كيفية التعامل مع الشواذ | أ.د علي جمعة
- •الشذوذ الجنسي انحراف عن الفطرة ومعصية اتفقت الأديان كلها على تحريمه.
- •القاعدة في التعامل مع المعاصي هي الستر حال خفائها، والتصدي لها عند انتشارها حتى لا يؤذن السكوت بالرضا.
- •منذ خمسينيات القرن العشرين بدأت محاولات تبرير الشذوذ دينياً، بدءاً من اليهود ثم المسيحيين، وأخيراً ظهرت محاولات لنسبته للإسلام عام 1992 عبر منتدى "الفاتحة".
- •أفكار نيتشه والنسبية المطلقة فتحت الباب لتبرير الانحرافات بحجة حقوق الإنسان.
- •هناك نحو خمسين ألف بحث تدعو للشذوذ وتروج له على أنه حق إنساني.
- •الحقوق الإنسانية الحقيقية هي العدالة وعدم التعذيب وتأمين الاحتياجات الأساسية، وليست الانحراف.
- •المحاولات المستميتة لنشر الشذوذ تهدف لهدم المقررات الأساسية: اللغة والأسرة والدولة والدين والثقافة.
- •الغالبية العظمى من البشرية (حوالي 6.5 مليار) تعتبر الشذوذ فعلاً قبيحاً، بينما يسعى الأقلية لنشره.
سؤال عن كيفية التعامل مع الشواذ على مستوى الدولة والأفراد
سائل يسأل ويقول: كيف نتعامل مع الشواذ على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد؟ متى نعاقبهم؟ هل ننبذهم أم نحتويهم؟ هل يختلف الحكم بين من يجاهر بهذه المعصية وبين من يتكتم عليها؟
يقول الإمام القرطبي في معصية كانت نائمة ثم شاعت وسط الناس: ويا ليتها ما صارت قيلة، يعني ليتها ما انتشرت مشاهد هكذا؛ لأن كل الناس أصبحت تسأل عن المعصية التي يتحدث عنها الإمام القرطبي، وهي ليست [مسألة] الشواذ، ولكن الأئمة الأعلام علّمونا أن نتحدث عن هذه القاذورات إذا انتشرت أولًا، لا نتكلم ولا نذكر سيرتها.
منهج الستر والتصدي للمعصية عند شيوعها بين الناس
وعندما نجد شخصًا يسأل سؤالًا، نسكت ونجعل الحل في الغرف المغلقة عند الأطباء في الستر. فإذا شاعت وذاعت تصدّينا لها. لماذا؟ لأن هذا الشيوع مع السكوت يؤذن بالرضا؛ لمّا هي شاعت وذاعت لماذا لم تتكلموا؟
إذن السكوت له وقت والكلام له وقت، والحكمة أن تتكلم بالكلام المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب في الحال المناسب مع الشخص المناسب، هذه هي الحكمة المناسبة.
اتفاق جميع الأديان على أن الشذوذ انحراف عن الفطرة
فإذا رأينا أنهم عدُّوا هذا الفعل الخبيث الذي اتفقت عليه الأديان، وليس هناك حاجة تسمى الأديان الإبراهيمية المنسوبة إلى سيدنا إبراهيم؛ سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد ﷺ يسمونهم بالأديان الإبراهيمية، وهناك شيء يُسمى الأديان، هذه الأديان يعني حتى الأديان الموضوعة، دين وضعه شخص ما هكذا وقال: هيا يا أبناء نصنع دينًا، مثل البهائية أو مثل ما لا أعرفه من التنياسيكيو في اليابان أو مثل دينٍ آخر مثل الشنتو.
هؤلاء الشنتو يعبدون ثلاثة آلاف إله، ثلاثة آلاف إله! إنا لله وإنا إليه راجعون، يعني الجاهلية كانت تعبد صنمًا أو اثنين، هذه القبيلة تعبد واحدًا، وهذه القبيلة تعبد هُبَل وما شابه ذلك، لكن لا، هؤلاء مساكين يعبدون ثلاثة آلاف إله، الله يكون في العون.
اجتماع ثلاثين ديناً في بروكسل على أن الشذوذ انحراف
والله اجتمعوا في بروكسل في بلجيكا ثلاثون دينًا، ربما أنت عندما تعد الأديان التي تعرفها لا تجدها عشرة، لكنهم ثلاثون دينًا، ورأوا أن الشذوذ انحراف عن الخلقة الأصلية ومعصية للرب. كل الناس أصحاب دين يرون أن هذا الكلام هو انحراف.
الرد على من يعتبر الشذوذ من حقوق الإنسان في أمريكا
تدخل الإنترنت فتجدهم في أمريكا، منذ وقت كلينتون اعتبروه من حقوق الإنسان، يا للعجب! وجاءنا أناس من هناك يقولون: لماذا أنتم غاضبون من الشذوذ؟ إنه من حقوق الإنسان.
فأجبناهم وقلنا: إن حقوق الإنسان المعتبرة المتفق عليها دائمًا هي التي تبقى في لسانك باستمرار، ليست هذه. أنتم الذين تصورتم أنها حقوق إنسان عندكم حتى تفسدوا في الأرض وحتى تصلوا إلى ما يسمى بالصفحات البيضاء: الرجل ليس رجلًا والمرأة ليست امرأة، والرجل والمرأة ليسا، ما هذا؟! ما هذا القرف؟!
أثر إنكار وجود الله بعد نيتشه في انتشار الانحلال الأخلاقي
فإذن، كل هذا ناتج من ماذا؟ من التدهور الذي حصل لهم بعد نيتشه من إنكار وجود الله؛ ما دام الله غير موجود، فلأي شخص أن يقول أي شيء.
قال النبي ﷺ: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»
لو خرجنا عن الحياء لآل بنا الأمر إلى هذا [الانحلال].
خمسون ألف بحث على الإنترنت تدعو إلى الشذوذ وتدجيل علمي
ثم تذهب إلى الإنترنت وتفتح فتجد حوالي — أنا حصرتُهم وجدتُهم — الذين أنا حصرتُهم خمسين ألف بحث، انظر الإغراق! خمسين ألف بحث، ليس خمسين ألف ورقة، خمسين ألف بحث يدعون إلى الشذوذ.
هذا هو الدجل! خمسين ألف بحث يدعون إلى الشذوذ والعياذ بالله تعالى، وكأن السابقين كانوا في ضلال مبين، وكأنه فعل يولد به الإنسان فلا يستطيع مقاومته، والحاصل غير ذلك، والله أعلم بما هنالك.
شهادة أستاذة أمريكية بأن العلاج ممكن وإسكاتها من المروجين للشذوذ
وفي أحد البرامج الأمريكية قامت أستاذة كبيرة مختصة في هذا الشأن وقالت لهم: حرام عليكم، إن هؤلاء الأولاد في جحيم وأنتم تدفعونهم إلى مزيد من الجحيم، والعلاج على طرف الثمام، فاتقوا الله.
فقاموا عليها جميعًا بالإنكار وأسكتوها. ها، إغراق الفساد! الفساد يجلب الماء ليُغرق الناس جميعها.
﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: 41]
نقد منهج فرويد في إطاعة النفس الأمارة بالسوء بدل مقاومتها
كل هذا الكلام نعرفه، ونعرف الخمسين ألف بحث، ونعرف أين الدجل فيها؛ لأنها تصف فتعالج بغير ما يقتضيه الوصف. الرغبة الجنسية عند بني البشر موجودة، لكن كون أنك تعتبر يا فرويد أن الإنسان لا بد عليه أن يطيع النفس الأمارة بالسوء، هذا هو الخطأ.
أما وجود النفس الأمارة بالسوء فيعرفه كل أحد، فنحن نقول له: نعم، ولكن أجل، توجد نفس أمارة تدعو الناس للانحراف، ولكن علاجها أن نقول لها: اشبعي من الحرام؟ اشبعي من هذه الأوامر الفاسدة؟
مخالفة النفس والشيطان وعدم الانقياد لهما في الشهوات
والنفس كالطفل، إن تُهمله شبّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.
وخالف النفس والشيطان واعصهما، فإن هما محضاك النصح فاتهم، ولا تطع منهما خصمًا ولا حكمًا، فأنت تعلم كيد الخصم والحكم.
هذا كلامنا النظيف العفيف الحلو الجميل، لكننا ندفع الناس إلى المعصية حتى يشبعوا، ولن يشبعوا، ولذلك يذهبون في وحل هذه المعصية كل [يوم يزدادون غرقًا]. قليلًا وستتدخل السماء على هؤلاء كما تدخلت مع قوم لوط عندما عصوا نبيهم.
بداية تبرير الشذوذ دينياً من اليهود سنة ألف وتسعمائة وخمسين
لعل في هذه المقدمة، وهي محاولات مستميتة بعد سيجموند فرويد وبعد نيتشه، محاولات مستميتة، وأول من قال: يا جماعة، الدين لا يمنع من هذا [الشذوذ] كانوا اليهود، وأتوا ببعض الآيات من التوراة تدعم موقفهم.
وكان هذا سنة ألف وتسعمائة وخمسين، يعني مرّ علينا سبعة وستون عامًا، ومازال يأتينا السؤال الآن.
تطور التبرير الديني للشذوذ من اليهود إلى المسيحيين ثم ظهور منتدى الفاتحة
وريثما أنتقل خطوة خطوة من هناك إلى هنا، ستجد أن هذا السؤال [الذي يعود إلى] ألف وتسعمائة وخمسين حين بدأت جماعات اليهود تبرر ذلك دينيًا. حسنًا، معنى ذلك أنك تريد أن تشيع هذه الفاحشة في الذين آمنوا، معنى ذلك أنك لم تعمل الخمسين ألف بحث من أجل الوصف فالعلاج، بل من أجل الوصف فالانهيار، ما أنت فعلته هكذا.
وهذا وراءه بعد ذلك في سنة أربعة وسبعين [1974م] بدأت بعض الجماعات المسيحية تدعو إلى ذات نفس ما دعا إليه اليهود. المسلمون بعيدون عن هذه الحكاية إلى أن فوجئنا سنة ألف وتسعمائة اثنين وتسعين ظهر منتدى اسمه الفاتحة، يبدو أنهم الفاتحة على أرواحهم وأرواح الذين أنجبوهم.
منتدى الفاتحة ودعوته للانحراف المخالف للدين والفطرة
سموا أنفسهم الفاتحة، ودعوا فيه إلى ذات نفس هذا العمل الخبيث والانحراف المشين الذي لا أساس له من الصحة ولا من الدين ولا من الفطرة ولا من واقع الناس.
هذه ثقافة أكثر منها أي شيء آخر، شيء آخر بخلاف ما يذكرونه في الخمسين ألف بحث. نحن لسنا أصحاب دجل، نحن إنما نؤمن بـحقوق الإنسان المتفق عليها: ألا نعذبه، ألا نحرمه من العدالة، ألا نضيق عليه في الطعام والشراب واللباس والاحتياجات الأساسية.
هذه هي حقوق الإنسان، وليست حقوق الإنسان هي الانحراف وقلة الدين وقلة الأدب.
تغيير اسم منتدى الفاتحة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر
فهم محترقون يا للأسف منذ عام [ألف وتسعمائة] اثنين وتسعين سموها الفاتحة، وبقي اسمها الفاتحة، وكنا نجد عند البحث عن كلمة الفاتحة على الإنترنت نتائج كثيرة.
إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقام الأمريكيون الذين لم يكونوا هكذا من قبل بالقول إن أي شيء فيه الـ [ألف واللام] يكون خاصًا بالمسلمين، وأي شيء فيه الـ أو الهدى أو البركة أو النور أو الفاتحة يكون خاصًا بالمسلمين، وكذلك الألف واللام هذه، هذه خاصة بالعرب.
ففي البداية وجدت نفسها [جماعة الفاتحة] محاطة بقوات الأمن الأمريكية الذين قالوا لهم: تعالوا هنا، أأنتم إرهابيون أم ماذا؟ فردوا عليهم: لا، نحن تائهون ووجدناها سنغير اسمنا، فغيروه منذ سنة ألفين وواحد وأصبح اسمهم مخفيًا على الإنترنت.
جنون نيتشه ودعوته إلى النسبية المطلقة وهدم المقررات الأساسية الخمسة
إذن هذا هو السر العجيب الذي ظهر بعدما قال نيتشه الذي جُنَّ في اثنتي عشرة سنة الأخيرة من حياته؛ لأنه جُنّ سنة ألف وثمانمائة ثمانية وثمانين ومات سنة ألف وتسعمائة، الاثنتي عشرة سنة كان مجنونًا. نشهد أنه جُنّ، لكنه دعا إلى النسبية المطلقة، فلاقت رواجًا عند من أرادوا هدم المقررات الأساسية:
- اللغة
- والأسرة
- والدولة
- والدين
- والثقافة
خمسة تقرأهم هكذا وتفهمهم، والحمد لله.
جهل أغلب المسلمين بهذا الانحراف وضرورة التحذير عند انتشاره إعلامياً
أغلب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها سيكون هذا الكلام جديدًا عليهم ولا يعرفونه أصلًا. لماذا؟ لأنه كلام أقرب إلى الحمق في تصرفاتهم الذميمة منه إلى الحق.
أما عندما نجد وسائل الإعلام بدأت تتيح الكلام والمخفي والظاهر والأفلام على هذا الشأن الخبيث، فإننا نحذر ونقول: هذا حرام باتفاق أهل الأديان، ليس في الإسلام فقط، بل باتفاق أهل الأديان جميعًا.
نحن سبعة مليارات الآن، ستة ونصف يقولون هذا فعل قبيح، وخمسمائة [مليون] يريدون أن يخربوا فيها ويفسدوا في الأرض. هذه هي القصة، وبهذه المقدمة يُجاب عن كل الأسئلة التي أمامنا.
