كلمة فضيلة أ د علي جمعة عن سيدي صالح الجعفري - مجلس الجمعة

كلمة فضيلة أ د علي جمعة عن سيدي صالح الجعفري

21 دقيقة
  • سيدي صالح الجعفري كان إماماً من أئمة المسلمين، عُرف بعلمه وتقواه وهيئته التي تذكِّر بعلماء القرن الرابع الهجري.
  • كان مفتاح شخصيته حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد عاش في هذا الحب وأوصى به أتباعه وتلاميذه.
  • اعتبر حب الرسول هو الباب للوصول إلى رضا الله، وأنه أصل الإيمان، ويكون بالعقل والقلب والروح معاً.
  • تميز بمجلسه يوم الجمعة الذي كان يحضره الناس من كل مكان، ويستدل فيه بعشرات الآيات والأحاديث.
  • امتاز بحافظة قوية وحضور ذهن عجيب، فكان يحفظ الأحاديث بنصها دون زيادة أو نقصان.
  • كان متواضعاً لله، وكان ملازماً للأزهر الشريف، واشتهر بإجابة دعائه لتعلقه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • اشتهر بكراماته وصدقه مع الله والناس، وكان يحج كل عام.
  • كان الزعماء يهابونه ويحترمونه ويحضرون درسه، وقد ترك أثراً عميقاً في حياة المصريين.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاحية الحديث عن الإمام صالح الجعفري شمس الضحى وقطب الرحى

رضينا يا بني الزهراء، رضينا، رضينا يا أبنائي سهرة، رضينا، بحبٍّ فيكم يرضينا نبينا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

نتحدث اليوم عن إمام من أئمة المسلمين، كنا نسميه بشمس الضحى وقطب الرحى، وكنا نسميه بإمام الأئمة وبدر التتمة، هو سيدي صالح الجعفري.

وصف هيئة الإمام صالح الجعفري وكأنه من أئمة القرن الرابع الهجري

كنا إذا دخلنا الأزهر الشريف رأينا عالمًا من علماء القرن الرابع الهجري، فكأننا التقينا بالبيهقي، أو كأننا كحلنا أعيننا بالجويني ثم الغزالي.

كان في ملبسه وهيئته وسمته وكلامه وعلمه، في كل ذلك وكأننا قد تذكرنا إمامًا من أئمة الهدى في القرن الرابع الهجري، حيث وصلت العلوم إلى قمتها، وبلغ النضج في الفقه بعد الحديث والتفسير واللغة إلى منتهاه.

الإمام صالح الجعفري جمع بين العلم والتقوى ومفتاح شخصيته حب النبي

وكنا حريصين أن نصلي وراء ذلك الإمام، خلف سيدي صالح الذي جمع بين العلم وبين التقوى، وبين الفهم وبين التربية والسلوك.

ولكل شخص وعالم مفتاح للشخصية، وكان مفتاح شخصية سيدي صالح هو حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عاش على حبه، وعاش في حبه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى وهو يوصي أتباعه ومن حوله وتلاميذه ومريديه بحبه صلى الله عليه وآله وسلم.

حب النبي هو الباب إلى رضا الله والمفتاح لخزائن السماوات والأرض

كان [سيدي صالح الجعفري] يرى أن حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الباب الذي ندخل منه إلى رضا الله سبحانه وتعالى، والذي ندخل منه إلى نقلة نوعية من دائرة غضب الله إلى دائرة رضاه.

كان يرى أن حب رسول الله هو المفتاح الذي تُفتح به خزائن السماوات والأرض. وهذا المفتاح لشخصية سيدي صالح يلخص لنا ما هنالك؛ فإن حب رسول الله هو أصل الإيمان، وحب رسول الله لا يكون بالعقل وحده ولا بالقلب وحده ولا بهما فقط، بل بالعقل والقلب والروح. هكذا علمنا سيدنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وصف مجلس الجمعة للإمام صالح الجعفري وطريقته في التدريس بالسند المتصل

كان له مجلس في يوم الجمعة، وكان مجلسًا حافلًا، يذهب إليه ويأتي إليه الناس من كل مكان في مصر وفي العالم.

فكان يجلس ويبدأ فيقول بالسند المتصل في علوم الشريعة واللغة والفقه والحديث والتفسير: حدثنا علماء الأزهر الشريف. ثم يتكلم ويستفيض في موضوع الدرس.

وكنا نحصر ما يقول فنجده يستدل بما بين عشرين إلى ثلاثين آية ويفسرها، وما بين ثلاثين إلى أربعين حديثًا ويفسرها، ويتكلم في اللغة وفي الفقه وفي كل المناحي والعلوم والأصول والأدوات، ولم نره يتلجلج، فكأنه يغرف من بحر الصفاء ومن بئر الوفاء، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

دقة حفظ الإمام صالح الجعفري للأحاديث النبوية دون زيادة أو نقصان

كنا نذهب نبحث عن تلك الأحاديث التي سمعناها [من سيدي صالح الجعفري] فنجدها بالنص؛ لم يزد كلمة ولم ينقص كلمة على مر حياته.

فكان هذا آية من آيات الله وتوفيقًا من عنده سبحانه وتعالى، أن أقام في الأمة المصرية وفي المسلمين هذا الذي يُلجأ إليه في الملمات.

استجابة دعاء الإمام صالح الجعفري وتعلقه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم

كنا إذا ضاق بنا الأمر ذهبنا إلى سيدي الصالح للدعاء، ولم يُجرَّب عليه أنه دعا ولم يُستجب له؛ من تعلقه بحضرة الجناب الأجل صلى الله عليه وسلم، ومن أن قلبه كان ضارعًا لله.

ظللنا هكذا نَرِدُ من معانيه ومبانيه.

وصف هيئة الإمام صالح الجعفري وتواضعه وتذكيره بأئمة الدين الأوائل

كان [سيدي صالح الجعفري] جميل المُحيّا، وكان يلبس الجوخ بألوان زاهية تذكرنا كما قلنا بالأوائل الأوائل، تذكرنا بالإمام مالك وتذكّرنا بأئمة الدين وأئمة الهدى الذين انتشر الإسلام على أيديهم.

كان متواضعًا لله.

سؤال عن الصلاة ذات الجناحين وجواب الإمام صالح الجعفري عنها

سأله أحدهم مرة عن الصلاة ذات الجناحين، فقال [سيدي صالح الجعفري]: هذه الصلاة هي أن تفوتك ركعة مع الإمام، فتدخل فتصلي معه الثانية فتقرأ فيها الفاتحة وسورة، ثم تصلي معه الثالثة والرابعة فتقرأ الفاتحة وحدها، ثم تصلي معه الرابعة التي هي قضاء للأولى فتقرأ الفاتحة ومعها سورة.

فكانت الصلاة أصبح لها جناحان: جناح في الركعة الأولى فاتحة وسورة، وجناح في الركعة الأخيرة فاتحة وسورة. الصلاة ذات الجناحين.

نحن كطلبة علم لم نسمع بالصلاة ذات الجناحين.

حفظ الإمام صالح الجعفري للعلم منذ أربعين سنة وغبطة العلماء له

ثم نظر [سيدي صالح الجعفري] إلى أعلى وقال: سبحان الله، هذا سؤال لم أُسأله منذ أربعين سنة، فالحمد لله الذي حفظ علينا العلم. سمعوا [ذلك] من شيخه: الصلاة ذات الجناحين، وما زال يحفظها منذ أن كان طالبًا للعلم.

وهذا لا يعرفه كثير من الناس ولا يذكرونه، ولكنه فتح الله عليه بحفظ العلم.

كان هناك أناس كثيرون من العلماء يغبطون سيدنا الشيخ صالح الجعفري على تلك الحافظة وعلى هذا الاستحضار.

ملازمة الإمام صالح الجعفري للأزهر وكراماته التي شهدها الناس

وكان [سيدي صالح الجعفري] ملازمًا للأزهر الشريف، وكانت له كرامات بعضها رأيناه بأعيننا وحضرناه، وبعضها رآه آخرون فحكوا عنه، حتى استفاض الأمر عنه أنه ولي من أولياء الله الصالحين.

كرامة طي الزمان للإمام صالح الجعفري في قراءة الكتب أثناء الطلب

في أثناء الطلب كان [سيدي صالح الجعفري] يحدث له حال، فيأخذ كتبًا كثيرة لا تنتهي قراءتها إلا في شهور، ويصعد إلى حديقة الخالدين وإلى المكان الذي دُفِنَ رضي الله تعالى عنه فيه، وهو معروفٌ بارزٌ يُزار من كل مكان.

فكان يجلس على تلك التبة، [فيفتح] الله عليه من المعرفة في وقتٍ قليل في إدراك كل هذه الكتب التي تُنهَى في شهور.

وهذه من علامات الأولياء: أن الله يطوي لهم المكان ويبسط لهم الزمان، فطوى الله له المكان وبسط له الزمان.

صدق الإمام صالح الجعفري مع الله والنفس والناس وحرصه على الحج كل عام

يذكرنا الشيخ صالح أنه كان صادقًا مع الله ومع النفس ومع الناس. كان يحب أن يحج كل عام فوفقه الله إلى ذلك، وما كان يقدر أن يغيب عن سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وجاء أمر التنظيم وقالوا: إن من حج في العام الماضي لا يحج إلا بعد خمس سنوات، وهو يريد أن يحج؛ لأنه وكأن هناك سرًّا بينه وبين الله في الحج كل عام.

قصة حصول الإمام صالح الجعفري على تأشيرة الحج بصدقه وتيسير الله له

فذهب [سيدي صالح الجعفري] للحصول على التأشيرة، فسأله الموظف: هل حججت؟ فقال: السنة هذه لا، لم أحج. فأعطاه التأشيرة فورًا.

والتيسير علامة الإذن؛ الله أراد أن يحج وأن يحافظ على حجه في كل عام، ولم يتفوه بالكذب أبدًا، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وجعلنا [الله] في بحبوحة بركاته وتربيته وإرشاده وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

الدعاء بالإلحاق بالإمام صالح الجعفري على الإيمان وكمال الإسلام

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا به على الإيمان وعلى كمال الإسلام.

اللهم يا ربنا أكرمه كرامة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعلنا معهم خير صحبة نصحبها يا أرحم الراحمين.

اللهم يا ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدًا، واهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتقبل منا صالح أعمالنا. اللهم إنا نسألك أن تقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

سيرة الإمام صالح الجعفري بحر لا ساحل له والدعاء لمصر بالحفظ والبركة

سيرة سيدي صالح الجعفري لو جلسنا نتحدث عنها فإنها بحر لا ساحل له. وكان متعددًا في علمه وفي سلوكه للطريق وفي مشيخته وفي قيادته. كان الزعماء يهابونه ويحترمونه ويسمعون كلامه ويحضرون درسه.

والحمد لله رب العالمين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا خير خلف لخير سلف، وأن يبارك في أبنائه، وأن يهدئ بال المصريين، وأن يصلح شأنهم وحالهم يا أرحم الراحمين، وأن يجعل مصر محروسة بمثل هؤلاء الأولياء الأتقياء الأنقياء.

سيدي صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه، للذين ازدادوا في دين، إنشاد.