كنت ارتكبت ذنبا كبيرا وتبت فهل تكفى التوبة أم هناك كفارة؟ | أ.د علي جمعة
- •التوبة تكفي لجميع الذنوب مهما عظمت، والله يفرح بعبده التائب فرحاً شديداً.
- •قصة ماعز الأسلمي الذي أتى للنبي صلى الله عليه وسلم معترفاً بارتكاب الفاحشة وطالباً إقامة الحد عليه.
- •حاول النبي صرفه وستره عدة مرات، وتغافل عنه، وسأل قومه عن عقله محاولاً إيجاد مخرج له.
- •عندما أصر ماعز، أقيم عليه الحد، ولما هرب أثناء تنفيذه، قال النبي: "أفلا تركتموه".
- •استنبط العلماء من ذلك جواز رجوع المعترف عن إقراره عند تنفيذ الحد.
- •الحدود وضعت لبيان عظم المعاصي وليست للانتقام أو القسوة.
- •ظلت الحدود غير مقامة في بلاد المسلمين لقرون لشدة شروطها.
- •على من ارتكب معصية وتاب أن يحسن توبته بالصلاة والذكر والصدقة ونفع الناس.
- •الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
- •ليس على التائب كفارة محددة بعد التوبة الصادقة.
حكم التوبة من الذنب الكبير وهل تكفي دون كفارة
سائل يقول: كنت أرتكب ذنبًا كبيرًا وتبت إلى الله، فهل تكفي التوبة أم أن هناك كفارة؟
تكفي التوبة، والتوبة من كل الذنوب تكفي، بل إن الله سبحانه وتعالى يفرح بعبده التائب فرحًا شديدًا. توبوا إلى الله واتركوا المعاصي مهما تكاثرت، وابدؤوا صفحة جديدة مع الله، جدّد حياتك.
قصة ماعز الأسلمي ومحاولة النبي صرفه عن إقامة الحد عليه
ولما أتى ماعز الأسلمي وكان قد ارتكب الفاحشة -والعياذ بالله تعالى- يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ارتكبت كذا، أقم عليّ الحد. جادله رسول الله وأراد أن يصرفه سترًا عليه، وحتى لا يستهين الناس من بعده بهذا الأمر [أمر إقامة الحدود].
وأن الحدود أصلًا وُضعت لبيان عِظَم هذه المصائب التي وُضعت بإزائها تلك الحدود؛ فهي كبائر وفواحش تُفسد النفس وتُفسد المجتمع وتُفسد الناس، ولكنها ليست انتقامًا وليست قسوة أو عنفًا أبدًا، هي ليست كذلك، بل هي من أجل أن يعلم من لم يرتكبها أن هذه المصائب والقاذورات إنما هي من الكبائر عند الله.
إعراض النبي عن ماعز ومحاولته إيجاد مخرج له من الحد
النبي ﷺ أشاح بوجهه كأن لم يسمع واشتغل بشيء عن يساره، فأتاه [ماعز] عن يساره وقال: أقم عليّ الحد. فتغافل عنه ونظر إلى يمينه، فجاء عن يمينه، أربع مرات.
ثم إنه [النبي ﷺ] أراد أن يجعل له فسحة، فأتى بأهل قومه وقال لهم: أمجنون هو؟ يعني لو كانوا قالوا مجنون، لكان خلص الأمر؛ فهو مجنون، هيا امشِ. قالوا: أعقلنا وأحكمنا يا رسول الله! لم يفهموه ماذا يريد سيدنا [رسول الله ﷺ]، سيدنا يريد أن يوجد له مخرجًا، كأنه أحاله على المجلس الطبي بلغة العصر هكذا، فقالوا: لا، هذا مريض جدًا [أي: ليس مجنونًا بل هو عاقل تمامًا].
إقامة الحد على ماعز وعدم سؤال النبي عن الطرف الآخر سترًا عليه
المهم أنه عندما صمّم [ماعز على إقراره]، أقام عليه الحد ولم يسأله عن الطرف الآخر وليس له علاقة، ستر الله هذا الطرف. خلاص في الستر، الأصل هو الستر، ليس الأصل التفاخر والولاية أن هو يعني ماذا؟ تقيّ نقيّ؟ يعني لا، أنت لست لا تقيًّا ولا نقيًّا، أنت فضّاح.
قال النبي ﷺ: «من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة»
رجوع ماعز عن إقراره أثناء الحد وموقف النبي من ذلك
فلما أقاموا عليه الحد وبدأ الدم يسيل، قال [ماعز]: أنا لم أفعل هذا! فأكملوا عليه. قام هرب، قفز من الحفرة -كانوا عملوا له حفرة كذلك دُفن [فيها]- الحفرة وهرب، فجمعوه ورجموه.
فرجع عمر [رضي الله عنه] وكان ممن كان حوله، وحكى ذلك لرسول الله ﷺ، قال له: أفلا تركتموه؟ هذا رجع في إقراره. فأخذ العلماء من قوله ﷺ «أفلا تركتموه» جواز عود المعترف بإقراره؛ عندما يمسّ الحد يقول: أنا كذبت، خلاص نصدّقه.
الحكمة من الحدود وشدة شروطها التي حالت دون إقامتها قرونًا طويلة
معنى الكلام هذا أن الله لا يريد دماء قرابين بشرية، هو يريد تعظيم الذنب وإبعاد الناس عنه، ولا يريد انتقامًا ولا يريد شيئًا من هذا.
ولذلك ظل المسلمون في أركان الأرض سنين طويلة، أكثر من ألف ومائتي سنة الآن، لم تُقَم تلك الحدود في بلاد المسلمين. لماذا؟ لشدة شروطها، هذه الشروط عجيبة غريبة في هذا الحد.
أعمال التوبة من الفواحش وأن الصدقة والذكر يكفران الخطايا
فمن ارتكب شيئًا من هذه القاذورات ثم تاب فلتحسن توبته بكثرة الصلوات والذكر والامتناع عن المعاصي.
وإذا أراد أن يتصدق بشيء فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وليكثر من الوضوء، وليكثر من نفع الناس، وليكثر من ذكر الله.
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
وليس عليه كفارة محددة ولا عليه شيء يفعل [سوى التوبة النصوح والإكثار من الطاعات].
