لماذا اختص الله العرب بنزول الإسلام ؟ | أ.د. علي جمعة
- •اختصاص العرب بالإسلام يرجع لسمات متعددة أثبتها العلماء كالفراهي من الهند.
- •وجد الفراهي خصلتين أساسيتين تميز العرب: الصدق والكرم، وهما مدخل كل خير.
- •العرب في القرن السادس والسابع الميلادي تميزوا بهاتين الخصلتين على عكس الحضارات الأخرى كالرومان والهنود والصينيين.
- •تعتمد الشريعة الإسلامية في العبادات على الصدق والمعاملات على الكرم.
- •عالج الإسلام عيب العجرفة والكبر عند العرب من خلال التواضع والسجود لله.
- •أجاب الشيخ الحافظ التجاني بأن اللغة العربية لغة فريدة اختصت بالاشتقاق الأكبر غير الموجود في باقي لغات العالم.
- •تحتوي العربية على أسرار وخصائص مثل دلالة لفظ الجلالة "الله" على الذات العلية بأشكال متعددة.
- •رأى الدكتور سليمان حزين أن مناخ الجزيرة العربية كان سبباً في اختيار الله لهذه البقعة المباركة.
سؤال التعصب: لماذا اختص الله العرب بالإسلام دون غيرهم من الأمم
يسأل [أحدهم] فيقول: لِمَ اختصَّ الله العربَ بالإسلام؟ يعني سؤال فيه بعض التعصب، يقول لك: يا أخي، ألم يكن من الأفضل أن يُنزله الله في اليابان لكي يصنعوا لنا بعض التكنولوجيا في الوضوء أو في غيره من الأمور؟ شيء من هذا القبيل.
هذا السؤال كان من الأسئلة الشائعة المنتشرة في أوائل القرن العشرين، وتعرَّض له العلماء بالإجابة، ومن بينهم الأستاذ عبد الحميد الفراهي من الهند. فلمّا عُرض عليه هذا السؤال قال إنه أعيته الحيلة في الإجابة على هذا السؤال: لماذا اختصَّ الله العربَ بالإسلام والقرآن، واختصَّ هذا المكان بالنزول المقدَّس المشرَّف لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم؟
إجابة الفراهي: خصلتا الصدق والكرم مدخل كل خير عند العرب
قال [الفراهي]: فأخذتُ في التدبُّر والتأمُّل، فوجدتُ خصلتين تمثِّلان مدخل كل خير: الصدق والكرم.
وبحثتُ في حال العرب في تلك الأمم التي كانت في القرن السادس الميلادي والسابع الميلادي، في هذه الفترة التي أُرسل فيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فوجدتُ أن الناس أغلبهم كان هَمَجًا، وأصحاب الحضارة كالرومان والهنود والصينيين وغيرهم لا تتوفر فيهم الخصلتان: الصدق والكرم.
والذي كان يميِّز العرب: الصدق والكرم؛ فالعربي أصلًا لا يكذب، فمن العيب عنده أن يكذب، والعربي كريم بطبعه.
شهرة العرب بالصدق والكرم وعلتهم في العجرفة والكبر
طبعًا كتب الأدب عندنا مليئة بما يُثبت هذا الكلام الذي قاله الشيخ الفراهي، يعني تمامًا وفعلًا كان العربي مشهورًا بالصدق ومشهورًا بالكرم.
وكان العرب كلما اشتدَّت عليهم شدة الصحراء وهكذا يزداد صدقًا لا يزداد كذبًا، يزداد صدقًا. عِلَّة العرب كانت العجرفة والكِبر؛ متعجرف جدًا، غير متواضع.
بناء الشريعة على العبادات والمعاملات وارتباطهما بالصدق والكرم
لكن رأيتُ الشريعة -هكذا يقول [الفراهي]- بُنيت على العبادات والمعاملات.
العبادات مبناها الصدق:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
﴿وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]
﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]
هكذا دائمًا.
والمعاملات مبناها الكرم؛ عندما تتأمل في المعاملات في الشريعة الإسلامية تجدها كثيرة جدًا، ومن دقائقها وتفاصيلها يُحَلُّ بالكرم:
﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]
دعوها علينا [أي اتركوا الأمر لنا].
العرب أقرب الناس لحمل الشريعة والإسلام هذّب عجرفتهم بالتواضع
وبالصدق والكرم كان العرب أقرب الناس لحمل شريعة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الإسلام في أخلاقه هذَّب العجرفة والكِبر، فقال:
قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
هذَّبهم ورَبَّاهم على التواضع:
قال النبي ﷺ: «فمن تواضع لله رفعه»
كسر فيهم حِدَّة الكِبر بالسجود، حتى أن بعضهم كان يأتي بحصاة فيسجد عليها ويقول: لا أجعل مؤخرتي فوق رأسي، ما الذي تفعله يا محمد؟ من الكِبر ومن الفخر.
هكذا كسر هذا الجانب فيهم حتى بالصلاة؛ صلاة المسلمين فيها غاية التذلُّل والتواضع لله رب العالمين. لكن الأساس الذي لن نعرف نُنشِئه [هو] الصدق والكرم، فهذا كان أحد إجابات العلماء على مثل هذا السؤال.
إجابة الشيخ محمد الحافظ التجاني: تفرد اللغة العربية بالاشتقاق الأكبر
سيدنا الشيخ الحافظ التجاني أجاب عن ذلك [سؤال اختصاص العرب بالإسلام] في مجلته في هذا المجال، وقال إن اللغة العربية لغة فريدة اختصَّت بالاشتقاق الأكبر، وهذا الاشتقاق الأكبر لا وجود له في لغة حتى يومنا هذا.
عندما أحصينا اللغات طُوئِفها وجدناهم خمسة آلاف لغة في الأرض، هذه الخمسة آلاف لغة تموت منها لغة كل عشرين يومًا كما أفادت اليونسكو؛ بموت آخر من كان ينطق بها، يموت شخص واحد وخلاص. أين اللغة الفلانية هذه؟ لم تعد موجودة.
خاصية الاشتقاق الأكبر في العربية وتقليب الحروف لإعطاء معانٍ مترابطة
لكن اللغة العربية فيها هذه الخاصية العجيبة الغريبة التي تقلب فيها الحروف فتُعطي شيئًا وراء المعنى بأي ترتيب كان، وما يسمُّونه بالاشتقاق الكبير أو الأكبر، والذي يتكلم عنه بتوسُّع الخليل بن أحمد في [كتاب] العين، وابن فارس في [كتاب] مقاييس اللغة.
أن (مَ - لَ - كَ) الملك؛ لمّا تذهب إلى الإنجليزي هكذا يقول لك: "Angel" ملك. "Angel" ماذا تعني؟ أن يكون ثعبان ينظر إليك هكذا، يعني شيء ضعيف؟ أما الملك الذي نتحدث عنه، فالعربي يتخيَّل دائمًا أنه شيء قوي جدًا.
تقليبات حروف الميم واللام والكاف وكلها تدل على القوة والكمال
لماذا [يتخيل العربي أن الملك شيء قوي]؟ قال: لأن هناك شيئًا داخل حروف الميم واللام والكاف يجعل العربي الأصيل يعرف أن هذا قوي.
ومنها كلمة مَلِك، هذا الملك الذي هو الحاكم الكبير. ومنها مالك، المالك الذي يتصرف في الشيء كما يشاء. ومنها لَكَمَ، ما هذا؟ لقد غيَّرت الحروف وجعلت اللام أولًا (ل - ك - م)، قال: لَكْمٌ ضخم هكذا هو، قال: أعطى له لكمة في وجهه هكذا. هل (ل - ك - م) هذه قوة أم ضعف؟ إنها قوة.
ومنها كَمُلَ، نعم، ضد نَقُصَ. لا، ما معنى كَمُلَ؟ فيها كمال وفيها شيء جميل. ومنها كَلَمَ بمعنى جرح، تكلَّم، الكلام أقوى من السكوت.
ما هذا؟ أنت مهما فعلت (لَ - كَ - مَ)، كَمُلَ، كلام، مالك، وهكذا، تُملي فيها كلها القوة.
تفرد اللغة العربية بخاصية الاشتقاق الأكبر دون سائر لغات العالم
لا، هذه الحكاية لا تجدها في ماذا؟ في عمِّك الإنجليزي ولا الفرنسية أو الصينية أو اليابانية أو أي لغة أخرى. هل توجد لغة اسمها كذا وكذا؟ لنفترض أن هناك لغة بهذا الاسم، لن تجد فيها هذه القضية.
إذن هذه اللغة فيها أسرار وخصائص لا وجود لها في أي لغة أخرى.
لفظ الجلالة الله يدل على الذات العلية بكل تقليباته وحذوفاته
يقول لك [الشيخ الحافظ التجاني] إن لفظ الجلالة يدل على الذات العلية بكلِّه. ما هذا؟ الله، أزِل الألف هكذا: لله، حسنًا أزِل اللام هكذا: له، حسنًا أزِل اللام الثانية: هُـ.
هل "الله" هذا لن ينتهي ويُعطينا [دلالة على الذات العلية]؟ حسنًا أزِل اللام الأولى: إله، حسنًا أزِل اللام الثانية: إله، طيب أزِل اللام: هاء تبقى إلّ:
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10]
يقول أبو بكر [رضي الله عنه]: الإلُّ هو الله. إذا أعطى معنى آخر من جانب تاني.
إجابة الدكتور سليمان حزين: مناخ الجزيرة العربية سبب في اختيار النبي والبقعة المباركة
هو [أي هذا الجانب الأول] الخاص بالفراهيدي [الخليل بن أحمد]، والخاص بالفراهي [عبد الحميد]، والآخر خاص بمن؟ سيدنا الشيخ محمد الحافظ [التجاني].
وهكذا من عجائب الأمور، الدكتور سليمان حزين رحمه الله تعالى حصل على الدكتوراه الخاصة به من إنجلترا في المناخ، فقال إن مناخ الجزيرة العربية كان سببًا في اختيار الله لهذا النبي الكريم وتلك البقعة المباركة في هذا الوقت، وألَّف الرسالة على ذلك.
