لا تستغرب وقوع الأكدار | الحكم العطائية | حـ 24 | أ.د علي جمعة
- •الدنيا تتصف بأنها حادثة وإلى زوال، ولم تصفُ لأحد، وسُميت بالدنيا لدناءتها، واختلطت فيها المصالح بالمفاسد واللذات بالآلام.
- •لا توجد في الدنيا مصلحة مطلقة ولا لذة تامة، ولا مفسدة مطلقة ولا ألم تام، بل أحيطت بالكدر والمشاغل والهموم والمصائب.
- •ينبهنا ابن عطاء في حكمته ألا نستغرب وقوع الأكدار ما دمنا في هذه الدار، فالأكدار جزء لا يتجزأ من حقيقة الدنيا.
- •فهم طبيعة الدنيا يساعد على الصبر عند المصائب، فما يأتي من معدنه لا يُستغرب.
- •الصبر مر وصعب، لكن تهيؤ النفس وفهمها لطبيعة الدنيا يعين على تحمله.
- •علمنا النبي ﷺ أن الصبر عند الصدمة الأولى، وأنه يجوز الحزن دون قول ما يغضب الله.
- •هناك أربعة أمور تعين على التعامل مع أكدار الدنيا: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الأنام.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في سلسلة الحكم العطائية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحِكَم العطائية.
صفات الدنيا عند ابن عطاء الله من حدوث وزوال ودناءة واختلاط المصالح بالمفاسد
يقول ابن عطاء وهو يبين لنا حقيقة الدنيا وأنها لها صفات، وهذه الصفات منها:
- •أنها حادثة.
- •ومنها أنها إلى زوال.
- •ومنها أنها لم تصفُ لأحد من قبل.
- •ومنها أنها سُميت الدنيا لأنها دنيئة.
- •ومنها أنها قد اختلطت فيها المصالح بالمفاسد واللذات بالآلام.
ولذلك فليس فيها مصلحة مطلقة، وليس فيها لذة تامة، وليس فيها مفسدة مطلقة، وليس فيها ألم تام. لكنها في الحقيقة أُحيطت بشيءٍ كبيرٍ من الكدر، من المشاغل، من الهموم، من المصائب، من الكوارث، من الأزمات.
تنبيه ابن عطاء الله على عدم استغراب الأكدار لأنها من طبيعة الدنيا
ولذلك ينبهنا [ابن عطاء الله] إلى أننا ينبغي علينا ألا نستغرب وقوع الأكدار. كثيرٌ من الناس عندما يحدث له شيء فإنه يظن أن الله قد غضب عليه.
ينبهنا ابن عطاء إلى قضية مهمة جدًا وهي أن هذه هي طبيعة الدنيا التي خلقها الله سبحانه وتعالى. الله خلق الأشياء وقدّر لها أقدارها؛ خلق النار وجعلها محرقة، وجعل الإنسان يطلب منها الدفء، جعلنا إذا وضعنا فيها اللحم يحدث شيٌ للحم، جعلها ذات طاقة وحرارة.
خلق الله سبحانه وتعالى الشمس وهي مضيئة، وهذه الإضاءة تسبب النهار. خلق سبحانه وتعالى البحر وأوجد في الماء [خاصية أنه] يحدث البلل، أي إذا ألقى المرء نفسه في البحر فسوف يبتل، فلا ينبغي أن يتعجب إذا ألقى نفسه في البحر فابتل.
التحذير من التبرم والحيرة وعدم الثقة بالله عند وقوع المصائب
ولا يقول [الإنسان]: لماذا قدَّر الله عليَّ البلل؟ وهل هذا غضب من عنده؟ وهل فعلتُ شيئًا؟ ويبدأ أولًا في التبرم، ثانيًا في الحيرة والتردد، ثالثًا في عدم الثقة لا بالنفس ولا بالله.
يريد [ابن عطاء الله] أن يزيل عنا هذا التوهم ويبين أن أصل الدنيا فيها الكدر. ولذلك يقول: لا تستغرب وقوع الأكدار، لا تستغرب الدنيا، إذ ما دامت الدنيا وهذه صفتها فإن الأكدار جزء لا يتجزأ من حقيقتها ما دمت في هذه الدار.
الدنيا أبرزت ما هو مستحق وصفها من أكدار ومصائب لأنها دنيئة
إذن فما دمت في الدنيا فلا تستغرب وقوع الأكدار. والأكدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها، يعني هي الدنيا، ولأنها دنيئة ومن الدنو ومن الدناءة.
الدنيا أبرزت الأقدار وأبرزت المصائب والشواغل والهموم والأزمات والكوارث والأمراض، ما هو [إلا] هذا مستحق وصفها. ما هو كيف تكون إذا من الدناءة، كيف تكون إذا، أو يجوز لك أن تنعتها بهذه النعوت القبيحة، ولأنها كذلك فهي لا يُستغرب أبدًا منها أن تبرز وأن تُظهر الأكدار.
الحكمة العطائية ميزان للتعامل مع المصائب وفائدة توقع الأكدار في الصبر
هذه الحقيقة وهذه الحكمة البليغة تجعل معك ميزانًا للتعامل ولقياس التعامل مع الدنيا؛ عندما تأتي المصائب تعرف حقيقة أن هكذا هي الدنيا.
ما الذي يفيدك هذا الشعور؟ إنك أنت أتت [الأكدار من] الشيء من معدنه لا يُستغرب، فعندما تأتي الأكدار والمصائب من الدنيا، فهذا شيء متوقع.
وهذا التوقع ما الذي يفيده؟ يُفيد المساعدة على الصبر؛ لأن الصبر مرٌّ والصبر صعب والصبر فيه معالجة للنفس وجبح [كبح] لهذه النفس.
الاستعانة على الصبر بالفهم المسبق لطبيعة الدنيا ودرء الجزع والحيرة
فكيف تستعين على الصبر؟ تستعين على الصبر بأنك مهيأ وفاهم أن هذا أمر عادي. إذا فهمت [أن] هذا أمر [قد] يعني أصابك أنت وحدك وأن هذا الأمر فريد في نوعه وكيف يحدث هذا، تصيب الحيرة، ولكن فوق هذا تصيب الجزع.
ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة التي مات لها ابنها وهي تبكي وتولول وتلطم وجهها، فقال لها:
قال رسول الله ﷺ: «اصبري»
قالت له: إليك عني، يعني ما ليس لك شأن به، ولم تكن تعرف أن الذي يكلمها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة حزنها واستغراقها في الحزن وانشغالها في هذا الجزع.
حديث إنما الصبر عند الصدمة الأولى وكيفية تحقيقه بالمعرفة المسبقة
وأخبروها: هذا رسول الله، فقامت تجري وراءه وقالت: يا رسول الله، إنني لم أعرفك، فقال لها:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»
كيف يأتي الصبر عند الصدمة الأولى؟ بالمعرفة المسبقة، بالتربية، بالفهم، بأن نتحقق بهذه الحكمة: لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار.
هذه كلمة جميلة نحفظها: لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار. عندما تأتيني الواقعة والحادثة والنازلة تجدني وأنا مستحضر هذه الحقيقة، تساعدني على الصبر وعدم الجزع.
ثمرة الصبر التسليم والرضا بقضاء الله وحديث النبي عند وفاة ابنه إبراهيم
تساعدني بذلك [على الصبر]. ما دمت سأصبر، ما الذي يحدث بعد الصبر؟ ما نتيجة الصبر؟ التسليم والرضا بقضاء الله.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم [عند وفاة ابنه إبراهيم]:
قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يغضب الله»
لأنه في تربية سابقة وفي مفاهيم سابقة مستقرة في النفس البشرية. ولذلك إذا ما تحققنا بهذه الحكمة فإنها تساعدنا كثيرًا على إنشاء هذه النفس المتخلقة بالأخلاق النبوية المصطفوية عليه الصلاة والسلام.
أعداء الإنسان الأربعة وأركان الطريق في التعامل مع أكدار الدنيا
الدنيا والهوى والشيطان والنفس، هذه الأربعة هي ضد الإنسان. وأيضًا هناك أفعال تكلمنا عنها تمثل أركانًا للطريق في التعامل مع الدنيا والتعامل أيضًا مع الأكدار، قالوا عنها إنها:
- قلة الكلام.
- وقلة الطعام.
- وقلة المنام.
- وقلة الأنام [أي مخالطة الناس].
وبعضها أصعب من بعض؛ لأنه قد يستطيع الإنسان أن يكف نفسه عن شيء ما في عزلة في القالب [الظاهر]، لكن قضية قلة المنام تحتاج إلى تدريب وإلى مزاولة لهذا التدريب وإلا سقط الجسد.
ضرورة التدرج في تطبيق الأركان الأربعة والختام بالتوديع
ولذلك فينبغي أن نفعل هذه الأربعة بشيء من التدرج.
قال رسول الله ﷺ: «المُنْبَتُّ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظَهْرًا أبْقَى»
هذه الأربعة [قلة الكلام والطعام والمنام والأنام] تساعد الإنسان على أن يتعامل مع هذه الأكدار في هذه الدار.
إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
