لقاء الجمعة | حلقة 1 | أ.د. #علي_جمعة - مجلس الجمعة

لقاء الجمعة | حلقة 1 | أ.د. #علي_جمعة

40 دقيقة
  • تناول المتحدث سؤالاً عن الزواج بنية الطلاق للمسافر لبلد بعيد، وأوضح أن هذا العقد صحيح شرعاً عند الأئمة الأربعة لأن ما يضمره في نفسه لا يؤثر في العقد.
  • فرّق بين الحكم الشرعي والنصيحة الاجتماعية، فالعقد حلال لكن العفاف والصبر أولى لمراعاة صورة الإسلام.
  • أكد على أهمية التمييز بين الفرض والفضل، والمباح والمتاح، والنص وتفسيره وتطبيقه.
  • تحدث عن العمل في البنوك بمصر، مشيراً إلى أن الجهاز المصرفي تم ضبطه منذ 2004 ليتوافق مع الشريعة.
  • أوضح أن الخلوة المحرمة هي انفراد رجل بامرأة في مكان خاص، أما الأماكن العامة المفتوحة فلا تعد خلوة شرعية.
  • دعا إلى المعاملة الحسنة بين الزوجين، وحذر من ظلم الرجل للمرأة والعكس.
  • أكد على أهمية التضرع إلى الله والالتزام بالدين بيسر وسماحة دون تشدد.
محتويات الفيديو(37 أقسام)

مقدمة الدرس والدعاء بالسكينة والرحمة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ودينه الحنيف نعيش هذه اللحظات، عسى أن تتنزل على قلوبنا السكينة والرحمة ببركة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعسى أن ينقلنا ربنا سبحانه وتعالى من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن يعلمنا مراده من دينه.

سؤال عن حكم الزواج بنية الطلاق بعد العودة من السفر

يسأل سائل فيقول: أسافر إلى بلد بعيد — وهو يقول في السؤال سنغافورة — لمدة ثلاث سنوات للعمل والدراسة والضرب في الأرض، فهل يجوز لي طلبًا للعفة أن أتزوج في هذه البلاد بشروط الزواج الإسلامي، وإن كنت أُضمر في نفسي من الداخل أنني بعد عودتي إلى الوطن أتركها وأطلقها؟

وقد نصَّ الأئمة الأربعة على أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالعفاف وحرَّم علينا الزنا وأجاز لنا الزواج وعظَّم أمر الفاحشة، وأن الإنسان إذا تزوج كان الزواج لأغراض عدة وليس لغرض التكاثر والتناسل فقط.

أغراض الزواج المتعددة في الشريعة الإسلامية وليس التناسل فقط

بل منه [الزواج] ما يكون لغرض الأنس والتخلص من الوحدة، ومنه ما يكون لغرض الولد، ومنه ما يكون لغرض التطبيب والتمريض، ومنه ما يكون لغرض الصلة والقيام بواجبات المجتمع التي وضعها الله سبحانه وتعالى في أعناقنا، ومنه ما يكون للرحمة، ومنه ما يكون للحب.

وهكذا فليس الزواج لغرض واحد كما يظنه الناس. فإضمار هذه النية [نية الطلاق بعد العودة] عند الأئمة الأربعة لا يُفسد الزواج، والزواج صحيح.

تجربة طلاب الأزهر في الزواج بنية مؤقتة وتغير أحوالهم

وكان طلاب الأزهر يأتون من البلدان فيتزوجون طلبًا للعفة وطلبًا للأنس وعدم الوحدة والقيام بالخدمة وأشياء من هذا القبيل، وهم يُضمرون في أنفسهم أنه عندما يعودون إلى بلادهم يتركون من تزوجوهم.

وأغلب من فعل ذلك لم يترك؛ لأن منهم من رزقه الله منها بالولد فتغيَّر الحال وتعلَّق قلبه وحاله بالولد. فلما عاد، منهم من عاد بأسرته كلها، ومنهم من بقي في مصر حتى مات؛ لأن شأن الأسرة عظيم.

إضمار نية الطلاق لا يؤثر في صحة عقد الزواج عند الأئمة الأربعة

إذن فما أضمره [الإنسان] في نفسه لا يؤثر في العقد؛ لأن العقد إنما هو على الظاهر من الألفاظ وليس على ما يعتمر في القلب. فهذا جائز، وهذا العقد لا شيء فيه وأقرَّه الأئمة الأربعة.

ولكن هناك نصائح اجتماعية غير الأحكام الشرعية المرعية الدينية؛ يعني ليست كل الأشياء الحلال يمكن أن نفعلها، ليست كل الأشياء الحلال يمكن أن نفعلها، فهناك مباح قد يكون غير متاح.

الفرق بين الحكم الشرعي وثقافة العصر في مسألة الزواج بنية الطلاق

فهذا الأمر من الناحية العقدية الشكلية الشرعية الدينية حلال، لكن ثقافة العصر الموجودة تعتبر أن هذا الأمر هو نوع من أنواع الخداع. ولذلك بعض الناس عندما يرون مثل هذه الفتوى يتعجبون: كيف هذا؟ أنت متزوج وتريد بعد ثلاث سنوات أن تطلق؟ كيف يعني؟

إنهم لا يفهمونها، لا يفهمون أن عقد الزواج اتفاق إرادتين، لا يفهمون أن الله أباح الطلاق ولو كان هو أبغض الحلال عند الله [أي الطلاق]. فثقافة العصر مرتبطة بدوام — وهو عقد دائمٌ بلا شك — بدوام عقد الزواج، فيعتبرون هذا يعني نوعًا من النقص.

نصيحة بالعفاف والصبر وتقسيم الكلام بين حكم الشرع والنصيحة الاجتماعية

وقد يكون ذلك كذلك عندما نتعامل مع ثقافة عصر بهذه الكيفية. وعلى ذلك فالعفاف أولى، أي الصبر، أي أن يعفَّ المرء نفسه عن أن يتزوج زواجًا هو مقرر منذ البداية أنه بعد ثلاث سنوات سوف يطلق، حتى ولو كان حلالًا.

وبذلك يكون كلامنا منقسمًا إلى قسمين: قسم يتعلق برأي الشرع في مثل هذا العقد، وهذا عقد حلال باتفاق، وقسم آخر هو من باب النصيحة الاجتماعية التي تبني صورة الإسلام في العالمين، وليس فقط الحلال والحرام، بل رفعة شأن صورة الإسلام. فلتصبر.

التعامل مع الله بالفضل لا بالفرض فقط وقصة الأعرابي مع النبي

لقد أحزنتني وحيرتني: أأتزوج أم لا أتزوج؟ ليس هكذا، لا تعامل الله بهذه الطريقة، لا تعامل الله في كل الأمور بالفرض فقط، بل هناك فضل.

عندما جاء الأعرابي إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] وقال له: قل لي الفرض فقط، فقال له: حسنًا، صلِّ الخمس، وصم رمضان، وحج البيت. فقال: والله لا أفعل سواها. هكذا هو، هذا أعرابي على فكرة، وهذا الأعرابي ليس هو المثال الذي تركه لنا النبي عليه الصلاة والسلام. المثال الذي تركه لنا النبي عالٍ جدًا، إنه شيء آخر، لكن هذا إنسان يصلح [لهذا القدر فقط]، لن يفعل إلا هكذا.

فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: أفلح وأبيه إن صدق، يعني كأن النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه تساؤل عما إذا كان هذا [الأعرابي] سيصدق أم لا.

الفرق بين الفرض والفضل وأهمية النوافل في التقرب إلى الله

لنفترض أن شخصًا تشهَّد وصلَّى وصام وحجَّ وأدَّى الزكاة فقط، ولم يزد عن ذلك شيئًا، فسيدخل الجنة. حسنًا، ولكن احذر أن تنسى:

﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]

صحيح أن هذه الآية وردت في موضع آخر، لكنها قاعدة عامة. ولذلك هذا الإنسان ننصحه وليس نأمره. انتبه، هذه الأمور يجب عليكم حفظها: هناك فرق بين الأمر والنصيحة، وبين الفرض والفضل، حتى نفهم الدين.

لأنه كلما نقول فرض، يعتقد الناس أن هذا هو الفضل، وطالما أنه فضل فيجب أن أفعله. لا، هذا الفرض يجب أن تفعله وتزيد عليه أيضًا، وهذه الزيادة هي النافلة.

حديث التقرب بالنوافل وبلوغ مرتبة العبد الرباني المستجاب الدعاء

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بأحبَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها» رواه البخاري

هذا عبدٌ ربانيٌّ، أي يكون عبدًا ربانيًا يقول للشيء كن فيكون، يعني مستجاب الدعاء.

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى﴾ [البقرة: 186]

انتبه أن هناك فرقًا بين الفرض وبين المباح، وما بين الفضل وما بين المتاح، في فرق كبير. هكذا، هكذا انتبه لهذا، احذر أن يفلت هذا من يديك.

سؤال عن واجب المرأة في أعمال البيت وموقف الإمام النووي منه

وإلا مرة جاء سؤال: هل المرأة عليها واجب الغسيل والطبخ والتنظيف وما إلى آخره من أعمال البيت أم لا؟ لا، ليس هذا مكتوبًا في كتبنا، ليس هذا مكتوبًا في تراثنا.

أنت بذلك تدعو النساء إلى التمرد؟ لا، ليست القضية هكذا. الإمام النووي يقول: وتلك سنة حسنة صارت عليها نساء المسلمين، سنة حسنة لها أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين.

هذا العمل [أعمال البيت] في هذا الظل — كما قلنا من قبل — يأخذ مائة وستين ألف دولار في السنة، كل هذا في ميزان حسنات المرأة التي تقوم بعمل شيء [من أعمال البيت].

النظر إلى الزوجة بعين الفضل والشكر لا بعين الاحتقار

لكن هذا المفهوم الفقهي سيفيدك في ماذا؟ يفيدك أن تنظر إلى زوجتك هكذا وتعتبرها صاحبة فضل عليك، لا أن تنظر إليها باحتقار وتقول لها: أصلي أنا ذكر وأنتِ أنثى.

لا، بل أنت تنظر إليها وأنت تقول لها كل صباح: كتَّر خيرك، شكرًا، والله الواحد ما هو عارف ماذا يفعل فقط لكي يشكرك. وهذا يفرحها وتعمهم السعادة.

يقول لك الدين: هذا سعادة الدارين، لكننا نسير بالمقلوب دائمًا. لا يصلح هذا الكلام. فانتبه، فرِّق بين الفرض والفضل، فرِّق بين المباح والمتاح، فرِّق.

الفرق بين النص وتفسيره وتطبيقه وبين الأمر والنصيحة في فهم الدين

قلنا قبل ذلك ماذا مرة في حلقة سابقة، لقاء سابق: ما الفرق بين النص وتفسيره وتطبيقه؟ اجعل عقلك دائمًا عقلية فارقة تفرق بين الحلال والحرام والقضاء والحياة.

الحياة أوسع مما يحكم به القاضي عندما نتنازع.

﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]

افرق بين الأمر والنصيحة؛ فهذا الأمر مرده إلى الفقه والشريعة والقضاء، حسنًا. والثاني النصيحة، فالدين هو النصيحة، وهذا مرده إلى الحياة وإلى الحب وإلى الود.

سؤال عن خدمة الحماة بين الفرض والفضل وأثر الفهم الخاطئ

أسئلة كثيرة جدًا نعالجها بهذه الحكاية. تأتي إليَّ امرأة وتقول لي: هل فُرض عليَّ أن أخدم حماتي؟ أرجع إلى الكتاب فيقول لي: لا، ليس فرضًا عليها أن تخدم حماتها.

حسنًا، والتي تخدم حماتها بينها وبين الجنة الموت فقط، تدخل الجنة مباشرة إذا توفيت. وهذه السيدة لما قلت لها: لا، الكتاب يقول لا، فذهبت وأذاقت حماتها يومًا أسود من قرن الخروب! أي يوم أسود من قرن الخروب.

لماذا؟ نحن في صراع ونزاع دائمًا هكذا؟ ألا يمكن أن تكوني طيبة، وتكوني صاحبة فضل، وتخدمي حماتك؟

التنبيه على أن الغضب والخصام يضيع على الإنسان نفسه لا على الآخرين

لكن كل شيء فيها غضب وفيها خصام وفيها صدام وفيها غير ذلك. على فكرة أنا أُضيع على نفسي أنا وليس على الآخرين [بهذا السلوك].

إذن نقول للشخص الذي سيسافر إلى سنغافورة ويمكث ثلاث سنوات: انتبه أن عقد الزواج بنية الطلاق في المُضمَر [جائز]، واحذر أن تقول في اللسان [أي تصرح بنية الطلاق في العقد].

لو تحوَّل في اللسان فماذا يكون؟ يكون متعة ويكون حرامًا باتفاق، يكون اسمه الزواج المؤقت وهو حرام.

الفرق بين إضمار نية الطلاق والتصريح بها وأثره على صحة العقد

وما الفرق؟ الفرق أنه [في الإضمار] بعد الثلاث سنوات أحبها وأنجب منها، وقرر الإقامة في سنغافورة، فقررت الذهاب معه. فهناك صور كثيرة، فيجوز ويصح وكل شيء، وهذا حلال.

ولكن افعله بطريقة لا يكون فيها نوع من أنواع الخداع، ولا نوع من أنواع الخصام والصدام، ولا نوع من أنواع أن يكرَّ على صورة الإسلام بعلامة الاستفهام التي موجودة الآن في العالمين من تصرفات المسلمين.

ضرورة التفريق بين المباح والمتاح والفرض والفضل لإصلاح صورة الإسلام

بناءً على أنهم لا يفرقون بين المباح والمتاح، وأنهم لا يفرقون بين الفرض والفضل، وأنهم لا يفرقون ما بين النصيحة وبين الأمر، وأنهم لا يفرقون بين النص ولا بين تفسير النص أو تطبيق النص، إنهم لا يفرقون بين الدين والتدين إلى آخره.

فالصورة أصبحت سيئة. لابد أن نعيد مرة أخرى ما كان عليه الصحابة — لم يكونوا هكذا — والتابعون لم يكونوا هكذا، والسلف الصالح لم يكن هكذا، وأئمة المسلمين الكبار لم يكونوا هكذا، وكتبهم موجودة ومفهومة وواضحة.

أنه يجب علينا أن نكون بعقلية فارقة، وأن نلتفت إلى أن الدين ليس ضد الحياة، إنما الدين هو جزء من الحياة.

حكم العمل في البنوك ونشأة الجهاز المصرفي وعلاقته بالفقه الإسلامي

يقول: هل يجوز لي أن أعمل في البنوك؟ مصر انتهت من قضية البنوك هذه وناقشناها كثيرًا.

عندما أُنشئ البنك، البنك له مفهوم وهو أنه وسيط بين الادخار والاستثمار؛ يدَّخر كثير من الناس أموالهم ثم يعيدون استثمارها. وهذا البنك أصبح ضروريًا مع وجود عملة الورق (البنك نوت) في التعامل بين الناس وعدم التعامل بالنقود السلعية، ولذلك سُميت بالنقود الائتمانية، وتجد محافظ البنك المركزي موقعًا عليها.

وفي الماضي كان أول بنك ظهر في مصر هو البنك المركزي، هكذا نضج الجهاز المصرفي وتطور.

فتوى الشيخ المهدي العباسي والشيخ محمد عبده بجواز التعامل المصرفي

عندما فهَّموا الشيخ المهدي العباسي — كما يقول طلعت حرب — وهو ينشئ بنك مصر، فهَّموه الادخار والاستثمار وما هو حلال وما هو حرام، فقال: حلال.

وتكلم بهذا طلعت باشا حرب في أول افتتاح لبنك مصر، ونقل فتوى الشيخ المهدي العباسي رضي الله تعالى عنه بأن البنك بهذه الصفة لا شيء فيه.

ولما سُئل الشيخ محمد عبده وعرف حقيقة ما هنالك — وكان السؤال من السودان — فإنه أجازه. ثم بعد ذلك توالت التفسيرات والأحداث والتدخلات.

تطور الجهاز المصرفي وصدور القانون الموحد سنة ألفين وأربعة

ولأن البنك ليس من إنشائنا في حضارتنا، وإنما نحن مستعيرونه من الغرب ومن الشرق، فإننا نأخذ بالتطورات. فكل يوم تظهر صورة جديدة، فحدث خطأ في الترجمة وخطأ في المفاهيم وخطأ في التطبيق وخطأ وهكذا.

وجلس العلماء يبحثون في هذا ويقولون: هل هذا حلال أم حرام؟ وجلسنا في جدل مع الجهاز المصرفي إلى سنة ألفين وأربعة.

وفي سنة ألفين وأربعة صدر القانون الموحد للجهاز المصرفي المصري. انتبه! سنة كم؟ ألفين وأربعة. وأصلح كثيرًا من الخلل، فلا يسمي العلاقة بين البنك وبين المودِع المدَّخر ولا بين الآخذ المستثمر قرضًا، بل يسميها تمويلًا.

انضباط الجهاز المصرفي المصري وجواز التعامل مع البنوك

فانضبط الحال بين الواقع وبين مصطلحات الفقه الإسلامي، وأصبح الجهاز المصرفي المصري يعمل طبقًا لهذا القانون. والأصل فيه الحل إلا إذا خالف مدير بنك هذا القانون أصلًا، وحينئذ يكون خطأً محددًا محدودًا في واقعة بعينها كمخالفة للقانون.

وعليه فيجوز أن نضع أموالنا في البنوك، وأن نأخذ منها أرباحها، وأن نموِّل من البنك ما يمكن أن نخدم به الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، وأن نأخذ من البنك ونعطي ونعمل به وفيه وله؛ لأن الأصل تعدَّل في سنة ألفين وأربعة.

ظهور البنوك الإسلامية وجواز العمل في الجهاز المصرفي المصري

قبل هذا وفي الثمانينيات خرجت فكرة إنشاء بنك يسير على النمط الإسلامي، فظهرت بنوك تسمى البنوك الإسلامية، وهي لا بأس بها لأنها تعمل تحت هذا النظام المصرفي نفسه. ويجوز وضع الأموال فيها وتدويرها وهكذا إلى آخره.

ولكل واحدة منها رقابة شرعية تبحث في تفاصيل ما يُجريه البنك من عقود أو ما يقوم به من استثمارات.

وعلى ذلك فيجوز لك أن تعمل في البنك، والعمل في البنك ليس حرامًا. وكل ذلك إنما نتكلم عن الجهاز المصرفي المصري الذي بُذل فيه كل ما بُذل مما ذكرنا.

حكم تعيين سكرتيرة امرأة وضوابط الخلوة الشرعية بين الرجل والمرأة

أحدهم يسأل ويقول أنه مدير في شركة كبرى أو صغرى — لا يهم ذلك — ولكن السؤال: هل يجوز تعيين سكرتيرة امرأة له؟

النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الخلوة، والخلوة كما نصَّ عليها العلماء إنما هي انفراد رجل بامرأة في الحياة الخاصة. انفراد رجل بامرأة في الحياة الخاصة.

وما هي الحياة الخاصة وما هي الحياة العامة؟ الحياة الخاصة هي ما يُطلب فيه الاستئذان بالنظر والدخول؛ غرفة مغلقة عليك وعلى امرأة أجنبية. انفراد رجل بامرأة أجنبية في الحياة الخاصة، أنكم في مكان يُستأذن للدخول إليه للنظر إليه، هذه هي الحياة الخاصة.

حرمة الخلوة في الحياة الخاصة وحديث النبي في النهي عنها

ولذلك فإذا كان هناك غرفة مغلقة بينك وبين هذه المرأة التي يُفترض أن تكون صاحبة حجاب وأن تكون ملتزمة بشرع الله وأن تكون أنت كذلك، فلا يجوز إغلاق الباب، بابٍ واحدٍ عليكما.

قال رسول الله ﷺ: «ما خلا رجلٌ بامرأةٍ لا تحلُّ له إلا كان الشيطان ثالثهما»

وما هي الحياة العامة التي لا تحتاج إلى الإذن والنظر إليها في الدخول؟ مثل ماذا؟ مثل التاكسي؛ رجل يسوق وامرأة يوصلها أمام الناس جميعهم، لا يوجد أحد يضع ستائر في التاكسي حتى لا يرى أحد من الذي بالداخل أو من الذي بالخارج.

أمثلة على الحياة العامة التي لا تعد خلوة شرعية محرمة

مثل المصعد (الأسانسير)؛ ركبت المصعد فركبت امرأة معي، أي شخص يستطيع إيقاف المصعد في أي طابق من الطوابق لكي يركب. تمامًا مثل المسجد؛ أنا إمام مسجد وجاءت امرأة لتصلي ونحن وحدنا في المسجد، ولا حتى الشيطان ليس له شأن بنا، لا شأن له؛ لأن أي شخص يمكنه أن يأتي ويدخل المسجد، أي شخص في أي وقت.

انتبه، لا يوجد سر، لا توجد خصوصية، لا يوجد استئذان بالنظر. السوبر ماركت؛ أنا واقف عند صندوق السوبر ماركت هذا أو الكاشير أو الخزينة، وامرأة داخلة لكي تشتري، أي شخص يدخل في أي وقت، فهذه تعتبر حياة عامة.

ضابط الخلوة الشرعية وتطبيقه على مسألة السكرتيرة في الشركة

حتى لو حدث فيها [الحياة العامة] انفراد فإنها لا تستوجب التحرز، مثل المسجد والطريق والأماكن المفتوحة وما إلى ذلك وإلى آخره. كل هذا ليس فيه خلوة شرعية منهي عنها.

فصاحبنا يريد أن يكون له سكرتيرة وهو في شركة كبرى. حسنًا، يجب أن تكون ملتزمة بالآداب الإسلامية. ثانيًا، لا يجب ولا ينبغي ولا يجوز إطلاقًا أن تنفرد بها في حياة خاصة.

تجلس معها وبعد ذلك تشغل اللمبة الحمراء، واللمبة الحمراء تعني ماذا؟ تعني ممنوع الدخول. نعم، هذا يحتاج إلى إذن، أصبحت هذه تحتاج إلى إذن، فتكون حياة خاصة [وهذا لا يجوز]. لكن إذا لم تكن هناك حياة خاصة، فيكون هناك جواز لهذا.

نصيحة بتفضيل الرجل دفعًا للشبهة وتقدير كفاءة المرأة في العمل

يقول: أو يفضل رجلًا دفعًا للشبهة؟ حسنًا، فليفضل رجلًا دافعًا للشبهة. أنت بالذات؛ لأنك طالما سألت، فيكون هناك شيء يجول في ذهنك. وهناك أحدهم لا يخطر في باله هذا الأمر مطلقًا. أم أن سؤالك دفعًا للشبهة؟

حسنًا يا أخي، لقد أثبتت المرأة دقتها وقدرتها وعطاءها في كثير من الوظائف أكثر من الرجل. ولذلك توظف رجلًا ثم بعد فترة تفصله، وتذهب لتوظف امرأة، ثم تقول: لا، إنه حرام، ثم تفصلها وتوظف رجلًا، وهكذا. يخرب بيتك! كف عن هذا.

الدعوة إلى التضرع لله وعدم الانشغال بالأسئلة التي تجر إلى التشدد

دعنا نبقى مع الله بقلوب متضرعة ولا نفكر هكذا يا إخواننا. الأسئلة نفسها أسئلة تجعل — يعني — تجر الفقيه إلى دوائر أخرى غير التضرع إلى الله سبحانه وتعالى.

والله لو تعلَّق قلبك بالله لعشنا كما عاشت الصحابة في مكة وفي المدينة وفي القرون الأولى الفاضلة. وكان ابن حجر العسقلاني لديه اثنان وخمسون شيخة، فكيف كان يدرس عليهم؟ كيف كان يجلس عندهم؟ في المسجد أم في البيت أم في غير ذلك إلى آخره.

قلوب متضرعة إلى الله، ولذلك فتح الله عليهم. أصبح ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث.

نور البصيرة عند ابن حجر وأثر القلب المتضرع في كشف الحقائق

شيء عجيب غريب في تتبعه، في دقته، في النور الذي ينظر إليه فينظر به، فيكتشف تلبيسات الرواية والأسانيد. يكتشفها، يقول لك: هذا يوجد هنا كذا، يوجد هنا علة.

ماذا هذا النور؟ هذه تمر على أي شخص؟ لا، ولكن يوجد هنا قلب متضرع لله سبحانه وتعالى.

عندما نقول هذا الكلام، الشباب المتشددون أدخلوا الناس في: نعم، لا، حلال، حرام، يجوز، لا يجوز، حتى أصبح هذا الكلام من الصعب أن يصل إلى قلوب الناس.

القلوب الضارعة هي التي تحسن تطبيق الدين وتربطه بتقوى الله

يا جماعة، القلوب الضارعة هي التي تتلقى ما أنزله الله سبحانه وتعالى فتحسن تطبيقه. لا ينجو إلا القلوب الضارعة لله، المتعلقة بالله، كثيرة الذكر بالله.

إنما قمنا بتجزئة ديننا حتى صار مجموعة من الأحكام لا رابط بينها وبين تقوى الله.

لاحظ هذا من قديم، من القرن الخامس والسادس الهجري. الإمام الغزالي توفي سنة خمسمائة وخمسة للهجرة، يعني في أوائل القرن السادس، فأنشأ كتابه المسمى إحياء علوم الدين. وكانت علوم الدين قد بدأت تخبو وتموت، فأنشأ لها إحياءً ينفخ فيها. وما الذي ينفخه فيها؟ الضراعة لله.

أهمية البحث عن ضوابط التطبيق والعودة إلى مرتبة الإحسان والمراقبة

كن بالقلب المتضرع. هذه الأسئلة جيدة لأنها تمكننا ليس في الإجابة عنها وإنما في البحث عن ضوابطها. نبحث عن تطبيقها، كيف نطبقها.

وسيرجع الأمر كله إلى الذكر والفكر، إلى طريق الله، إلى مرتبة الإحسان:

قال النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»

المراقبة؛ إذا فعلتَ هذا هانَ عليك الأمر وقلَّ سؤالك.

﴿لَا تَسْـَٔلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]

قال النبي ﷺ: «اتركوني ما تركتكم»

سر تسمية سورة البقرة والدرس المستفاد من قصة بني إسرائيل مع البقرة

سمَّى السورة سورة البقرة، لماذا؟ لماذا سماها سورة البقرة؟ لماذا لم يُسمِّها التوحيد؟ لماذا لم يُسمِّها بني إسرائيل أو مثلًا كان سمَّاها الشريعة أو سمَّاها مثلًا الإسلام؟ يعني شيء مميز لأنها مليئة بالأحكام وغيرها، ولكن سماها سورة البقرة ليلفت نظرك إلى أن تعاملك مع الدين هو قصة البقرة.

خلِّيها سهلة! لا تجلس تبحث وتتتبع وتسأل أسئلة تلو أسئلة، وكلما سألت شُدِّد عليك. اجعلها سهلة هكذا مع الله.

ومتى ستكون سهلة؟ والله بالقلوب الضارعة، عندما يتعلق قلبك بالله. ومن غير ذلك سنتحول إلى أمر لا يريده الله لنا.

الدين على الحنيفية السمحاء وسهولة التعامل مع أحكامه بعمق

لا يريده الله سبحانه وتعالى، لم يُرد الله سبحانه وتعالى منا الإكثار على أنفسنا من السؤال ومن التشدد ومن التعمق. لم يُرد ذلك.

إنه أمرٌ سهلٌ للغاية: اذبحوا بقرة، فيذهبون ليذبحوا بقرة. ولكن لا، ما هي؟ ما لونها؟ ما هي؟ وفي كل مرة يُشدَّد عليهم. فهذا سرُّ التسمية.

التفتوا إلى أن دينكم تتعاملون معه بمفتاح، وهو أن هذا الدين على الحنيفية السمحاء.

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت بالحنيفية السمحاء»

فهو شيء جميل هكذا، شيء سهل وليس شيئًا صعبًا. وهذه السهولة هي العميقة، هي التي فيها مفهوم الطاعة الصحيح وفيها مفهوم العبادة الصحيح. هكذا يكون الأمر.

سؤال عن ظلم الرجل للمرأة وحديث رفقًا بالقوارير

سائل يسأل: هل ظلم الرجل للمرأة عقوبته أشد من أي ظلم آخر لأحد من الناس؟ وما معنى حديث سيدنا النبي: رفقًا بالقوارير؟

هذا السؤال لو كان مطروحًا من رجل لكان جيدًا، لكنه يبدو أنه مطروح من امرأة ظلمها رجل.

قال النبي ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وإني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا» رواه مسلم

الثقافة التي نعيش فيها، الرجل في الحقيقة يتعالى كثيرًا على المرأة ويتقوى عليها. فيأتيه كلام سيدنا النبي: رفقًا بالقوارير. لا تستقوِ؛ فالذي يستقوي هناك من هو أقوى منه في الدنيا والآخرة. فلا تفعلوا ذلك.

عبادة الله بالرفق بالمرأة وحنان النبي بالسيدة فاطمة عليها السلام

اعبدوا الله سبحانه وتعالى بالرفق بالمرأة. كان سيدنا النبي حينما كانت الثقافة السائدة ترى أن الحنان على الأولاد لا تصح، فكان يقول عن السيدة فاطمة عليها السلام:

قال النبي ﷺ: «ما لكم وما لي، زهرة أشمها»

على السيدة فاطمة عليها السلام: ما لكم وما لي، زهرة أشمها.

الزهرة ماذا يحدث بعد ذلك؟ يقول لك: الزهر — يُقال أيضًا الورد — يُشم ولا يُفرك. العرب تقول هكذا: تشمه فقط ولا تفركه؛ إذا فركتموه ماذا سيحدث؟ ستكسره، ستحطمه. يُشم ولا يُفرك.

معنى الفرك في الحديث النبوي وتحريم الإفساد بين الزوجين

فـ(فرك) هذه ما معناها؟ أي حطَّمه، كسره، فركه. ولذلك يستعملها النبي [صلى الله عليه وسلم]:

قال النبي ﷺ: «ملعون من فرك بين امرأة وزوجها»

يعني ماذا فعل؟ أحدث فتنة لكي يطلق الرجل هذه المرأة. إن هذا ملعون سواء كان رجلًا أو امرأة، أن يفرك بين الرجل وامرأته، أي يُحدث فتنة، يُحدث تحطيمًا للأسرة.

فإذن المطلوب من الرجل ألا يظلم المرأة؛ لأن الله وضعه في موضع المسؤولية والرعاية والعناية.

واجب المرأة في تقدير زوجها الحنون والخاتمة بالتقوى المتبادلة

ولكن في الختام أقول: على المرأة التي تشعر بالحنان والأمان من زوجها أن تقدِّر له ذلك، وأن تعلم أنه جاهد من أجل ذلك فتحترمه؛ لأن كثيرًا جدًا من النساء تأخذ راحتها، وعندما تأخذ راحتها تتعامل معاملة غير لائقة.

فعلى المرأة أيضًا أن تتقي الله سبحانه وتعالى في زوجها، وأن تعلم أنه وقد أمرته الشريعة أن يكون مصدرًا للحنان والأمان، أن تكون هي أيضًا ريحانته.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.