كيف أصلي في الطائرة؟ | أ.د علي جمعة
- •الصلاة في الطائرة مسألة خلافية، فالشافعية لا يجيزون الصلاة فيها لفقد شرط الاستقرار على ما ينتهي بالأرض.
- •الهواء ليس ملموساً كالماء، والمطلوب الاستقرار على شيء متصل بالأرض.
- •عند تراكم الصلوات في السفر الجوي، تُقضى بعد النزول مع القصر لأنها فاتت في حالة سفر.
- •أقصى رحلة طيران تستغرق ستة عشر ساعة، مما يعني تراكم صلاتين أو ثلاث على الأكثر.
- •إذا انفجرت الطائرة ومات المسافر قبل أداء الصلاة، فلا شيء عليه لأنه مات غير مقصر.
- •لا يقضي أحد الصلاة عن غيره، بخلاف الحج والصيام.
- •الراجح عند الشافعية أن تحصيل شروط الصلاة مقدم على الوقت.
- •من ترك الصلاة لأجل تحصيل شروطها فهو غير مقصر ولا مستهين.
- •الأعمال بالنيات، فمن أخّر الصلاة طلباً لكمال التكليف لا هرباً منه فهو مأجور.
حكم الصلاة في الطائرة عند الشافعية وترك الفريضة لقضائها على الأرض
يسأل سائل: كيف أصلي في الطائرة؟
أنا أرى، وهذا يؤيده مذهب الشافعية، أن الطائرة إذا صلينا فيها فإنما نصلي فيها النافلة أو لا نصلي فيها، وأن الصلوات إذا تراكمت علينا فذلك لفقد شروطها؛ فإذا نزلنا إلى الأرض قضيناها. يعني كأنه ليست هناك صلاة في الطائرة عندي.
وهذا محل خلاف بين العلماء والفقهاء؛ يقولون: لا، صلِّ مستقبلًا القبلة وأنت جالس، ثم صلِّ كيفما اتفق.
قياس الشافعية للهواء على البحر ونص الرافعي في الصلاة على الأرجوحة
الشافعية يقيسون البحر على البر، لكنهم لا يقيسون الهواء على البحر. وهذا نص كلام الرافعي [عبد الكريم الرافعي من كبار فقهاء الشافعية]؛ فلو صلى في أرجوحة لا هي إلى السقف معلقة ولا هي على الأرض مستقرة، لا يجوز.
يعني هناك أرجوحة طائرة لا هي إلى السقف معلقة، ولا هي على الأرض مستقرة، إذن هذه مثل الطائرة كما يسمونها بالإنجليزية Banking. نعم، يعني هنا الطائرة تأرجحت كما تخيل الرافعي، لا يجوز.
لماذا؟ لأن الهواء ليس ملموسًا كلمس الماء، والمطلوب الاستقرار على شيء ينتهي بالأرض؛ ولذلك فهذا من شروط الصلاة [عند الشافعية].
كيفية قضاء الصلوات المتراكمة بعد النزول من الطائرة في السفر الطويل
فإذا أنا ذاهب إلى أمريكا أو ذاهب إلى اليابان وتراكمت علينا الصلوات، عندما ننزل نقضيها قصرًا؛ لأننا تركناها في حالة السفر الذي يوجب أو الذي يجيز القصر. فسنصلي على الأرض ركعتين ظهرًا، وركعتين عصرًا، وثلاث ركعات مغربًا، وركعتين عشاءً، والفجر كما هو.
إذن أصول الشافعي رضي الله تعالى عنه تقول إنك تجمع في حالة السفر الذي تتراكم معه الصلاة. وهذا يحدث إذا كانت الطائرة مباشرة أو كانت متجهة إلى الشرق؛ فإن الصلوات تتراكم، فإنك عندما تنزل تقضي هذه الصلوات.
أقصى مدة رحلة طيران في العالم وعدد الصلوات التي قد تفوت المسافر
والمسافة من أي مكان إلى أي مكان في العالم لا تزيد عن عشرين ساعة، وأقصاها ستة عشر ساعة. يعني لا يوجد رحلة طيران أكثر من ذلك، ثم بعد ذلك لا بد أن تنزل إلى الأرض.
فالقضية حتى الآن مستورة، وهي أنه سيكون هناك صلوات مثل الظهر والعصر، وبعدها تجد نفسك نازلًا؛ لأنك سافرت الساعة الثامنة صباحًا. فالذي سيفوتك الظهر والعصر، أو الذي سيفوتك العصر والمغرب، وهكذا مهما ذهبت إلى أي مكان في العالم.
حكم من مات في انفجار الطائرة وعليه صلوات لم يؤدها بسبب السفر
يسأل سائل: إذا انفجرت الطائرة في الجو وقد تركنا الصلاة؟
لا شيء عليه؛ لأنه مات غير مقصر. والإنسان لا يقضي الصلاة عن أهله [أي لا يصلي أحد عن أحد].
أدلة جواز قضاء الحج والصيام عن الميت من السنة النبوية الشريفة
وورد عن النبي ﷺ أن الإنسان يقضي الحج عن أهله ويقضي الصيام عن أهله.
فورد عن النبي ﷺ أن امرأة قالت: إن أبي مات ولم يحج، فقال النبي ﷺ:
«حُجِّي عن أبيكِ؛ فإن دَيْنَ الله أحق أن يُقضى»
ورأى النبي ﷺ رجلًا يقول: لبيك اللهم عن شُبْرُمة، فقال النبي ﷺ:
«ومن شُبْرُمة؟»
قال الرجل: أخي، كان لم يحج. قال النبي ﷺ:
«أوَحَجَجْتَ عن نفسك؟»
قال الرجل: لا. قال النبي ﷺ:
«فحُجَّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شُبْرُمة» (أي في السنة القادمة)
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ سُئل عمّن مات وعليه صيام، فأذِن لوليه أن يصوم مكانه.
الصلاة مؤقتة لا تُقضى عن الغير إلا عند الحنفية في الوقت فقط
ولكن الصلاة قال فيها ربنا:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
ولذلك فهي مؤقتة، ولذلك فليس هناك تحمل [أي لا يصلي أحد عن أحد] إلا عند الحنفية في الوقت. فعند الحنفية يقولون: إذا مات أحدهم في وقت صلاة العصر ولم يصلِّ، صلى عنه وليه في الوقت (وقت صلاة العصر)، قبل خروج وقت صلاة العصر لأنه في الوقت.
أما خارج الوقت فلا يصلي عنه.
حكم من مات تاركًا للصلاة بسبب فقد شروطها لا تكاسلًا ولا استهانة
فإذا كان هناك رجل أو امرأة كان تاركًا للصلاة [بسبب فقد شروطها في الطائرة] ومات، فكيف الكفارة عن ذلك؟
ليس هناك قضاء وليس هناك مؤاخذة لمثل هذا؛ لأنه لم يترك الصلاة عبثًا ولا استهانة ولا تكاسلًا، وإنما ترك الصلاة لأجل تحصيل شروطها.
الخلاف بين العلماء في تقديم تحصيل الشرط على الوقت والراجح عند الشافعية
وتحصيل الشرط هل هو مقدم على الوقت؟ أم الوقت مقدم على تحصيل الشرط؟ هناك خلاف بين العلماء.
والراجح عند الشافعية أن تحصيل الشرط مقدم على الوقت.
مثال تطبيقي على تقديم تحصيل شروط الصلاة على الوقت عند فقد الماء
إذ قام شخص في الصباح عند أذان الفجر الساعة الخامسة، والشروق كان في السادسة والربع أو السادسة والنصف. عندما قام هذا الشخص عند وقت أذان الفجر في الساعة الخامسة فلم يجد ماءً.
فماذا يفعل؟ فالشافعية يقولون: يبحث عن الماء ويحضره. وكي يحضر الماء سيمشي قليلًا ليذهب ويحضر الماء ويعود. فعندما أحضر الماء كان الجو باردًا، فأراد تسخينه ليستحم، فقام بفتح الموقد الذي يعمل بالغاز فلم يجد به غاز.
يا لها من مشكلة! أصبحت الآن الساعة الخامسة والنصف، فقام ليذهب ويُحضر الغاز لتسخين الماء كي يتطهر للصلاة. ظل في هذه المسألة حتى اقترب وقت الشروق، عندما ينتهي من الطهارة يكون الشروق قد طلع.
هل يتيمم أم يتم تحصيل شروط الصلاة؟ الشافعية قالوا: يتم تحصيل شروط الصلاة [ولا يتيمم ما دام قادرًا على الوضوء].
الخلاف في كون الصلاة خارج وقتها بسبب تحصيل الشروط أداءً أم قضاءً
هل الصلاة التي سيؤديها هذه والتي وقعت في غير وقتها أداءٌ أم قضاء؟ هناك خلاف بين العلماء؛ لأنه لم يكن غافلًا وإنما كان يأتمر بأمر الله. الله يقول له: لا تأتِ إلى الصلاة إلا إذا كنت طاهرًا، فيقول هذا العابد لله: حاضر يا ربي. إذا هذا عابدٌ، إنه يعرف أن هناك ربًّا ويقول لربه نعم.
ولذلك اختلف العلماء، هل هذا أداءٌ أم قضاءٌ؟ الذي نظر إلى الوقت قال قضاءٌ لأنه خارج الوقت، والذي نظر إلى أنه قائم بتحصيل الشروط قال: أبدًا.
ليس عليه شيء. نعم، ليس عليه شيء باتفاق. لماذا؟ لأنه كان يستطيع أن يتيمم ويصلي، لا، (ما دام هو قادر على تحصيل الشروط فإن الشروط مقدمة على الوقت).
تطبيق قاعدة تحصيل الشروط على المسافر في الطائرة وحكم من مات فيها
فالذي في الطائرة هذا وهو ينوي أنه عندما ينزل سيصلي، ليس مقصرًا ولا مستهينًا ولا متكاسلًا، بل إنه يريد تحصيل الشروط، وتحصيل الشروط مقدم على الوقت. هذا يعبد ربنا هكذا، هذا عن علم.
فانفجرت الطائرة، انظر إلى الاحتمال السخيف، انفجرت الطائرة والعياذ بالله تعالى. حسنًا، انفجرت الطائرة، هذا احتمال غريب، لكن لا عليه. إذن هو مات شهيدًا ولا شيء عليه.
لماذا؟ لأنه لم يقصر، بل إنه فعل هذا طلبًا لا هربًا. يقول الفقهاء: فعله طلبًا لا هربًا. يعني هو لا يتهرب من التكليف، بل هو يطلب كمال التكليف.
نعم، هناك فارق كبير بين الحالتين.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
