لقاء أ.د علي جمعة ببرنامج المجلس عبر قناة أزهري
- •يدور الحوار حول المذهب الأشعري وموقفه من تأويل الصفات الإلهية، حيث يؤكد المتحدث أن الأشاعرة يفوضون معنى الصفات إلى الله مع التنزيه عن التشبيه والتجسيم.
- •استشهد المتحدث بموقف الإمام مالك عندما سُئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
- •أوضح أن للاستواء خمسة عشر معنى في اللغة، وينبغي اختيار ما يليق بجلال الله تعالى.
- •ناقش أهمية التأويل الإجمالي الذي اتفق عليه علماء المسلمين، وهو أن صفات الله ليست كصفات المخلوقين.
- •تطرق الحوار إلى مسألة الإفتاء وضوابطه، مؤكداً أن الفتوى لا تصدر إلا من متخصص مؤهل.
- •بيّن الفرق بين الفتوى والرأي، فالفتوى تتعلق بأفعال المكلفين وبيان حكم الشرع فيها.
- •أشار إلى أن دار الإفتاء مؤسسة متكاملة تعمل وفق منهج علمي رصين.
هل الأشاعرة يؤولون الصفات الإلهية وأصل القضية في تفسير النصوص
[المذيع]: أهلًا وسهلًا فضيلة الإمام، أهلًا وسهلًا بكم. كنا توقفنا عند الهجوم على المذهب الأشعري من بعض الفئات، وفي مسألة تأويل الصفات. هل الأشاعرة يؤولون الصفات الإلهية أم يجرونها كما هي؟ وهل يتفق هذا مع مذهب أهل السنة أم لا يتفق؟
[الشيخ]: في الحقيقة، من أين جاءت هذه القضية؟ القضية أتت أن هناك نصوصًا ونريد أن نفسرها. هذه النصوص مثل:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
هذه النصوص مثل:
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
فالسؤال الآن الذي يسأله حتى غير المسلمين: من تعبدون؟ هل تعبدون جسمًا موجودًا في السماء له عينان ويدان ووجه؟
شبهة التجسيم وتصوير الإله بصفات المخلوقين عند بعض الفرق
و﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27]، وأنه جلس على العرش، وأنه سوف يترك بجوار هذا العرش ثلاثة أصابع لإجلاس سيدنا محمد عليه [الصلاة والسلام]، وأنه لما جلس على العرش فالعرش أحدث أطيطًا وصوتًا وعمل هكذا.
حتى إذا أنتم هكذا، يقول الناس: إنكم تعبدون وثنًا، ولكن الفرق بينكم وبين عبّاد الوثن أنه فوق والوثني تحت مثلًا، يعني ولا أي شيء، يعني أفهمونا.
فأجاب أبو الحسن [الأشعري]، وقد أجاب من قبله الإمام مالك، فلما سألوه عن الاستواء فماذا فعل؟ وقبل الإمام مالك كان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه].
موقف سيدنا عمر من صفوان بن عسيل حين سأل عن كيفية الاستواء
كان هناك شخص اسمه صفوان بن عَسِيل (على وزن أمير)، فصفوان بن عسيل هذا قال:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
كيف استوى؟ ضربه [سيدنا عمر] على الفور. لا، قالوا: أحضروه إليّ. فلما جاء قال له: ماذا تسأل؟ قال: أسأل عن الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟
قال: سأجيبك أنا كيف استوى، وقام بعرجون نخل يضربه على رأسه. فلما فعل ذلك، حسنًا، ماذا يعني؟ نحن الآن في مجال علمي، هو الآن يقول لك: أين الإقناع وأين كذا؟ حتى قال صفوان: والله يا أمير المؤمنين، ذهب الذي كان برأسي، تنظّف، خلاص.
هو يريد أن يقول له ماذا؟ يقول له: المسألة واضحة.
جواب الإمام مالك عن الاستواء ومعنى أن الكيف غير معقول
وهذا الذي أجاب به مالك لرجل قام في وسط الدرس. مالك:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم - يعني في لغة العرب الاستواء معلوم - والكيف غير معقول. في رواية البيهقي يقول: غير معقول، وفي رواية خارج البيهقي يقول لك: والكيف مجهول.
لكن هنا يقول: والكيف غير معقول، يعني ليس هناك كيف أصلًا؛ لأن الكيف هي أحد الأعراض التسعة التي تختص بالمخلوق الحادث.
[المذيع]: وما هو ممكن أن تكون غير معقول يا فضيلة الإمام؟
[الشيخ]: غير معقول! يعني لا يمكن للعقل [أن يتصورها]. أنت لو قرأت "مجهول" لوحدها ولم تحملها على الرواية الثانية التي هي "غير معقول"، فستكون غير مفهومة.
الفرق بين نفي الكيفية عن الله وإثباتها عند المجسمة والتفويض
وما الفرق بين غير مفهوم وغير معقول؟ بمعنى أنها غير موجودة. هل لله كيف؟ نحن لا نعرفه، ولا [نقول إن] لله [كيفًا]، لا كيف له.
حسنًا، إذن معنى أنها غير معقولة هو أن العقل لا يمكنه أن يتصور لله كيفًا. هذا صحيح، هكذا: كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
هذه هي النقطة التي بيننا وبينهم [المجسمة]: هم يريدون أن يثبتوا كيفًا لله ثم يقولون إنهم لا يعرفونه. نقول لهم: انتبهوا، أنتم لم تدرسوا شيئًا أبدًا. هذا الكيف من الأعراض التسعة التي تكتنف الحوادث والكائنات والموجودات بخلاف الله؛ هي حوادث، لكن الله قديم، فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
معنى إثبات اليد لله بكيفية تليق بجلاله والتفويض عند الإمام مالك
لو جاءنا أحد وقال:
﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]
أي لله يد بطريق ذاته، لا يعلمُ كيف هي إلا هو. هل هذا الكلام صحيح؟ صحيح، مع كلمة أنَّ "كيف" هنا معناها أنه لا كيفية لها. إنما بطريقة وبوضع يليق بجلاله، بكيفية تليق بجلاله.
[المذيع]: هذا هو التفويض يا مولانا.
[الشيخ]: نحن ما نحن سنقول إنه الآن عندما جاؤوا وقالوا لمالك، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. يعني أمروها كما جاءت، تفسيرها تلاوتها، يعني دعوها.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
يعني ماذا؟ هي واضحة. أنا أفهم كعربي: الرحمن، والعرش، استوى - عظمة الإله، قدرة الإله، حكمة الإله، ليس بالضرورة بمعنى جلس، قهر الإله.
معاني الاستواء الخمسة عشر في اللغة العربية واختيار ما يليق بجلال الله
لكن عندما نأتي لنفسر، عفوًا، عندما [نأتي] لنفسر ونقول الاستواء، فلنذهب إلى اللغة. يقول إن للاستواء في اللغة خمسة عشر معنى، ومنها قول الأخطل:
لقد استوى بشرٌ على العراق من غير سيف أو دم مُهراق
حسنًا، إذن لا يوجد دم هنا، ومعنى استوى هنا يعني قَهَر، ومعنى استوى أيضًا يعني جلس، ومعنى استوت الفاكهة يعني نضجت.
خمسة عشر معنى، واستوت على الجزء مثلًا. الخمسة عشر معنى للاستواء، يجب أن تنتقي منها ما يليق بجلال الله. طلبها مشترك لفظي.
نقد ابن الجوزي لحديث الأطيط وفرار العلماء من الوثنيات في وصف الله
ولذلك نرى ابن الجوزي الحنبلي يؤلف كتابًا في بيان التخليط في حديث الأطيط الذي هو أطيط العرش. أطيط العرش، يقول: ما هذا الكلام الصعب المقلق؟ العرش، أهذا كلام يرضي ربنا؟
وبعد ذلك هذا الرجل الذي اسمه الدارمي بن سعيد يكتب في كتابه أنه جلس على العرش فأطّ أطيطًا مثل أكام الحجارة. هذه وثنية واضحة بيّنة.
ولذلك فرّ العلماء من هذه النجاسات ووصفوا الله بما يليق به، من أنه سبحانه وتعالى استوى على العرش كما يليق بجلاله.
إجماع المسلمين على التأويل الإجمالي للصفات وموقف الإمام أحمد بن حنبل
أولًا، أجمع الجميع بـالتأويل الإجمالي. ما هو التأويل الإجمالي؟ معناه أن هذا الاستواء ليس كاستواء المخلوقين، وهذا معروف، لقد أجمع الجميع، أجمع المسلمون، وكذلك اليد والعين وخلافهما، أنه في تأويل إجمالي. كلهم قالوا إن هذا تأويل إجمالي.
الإمام أحمد بن حنبل وهو [يفسر قوله تعالى]:
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]
قال: المجيء أولها، أول المجيء. أتنتبه؟ قال:
﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 1]
لماذا يا إمام أحمد هكذا؟ قال: لأن الانتقال والنقل وما شابه ذلك إلى آخره، هذه محالة على الله؛ لأن الله ليس جسمًا. فهناك تأويل إجمالي.
السؤال الثاني عن معنى الاستواء والفرق بين التفويض والتأويل التفصيلي
بالإجمال:
«ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير»
بعد التأويل الإجمالي:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
ليس كاستواء المخلوقين. فنسأله السؤال الثاني: الله الله الله، الرحمن على العرش استوى، إذن ما معناها؟
يعني انظر: السؤال الأول: هل هو كاستواء المخلوقين؟ فننفي ونقول: لا، والذي ينفي ذلك كل المسلمين، ما شاء الله.
يأتي السؤال الثاني: الرحمن على العرش استوى، ما معناها إذن؟ فواحد قال: نفوض علمها إلى الله، يعني لم يُجِب. هؤلاء المفوضة، وهؤلاء بعض السلف وبعض الأشاعرة.
تأويل الأشعري للاستواء بمعنى الاستيلاء والقهر ودلالته على عظمة الله
قال [فريق آخر]: لا، نحن نؤول:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
أي استولى على العرش وقهره. قال: حسنًا، هل ربنا سبحانه وتعالى لم يكن مستوليًا عليه قبل ذلك؟ لا، ليس هكذا. يقولون إن ربنا سبحانه وتعالى يعني الكائنات يعني ترفض يعني قهره، فهو مضطر سبحانه وتعالى - جل جلال الله عن هذا - أن يقهرها.
قلنا لهم:
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
هو في البداية يقول هكذا: ائتيا طوعًا أو كرهًا، يعني من الممكن أن يكون من المخلوقات من يعارض، لكن ستصبح حالته ليست جيدة، ولن يحصل على ما يريد، هكذا سيكون.
معنى استيلاء الله على العرش وقهره لأعظم المخلوقات وكلام الحال
وهو القاهر فوق عباده، فالله سبحانه وتعالى قاهر. ويمكن للعرش أن يرى في نفسه أنه أكبر المخلوقات وأعظم المخلوقات، فيكون يعني دخل في نفسه شيء، فالله سبحانه وتعالى استولى عليه، يعني قهره.
لأنه لو قهره ففيها إشارة إلى قهر الكون كله. إذا كان الكون كله حلقة في فلاة بالنسبة للسماء السابعة، حلقة في فلاة بالنسبة للعرش، فالعرش هذا شيء ضخم جدًا. يمكن خطر بباله هذا العرش وقال: أنا أعظم المخلوقات، فأراد الله سبحانه وتعالى - بالمناسبة الثانية - العرش يتكلم وله مشاعر وله حديث، وهناك أحاديث كثيرة أثبتت أن العرش يتكلم.
كلام الحال لا كلام القال في القرآن والفرق بينهما في وصف المخلوقات
فإذن، الكلام يقولون عنه ماذا؟ كلام الحال لا كلام القال، أي ليس بالضرورة كل لسان، وهذا الكلام يُسمى كلام الحال، مثل قوله تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]
مثل الجبال والسماوات، وقوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: 72]
هذه الشفقة تعني أن الجبل فيه شفقة، في شيء يليق بحسبه، كل شيء بحسبه.
تأويل الأشعري طمأن الفلاسفة وأصحاب الديانات ودخول الناس في الإسلام أفواجًا
فهنا جاء الأشعري وقال:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
أي استولى. فيكون هذا طمأن من؟ طمأن الفلاسفة، أجاب على أصحاب الديانات الأخرى، فدخل الناس بموجب هذا في دين الله أفواجًا.
لأنهم لو كانوا قالوا للناس هذه الوثنيات القبيحة التي يدعو إليها بعضهم دون أن يشعر، والله ما كان شخص اعتنق الإسلام. فأسلم المسلمون وسلَّموا على أهل السنة والجماعة، وشاع هذا الإسلام وذاع واستقر إلى الآن.
ابن عساكر وتبيين كذب المفتري وابن تيمية كان أشعريًا في مناظراته
جاء ابن عساكر وصنَّف كتابًا بديعًا سماه [تبيين كذب المفتري على الإمام أبي الحسن الأشعري].
ابن تيمية نفسه كان أشعريًا يا ثلاث [مرات]! وجاء يجادله الصفي الهندي، قالوا له: انظر لنا هذا الرجل وجادله. قال: ماذا أصنع في رجل كلما جادلته قال: القول الثاني لأبي الحسن الأشعري الذي هو الأخير، الذي هو هذا؟
حسنًا، وماذا نفعل معي؟ عقيدتي سليمة. فإذا كان الناس لا يفهمون هذا الكلام ولا يفهمون ما الذي حدث.
الأشاعرة سادة الأمة واحتلال المفاهيم ودور الأزهر في حماية العقيدة
ولذلك هؤلاء الأشاعرة هم سادة الأمة كما بيّن ابن عساكر، وهمٌ وعليها العلماء وأهل السنة. وهذا نوع من أنواع محاولة السرقة، يقول عليها ماذا؟ نقول عليها احتلال المفاهيم واختلال المفاهيم.
الاحتلال والاختلال، هذه طريقة معروفة أن يحاول احتلال المفاهيم حتى تختل. نقول له: لا، لن تستطيع أن تحتل ولا أن تُختل ما دام هذا الأزهر موجودًا.
الأزهر يُعلِّم الناس كيف تفكر أولًا، ولذلك نجد في الخريدة الشيخ الدردير يقول:
أقسام حكم العقل لا محالة ... هي الوجوب ثم الاستحالة ... ثم الجواز ثالث الأقسام فافهم ... مُنحت لذه الأفهام
يفهمنا: يا واجب، يا مستحيل، يا جائز. هذه التقسيمة ليست في أذهانهم [أي المخالفين].
أقسام الحكم العقلي في الإلهيات والنبوات ومنهج التعلم الصحيح
لذلك أول ما نذهب في الإلهيات يقول لك: احرص جيدًا، سندرس الآن الواجب في حقه تعالى، والجائز في حقه تعالى، والمستحيل في حقه تعالى. وعندما ننتقل إلى النبوات، سندرس الجائز في حق الأنبياء، والمستحيل في حق الأنبياء، والواجب في حق الأنبياء.
إذن، هذا التقسيم العقلي هو أقسام الحكم العقلي بلا شك. ما هو الحكم العقلي والحكم العادي؟ ما هو؟ يقول لك: إثبات أمر لأمر أو نفي عنه من غير توقف على تكرار أو وضع واضع، هذا هو العقل.
لكن هنا يقول لك: إثبات أمر لأمر أو نفي عنه مع توقفه على التكرار أو مع توقفه على وضع الواضع، فيصبح هذا حكمًا وضعيًا، وهذا حكم نقلي، وهذا حكم عقلي، وهذا حكم عادي.
ضرورة فهم أقسام الحكم العقلي والمطالبة بالبرهان لا بالنقل فقط
وهكذا، وهؤلاء لا يفهمون شيئًا؛ لأنه تلك نظم المخ، فعندما جاءت المسائل عليه، أصبح كما كان عندنا أحد مشايخنا يقول: الأصل أنهم لم يقرؤوا أقسام حكم العقل إلى ما هو محال، وهي الوجوب ثم الاستحالة.
اليوم عندما تأتي لتتحدث مع أحدهم يقول لك: هل هذا قال الله وقال الرسول؟ يا أخي أنت لست منتبهًا! قال الله وقال الرسول تكلموا باللغة العربية، تكلموا بالمعقول، خاطبونا بالبرهان.
ولذلك هذا هو البرهان الذي أجمعت عليه الأمة والعقلاء. من أجل أن تفهم فعليك أن تتجنب هذا الخلط. يعني عندما تقول لهم هذا الكلام يقولون لك: وهل هذا موجود في الكتاب والسنة؟ لقد أعياتهم العلوم فتحججوا وتمسحوا بالكتاب والسنة.
الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة والعقيدة الصحيحة القادرة على الدعوة
لا، نحن في الأشاعرة، ليس هذا وضعًا آخر. والأزهر أشعري، والأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، وهم سادة الأمة، وهم العقيدة الصحيحة القادرة على عدم تشويه صورة الإسلام في العالمين.
القادرة على الدعوة إلى الإسلام بكل ما فيها من دقائق، وهي لا تخرج قيد أنملة عن الكتاب وعن صحيح السنة.
مصيبة الإفتاء وتعدد أبواق الفتوى في العصر الحديث وخطورتها
[المذيع]: هذا صحيح. هذا يدفعنا دفعًا فضيلة الإمام إلى مصيبة الإفتاء، وإنني أعتبرها أنها مصيبة وابتلاء؛ لأن الإفتاء هذا يعني شيء خطير جدًا، جرَّ علينا مواضيع خطيرة جدًا في عصرنا هذا.
وأنا شخصيًا مع احترامي الكامل لسيادتك، أعتبر أن حضرتك في محنة كبيرة؛ لأنه مسؤولية هذه الأمة وضبط موازين الفتوى في هذا المجتمع الذي تعددت فيه أبواق الإفتاء وأماكن الإفتاء ودرجات الإفتاء، لدرجة أن الفتوى أصبحت مسألة من الملح والترف والطرائف والنكات التي يتندر بها الناس للأسف الشديد.
هذا الكلام لم يكن موجودًا قبل هذا الوقت: أبواق، فضائيات، إنترنت، فرق لا حصر لها. فما دورك من فضلك في ضبط هذا الإيقاع؟ وماذا نفعل لكي ننظم مسألة الفتوى؟
خدعة الإعلام الغربي في تسمية كل ما ينسب للإسلام فتوى واحتلال المفاهيم
[الشيخ]: هناك خدعة يجب أن نلتفت إليها، وهذه الخدعة جاءت من الإعلام الغربي، وهي أنهم سمّوا كل ما ينسب إلى الإسلام بكلمة فتوى.
فالذي يصدر عن المتطرفين والإرهابيين والقتلة والمجرمين، ما دام متعلقًا بالدين فهو فتوى! وهذا كلام تضحك منه الثكلى وتُسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع. هذا كلام لا علاقة له إطلاقًا بالحق ولا بالحقيقة ولا بالواقع.
وهو ترويج لما تحدثنا عنه منذ قليل من احتلال المفاهيم واختلال المفاهيم، أي أنه يحاول الآن أن يحتل مفهوم الفتوى. الفتوى لا يمكن أن تسمى هكذا إلا إذا صدرت من ذي صفة، والصفة [أن يكون] المفتي له شروط.
شروط المفتي وعدم أهلية غير المتخصصين للإفتاء وضرورة سؤال أهل الذكر
وهذه الشروط غير متوفرة في شخص مثلًا معه دبلوم في الهندسة، ولا شخص كان يعمل طبيبًا للأسنان، ولا سائق التاكسي، ولا سائق التاكسي. بالرغم من أن هذه المهن مهن عظيمة ونحترمها في مجالها، وهو أيضًا نسأله في تخصصه.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
أن أسأل السباك في السباكة، ولا أحضر صاحب الفرن الذي يخبز الخبز وهو الذي يطعمنا ونشكر له هذا، إلا أنه صاحب مهنة، دعه في هذا الإطار.
لكن الآن أصبح عندما تنظر للجماعة الذين وصفوهم بأنهم إرهابيون وما إلى ذلك، ثم تجد أنه لا يوجد أحد منهم متخصص، ولا أحد منهم قرأ أو جلس أو خالط العلماء.
أدب التعلم كما تأدب جبريل مع النبي وخدعة تسمية كل كلام بفتوى
ولا جلس ووضع يديه على ركبتيه هكذا كما تأدب جبريل مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجثا على ركبتيه. هذا هو النموذج غير موجود.
إذن هناك أولًا خدعة بتسمية كل شيء وكل ما هب ودب من كلام بفتاوى. هذا لا بد علينا أن نتنبه إليه وأن ننبه إليه وألا نستعمله وإلا نقع فيه.
ما رأيك في الفتوى الفلانية، وإذا بها صادرة من غير متخصص، وإذا بها كلام قيل وهكذا، وتظل طوال النهار تعلق على فتاوى أناس غير متخصصين، وهي ليست فتاوى، بل سنسميها قراءة، قراءة. هذا تعبير جميل جدًا.
الفرق بين الرأي الشخصي والفتوى الشرعية وحرية القراءة لا تبيح الإفتاء
ففي رأيي وفي فتواي، المصيبة الثانية: هل يستطيع أي شخص أن يقول هذا الرأي؟ القراءة حرة، هو حر أن يكفر أو يؤمن، ولكنه لا ينسب إلى الأفعال الأحكام الشرعية وإلا كان آثمًا؛ لأنه متعدٍّ.
تعدى وقال إن هذا الفعل حلال وحرام بلسانه، ولكنه ليس مفتيًا، وإنما هو شخص يرى هذا بهواه، يرى هذا بعقله، يرى هذا بثقافته، ولكن ليس فتوى. والمهم أنها ليست فتوى.
لكن الأشد تلبيسًا من هذا أنهم خلطوا بين رأي الشخص وهو قادر على الإفتاء وبين الفتوى.
الفرق بين رأي العالم كمواطن وبين الفتوى الشرعية في مجالات مختلفة
فمثلًا أنا أكتب في الصحيفة، أنا مواطن لي رأيي وأنت لك رأيك، طبعًا. وهذا الرأي يمكن أن أختلف فيه مع الآخرين؛ لأنه قد يكون مجاله الآداب، قد يكون مجاله النقد الأدبي مثلًا، قد يكون مجاله مثلًا السياسة، قد يكون مجاله مثلًا الفكر.
قد يكون مجاله أي [شيء]، عندما أنتقد قصيدة، فهل يعتبر ذلك فتوى؟ فهو يقول لك: لا، أنت مفتٍ، وكل ما سيخرج من فمك هو إفتاء. هذا رأيك.
أقول له: لا، هذا فهم خاطئ للفتوى. الفتوى تخالف الأهواء، والفتوى تخالف الأفكار المختلفة، وهي شيء آخر. والفتوى أيضًا تخالف الآراء.
تعريف الفتوى الشرعية وأنها حكم شرعي متعلق بفعل بشري لا معلومة تاريخية
[المذيع]: حسنًا، ماذا أفعل أنا كمواطن لكي أعرف الذي تقوله الآن؟ مثلًا في كلام معين، وأعرف الفتوى أو الرأي، كيف أفصل بينهما؟
[الشيخ]: الفتوى هي عبارة عن سؤال عن فعل بشري جرت عليه الأحكام، يأخذ حكمًا شرعيًا. إذن الفعل البشري يأخذ حكم الشرع.
والحكم الشرعي ما هو؟ هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين - نضع دائرة على "أفعال المكلفين" - بالطلب أو التخيير.
فعندما تأتي وتسألني: كيف أصلي، كيف أصوم، كيف أبيع؟ فهذا بيان حكم، وهو الفتوى. هذه فتوى، هذه هي الفتوى.
أما لو سألتني، أو عندما تقول لي: الجنة فيها حور عين، لا تكون فتوى.
[المذيع]: وإلا ما الذي سيكون؟
[الشيخ]: هذه تكون معلومة.
قصة السؤال عن زواج النبي بمارية القبطية وأنها معلومة لا فتوى
شخص جاء يسألني: هل تزوج النبي مارية القبطية؟ فعندما وصلتني هذه الورقة أحلتها إلى بعضهم، إلى أمناء الفتوى. فرأوا أن هذه ليست فتوى فحفظوها.
فذهب ورفع عليّ قضية. حسنًا، لماذا أحلتها؟ أحلتها لأجل يجيبون عليها. حسنًا، لماذا لم تُجب وحدك؟ لأنني أملك نظامًا في دار الإفتاء، لدي أمناء فتوى تحت إشرافي، أحيل إليهم ما يرد، وأقول لهم: أجيبوا على هذا.
وأنا أتخصص في القضايا الكبرى. فعندما يأتي شخص ويقول لي: تعال نريد أن نرى يعني قضية كبرى، أقول: نعم، انتظره، هذه تحتاج إلى باحث، أو أنني أعرف إجابتها الآن، أو هكذا. هذا النظام يعطي للعلم رصانته ورونقه واحترامه.
التحرج من الفتوى ودار الإفتاء مؤسسة لا فرد ونظامها الإداري
طبعًا، أنا لست جالسًا على المكتب هكذا، أنا أتحرج من الفتوى، أنا أتحرج من الفتوى. ولذلك أنا، نحن، أنا في مؤسسة ولست فردًا.
يعني دار الإفتاء هذه مؤسسة تضم علماء ولديها نظام، كما أن فيها نظامًا إداريًا هرميًا يستطيع أن ييسر الأمور.
فعندما لم تُجب [على سؤال مارية القبطية]، لم أتوجه إلى دار الإفتاء، فذهب ورفع قضية عليها. قال لي: لماذا لم تُجب؟ فأجبت القاضي قائلًا له: لأن هذه ليست فتوى، بل هي معلومة يمكن أن يُسأل فيها أستاذ التاريخ. هذه معلومة خارجة عن اختصاصنا.
أمثلة على أسئلة خارج اختصاص دار الإفتاء كمباريات الكرة والمحافظين
انتبه كيف أن هذا مهم جدًا. هذا خارج عن اختصاصنا. عندما يأتي شخص ويقول لي: ما رأيك في مباراة الأهلي؟ ويطلب منا فتوى في مباراة الأهلي والزمالك الأخيرة! ما هذا الكلام؟ هذا عبث.
فهذا لم يجيبوه. لماذا لم يجيبوه؟ لأنه هذا خارج اختصاصي.
عندما يأتي شخص ويقول لي مثلًا: أنا امرأة متزوجة وزوجي أصبح قاديانيًا. هذه مسألة وقفت عندها، وأقول لها: زوجك الذي أصبح قاديانيًا لا يصح [البقاء معه]؛ لأن مجمع البحوث الإسلامية والمجامع كلها في العالم والمحكمة العليا الباكستانية تقول إن هؤلاء غير مسلمين، ولا يصح أن تتزوجيه.
فتوى المرأة التي أسلم زوجها القادياني وحكم تجديد العقد بالسنة النبوية
قالت لي: حسنًا، لقد عاد ورجع وتاب وعرف. فوجئ هو، كان سمع عنهم فمشى هكذا. أقول لهم: خلاص، يصبح حلالًا عليك.
فتقول لي: هل يمكنني أن أعمل عقدًا آخر أم ماذا؟ لا، لا تعملي عقدًا آخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أسلم الناس لم يعمل لهم عقودًا ثانية وصحح إنكاح الناس.
ولما رجعت زينب إلى العاص بن وائل لم يعمل لها عقدًا آخر، وإلى آخره. هذه فتوى، هذه فتوى. وهناك من يقول إن هذه الفتوى صحيحة؛ لأنه فعل إنساني، وتقول لي: حلال أم حرام، أفعل أم لا أفعل، الإقدام والإحجام.
أسئلة المسابقات والمحافظين ليست فتاوى وضرورة السؤال عن أفعال شرعية
لكن هناك من يأتي ليطرح عليّ أسئلة مسابقات. ما رأيك في محافظ المحافظة الفلانية؟ حسنًا، وهذا هذا، هذا كلام ما شأنه، ما شأن المحافظة؟ ما شأني أنا؟ المحافظ هذا شخص. إذن ليس له حكم شرعي.
يعني اسألني عن فعل مثلًا سيفعله، اسألني عن شيء مثل السؤال الذي وُجّه لفضيلتك عن تصدير الغاز لإسرائيل. يعني تصدير الغاز لإسرائيل هذا حدث.
ولكن يجب عليّ حتى أبحث أن أعرف ثلاثة أمور: المصادر، والواقع، والربط بينهما.
منهج الإفتاء في معرفة الواقع بعوالمه الأربعة قبل إصدار الفتوى
فلكي أعرف الواقع، هذا الواقع مكون من أربعة عوالم: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار.
فلكي أطلع على الواقع بدقة، يجب أن أعرف كل عالم من هذه العوالم والضوابط التي تضبطهم على رأس الهرم السياسي لكي أنزل عليه [الحكم الشرعي].
فسألت صاحبنا الذي يسألني عن هذا السؤال: حسنًا، ما الدافع؟ هل تعرف الدافع؟ هل صرح بالدافع؟ فقط لتعلمني وتقول لي ما هو الدافع. وهل إعطاؤنا له في مصلحتنا أم ليس في مصلحتنا؟ هل هذا يمثل مثلًا ورقة؟ سياسة ضاغطة، وسيلة ضغط مثلًا أم ليست وسيلة ضغط ولا نتيجة مفروضة؟
حسنًا، نحن لا نعرف. وكيف أستطيع أن أفتي إذا كنت لا أعرف؟ كيف يُفتي إذن؟ أين هذا؟
قصة سؤال الصحفي عن اتفاقية كويز وعدم معرفته بتفاصيلها
مرةً، أحد إخواننا كنا في لقاء، ثم قال لي: ما رأيكم أو ما فتواكم في الكويز؟ كويز بالإنجليزية تعني مسابقة، أعمل مثل مسابقات الطلاب، مثل المسابقات التي تُقام في رمضان وما شابه ذلك، اختبار قصير.
وفي الحقيقة، في ذلك الوقت لم أكن قد قرأت عن اتفاقية كويز، فقلتُ له: كويز يعني؟ حيث ظننت أنه يسأل عن مسابقات الصفر تسعمائة وما شابه. فقلت له: ماذا تعني بكويز؟ واستغربت أنه استخدم اللفظ الإنجليزي ولم يقل مثلًا مسابقات.
فقال: الاختبار. فسألتُه: ماذا تقصد بالاختبار؟ أتقصد المسابقات؟ فقال: لا، الاتفاقية.
تفاصيل اتفاقية كويز وعدم قدرة السائل على شرحها وتحريف الإعلام للفتوى
قال: الاتفاقية التي بيننا، المفترض التي أقرتها أمريكا بضرورة وجود نسبة من المُصنَّع الإسرائيلي فيما يُصدَّر من الدول العربية. لم يستطع أن يقول هاتين الكلمتين.
وقال لي حينها: أنا لا أعرف. يعني هو صحفي ويرى في الجرائد أن في اختبار قصير. فقلت له: لا، أعني أنني أريد أن أعرف ماذا يعني اختبار قصير، فلم يعرف.
حسنًا، هل أستطيع أن أختبر نفسي؟ كيف؟ قال لي: حسنًا، دعنا نترك الاختبار القصير ما دام لم يظهر بعد. ما رأيك في الاتفاقيات الدولية؟
فقلت له: الاتفاقيات الدولية هي عبارة عن شيء يتم مع الدول للمصالح وتتغير بتغيير المصالح.
تحريف الإعلام لكلام المفتي وسؤال عن دور دار الإفتاء في الاتصال بالجهات المعنية
ففي اليوم الثاني نزل: المفتي يحل الموضوع! الله الله الله! يصبح إذن، آه، هنا لم يفهم ماذا تعني الاتفاقات وهو أصلًا لا يعرفها. وضع علامة استفهام أو تعجب بعدها، وأرسلنا التكذيب وما إلى ذلك.
[المذيع]: حسنًا، لدي علامة استفهام هنا: أليس من واجبك أن تقوم بالاتصال بالجهات المعنية مثل وزارة الخارجية للاستفسار ثم الرد على السائل؟ أليست هذه من مهام دار الإفتاء؟
[الشيخ]: لا، هذه ليست من مهام دار الإفتاء؛ لأننا نتلقى ثلاثة آلاف فتوى في اليوم، ثلاثة آلاف فتوى في اليوم.
دار الإفتاء ليست جهة مبادرة بل يُلجأ إليها والفرق بين العالم والداعية
والأمر الثاني أنه ليس لدينا نظام للمبادرة، يعني لو سأقوم بتعيين نفسي مفتشًا على الأحوال، أنا لست كذلك. أنا من يُلجأ إليه من أجل استبيان الحكم الشرعي.
وإلا تحولت وظيفتي إلى داعية، وأنا لست داعية، بل أنا عالم. وهناك فرق بين الداعية الذي يدعو إلى الله والذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظ الناس ويبلغ لهم الخير، وهي مهمة كلها دعاية.
[المذيع]: فضيلة الإمام، هكذا الذي حضرتك [تقوله]، ترتيب الأمور مختلف في المسميات حاليًا.
[الشيخ]: لا، الترتيب، نعم.
ترتيب أولويات العالم والداعية والعابد والفرق بين مقاماتهم الثلاثة
يعني الداعية والعالم والعابد. عندنا ثلاث جهات: العلم والدعوة والعبادة.
لكن هم، ما أنا أصلي وأصوم، لكن ترتيبه ماذا؟ أنا ترتيب الوضع عندي ماذا؟ أنا ترتيب أنني عالم ثم عابد ثم داعية؛ لأن هذا العلمي نفسه هو دعوة، لكنه جانب من جوانب الدعوة.
يوجد شخص يعتبر نفسه رقم واحد لديه اعتقاد أنه داعية، ومن لوازم دعوته أن يكون لديه علم، ومن اللوازم أيضًا أن يعبد ربنا.
وهناك شخص ثالث يقول: لا، أنا عابد، ومن أجل هذه العبادة أنا متعلم وعندي أيضًا دعوة أو دعوة وبعد ذلك علم.
مشايخ الطرق عبّاد ودعاة وعلماء وكل شخص أقامه الله في مقام معين
يعني مثلًا مشايخ الطرق، مشايخ الطرق هؤلاء هم أساسًا عُبّاد، ولكن ثانيًا داعية؛ لأنه ارتضى لنفسه أن يتصل بالجماهير، وثالثًا لابد أن يكون عالمًا؛ لأنه بذلك لا يُضل الناس ولا يأمرهم بمنكر ولا يتهاون في معروف.
فكل شخص أقامه الله فيما أقامه فيه. فلا تأتي وتقول لي: لا، أنا أريدك أن تكون عالمًا، وأريدك أن تكون في نفس الوقت مائة في المائة داعية، ومائة في المائة عابدًا، ومائة في المائة كل شيء في كل شيء. هذا لا يصلح.
فكل واحد منا أقامه الله في شيء وجعل هذا الشيء، وهي متوفرة فيه ولكن بنسب.
توزيع نسب العلم والعبادة والدعوة بين العلماء وكل إنسان له مقامه
ربما أنا لدي العلم بنسبة سبعين في المائة، والعبادة بنسبة عشرين في المائة، والدعوة بنسبة عشرة في المائة. وشخص آخر لديه الدعوة بنسبة تسعين في المائة، والعلم بنسبة خمسة في المائة، والعبادة بنسبة خمسة في المائة.
وشخص ثالث لديه العبادة بنسبة خمسين في المائة، والعلم بنسبة خمسة وعشرين في المائة، وهكذا. سبحان الله!
﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164]
هكذا، ولذلك الكل واحد ربنا أقامه، ويقول: يا رب وفقني فيما أقمتني فيه. يعني المهم أنه يتقن ما أقامه الله فيه، لا أن يهرب مثل إخواننا.
ضرورة التعلم الصحيح بأدوات العلم في الأزهر وعدم التطفل على الشريعة
كل واحد حصل على الهندسة أو الطب أو ما شابه، ويريد أن يدرس الشريعة، ويريد أن يصبح شيخًا، ويريد يكون إمام الأئمة ومفتي الأمة. ليس كذلك فحسب، بل إن كل شيء له طريقه.
إذا أردت أن تتعلم فتعلم. ليس لدينا مانع في الأزهر، ولا نقول أنت أبيض أو أسود، ولا أنت معك كذا أو كذا. فالأزهر كله مفتوح.
لكن تعلم وتعلم بشكل صحيح، وتعلم بأدوات العلم الصحيح، ستجد نفسك قد وصلت عندما تريد أن تصل إليه.
ختام الحلقة والدعاء بالتوفيق والشكر لفضيلة الإمام على بيان مهمة الإفتاء
[المذيع]: هذا كلام طيب. وفي الحقيقة أنت يا فضيلتك أوضحت المسألة وجليتها تجلية تامة مباركة.
وأسأل الله يا إخوة الإيمان والإسلام أن نكون قد أوصلنا لكم مهمة الإفتاء ومهمة دار الإفتاء. وتكلم فضيلة الإمام عما يجيش في صدورنا أو عن بعض ما يجيش في صدورنا؛ لأن هناك أسئلة أخرى في الحقيقة لم يتسع لها المقام ولا الحلقة لسردها.
فأرجو أن تعدنا بلقاءات أخرى في قناتك قناة أزهري التي تتشرف بأن تكون تاجًا فوق رؤوسها ورؤوسنا، حتى نتعلم ونتربى ونتأدب بهذا العلم وبهذا الأدب.
شكرًا لك ونقول يا رب، أهلًا وسهلًا، شكرًا جزيلًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
