ما الذي وُضعت هذه الآية هنا؟ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، لماذا يعني يأتي بها على القبة الزرقاء التي تحت القبة الخضراء وفوق القبر المنير والذي أنار الدنيا - قبر سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم؟

تفسير أهل الفتح لآية شاكلته بأنها شاكلة النبي صلى الله عليه وسلم

انظروا إلى عجائب التفسير من هذا الفتح:

قال [سيدي سلامة]: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ صلى الله عليه وسلم، يعني كان الضمير ليس على شاكلة العامل، بل على شاكلته صلى الله عليه وآله وسلم.

فناسب وضعها هنا بمعنى أنه ينبغي عليك إذا كنت غنيًّا أو فقيرًا، قويًّا أو ضعيفًا، صحيحًا أو مريضًا، عالمًا أو جاهلًا، أن تعمل على شاكلته صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تتمسك به؛ فهو حبل الله المتين، وهو قرآن يسير على الأرض، وهو الأسوة الحسنة، وهو الملاذ الوحيد ومن سواه.

حديث الشفاعة العظمى وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للخلق أجمعين

هذا الملاذ الذي أخرجه الإمام البخاري في حديث الشفاعة؛ أن كل الخلق يذهبون إلى آدم ونوح وإبراهيم وعيسى وموسى، وكلٌّ يأتي [يُحيل] إليه بمن بعده، حتى يأتوا إلى سيدنا [محمد ﷺ] فيقول:

«أنا لها، أنا لها»

ويذهب فيسجد تحت العرش، ويلهمه الله بمحامد كثيرة لم يلهمها لأحد من قبله، حتى يقول [الله تعالى]:

«يا محمد، ارفع رأسك واشفع تُشفَّع، وقل تُسمع»

فيشفع في الخلق أجمعين؛ فيمن قلّ أدبه عليه وسبّه، يشفع في الخلق أجمعين لمن آمن به ولمن كفر.

تحقق آية وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين في موقف الشفاعة العظمى

فيتحقق قوله تعالى:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

هذا الموقف [موقف الشفاعة العظمى] هو الذي سيحقق هذه الآية الشريفة لهذا المقام الجميل؛ بحار لا تتناهى.

تفسير أهل الله لآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم ووقفهم عند كلمة عزيز

يقول ربنا سبحانه وتعالى في آخر سورة التوبة:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]

فكان يقف أهل الله عند: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾، لا يقفون عند ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ [بل عند] ﴿عَزِيزٌ﴾.

﴿عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ يعني هو حماية لنا؛ يعني تعرضوا على أعمالكم، فإن وجدتم خيرًا حمدتم الله، وإن وجدتم غير ذلك استغفرت لكم.

النبي صلى الله عليه وسلم هو الدرع والواسطة بيننا وبين الله تعالى

يعني هو الدرع الذي نحتمي به جميعًا ونصدّره بيننا وبين الله، ولولا الواسطة لذهب -كما قيل- الموسوط، كما قال سيدي ابن المشيش هكذا.

وهو في القرآن، لكن هي القضية قضية وقف؛ هذا الوقف يعطي -أو ضمير أو اسم إشارة- يعطي معاني أخرى لم تخرج عن الكتاب.

ويرفضها هؤلاء الذين أعمى الله بصائرهم، والذين نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيدهم في نحورهم وأن يشغلهم بأنفسهم.

دعاء ختامي بالفتوح والمغفرة والحشر تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم

فاللهم يا ربنا افتح علينا فتوح العارفين بك، واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، وأجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.

ندعوك ربنا أن تنقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وأن تستجيب دعاءنا فتشفي مرضانا وترحم موتانا وتغفر لأولنا وآخرنا، وتنصر مظلومنا وتفرّج مكروبنا، وتسدّد الدين عن مديوننا يا رب العالمين.

أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

تكرار الدعاء بالفتوح والمغفرة والرحمة والحشر تحت لواء النبي الكريم

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيدهم في نحورهم وأن يشغلهم بأنفسهم.

اللهم يا ربنا افتح علينا فتوح العارفين بك، واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، وأجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.

ندعوك ربنا أن تنقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وأن تستجيب دعاءنا فتشفي مرضانا وترحم موتانا وتغفر لأولنا وآخرنا، وتنصر مظلومنا وتفرّج مكروبنا.