لماذا يوجد خلاف بين المذاهب الفقهية؟ | أ.د علي جمعة
- •المذاهب الفقهية نشأت بسبب عشق المسلمين لحرية الفكر، فالنصوص منها قطعي أجمعوا عليه، ومنها ظني اختلفوا فيه وفق قواعد وأصول علمية.
- •اعتبر العلماء اختلاف الأئمة رحمة للأمة، وقد ألّف فيه العثماني والشعراني والخفيف والدهلوي وابن تيمية وغيرهم.
- •أوصل العلماء أسباب الاختلاف إلى ستة وثلاثين سبباً، منها اختلافهم في صحة الحديث، فقد يراه أحدهم صحيحاً والآخر ضعيفاً.
- •كذلك اختلافهم في مسألة النسخ، كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، فمنهم من يراه منسوخاً ومنهم من لا.
- •ومن أسباب الاختلاف فهم دلالة النص، كالاختلاف بين الشافعي ومالك في حديث سليك الغطفاني في تحية المسجد أثناء الخطبة.
- •فهم مالك أن الحديث خاص بواقعة عين، وأن عمل الصحابة على خلافه، فالآحاد في مقابل المتواتر.
لماذا توجد مذاهب فقهية مختلفة ولماذا لم يتبع المسلمون مذهبًا واحدًا
لماذا يوجد مذاهب فقهية، ولماذا يوجد اختلاف بينها، ولماذا لم يُتَّبَع في كل بلد إسلامي مذهب واحد؟
المسلمون عشقوا حرية الفكر، ورأوا أن النصوص منها ما هو قطعي فأجمعوا عليه، ومنها ما هو ظني فاختلفوا بشأنه. وإنما اختلفوا على قواعد وعلى علم وعلى أسس وأصول، ورأوا أن هذا الاختلاف من رحمة الله؛ رحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
المؤلفات التي بيّنت أسباب اختلاف الفقهاء وعددها ستة وثلاثون سببًا
هذا [اختلاف الأئمة] ما هو؟ هذا عنوان كتاب للعثماني، أخذه الشيخ الشعراني وألَّف به كتابًا اسمه الميزان الكبرى، وبيَّن حينما يختلفون.
في مادة أصول الفقه ذهبنا نبحث لماذا يختلفون، فظهر أنهم يختلفون من أجل ستة وثلاثين سببًا. ستة وثلاثين سببًا ألَّف فيهم الشيخ علي الخفيف رحمه الله تعالى كتاب أسباب اختلاف الفقهاء، مجلد كبير هكذا هو مطبوع.
وألَّف فيها الدهلوي كتاب الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف. انظر الكتاب اسمه جميل، أليس كذلك؟ الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.
تذهب فتجد ابن تيمية رحمه الله تعالى يؤلف كتابًا في اختلاف الأئمة الأعلام، رسالة صغيرة هكذا هي.
أسباب اختلاف الفقهاء في تصحيح الحديث وتضعيفه كمثال تطبيقي
تجد وهكذا عندما نجمع كل الكلام الذي قيل، سنجد أنهم أخرجوا ستة وثلاثين سببًا.
مثال ذلك: الحديث؛ أحدهم يقول إنه صحيح، والآخر يقول له: لا، عندي ليس صحيحًا. فالأول يتخذه حجة؛ لأن حجية الحديث متفق عليها بين الأمة، والثاني يقول له: لكن هذا ليس حديثًا عندي، هذا الحديث ضعيف. الأول يقول له: ما هذا الحديث القوي، والثاني يقول له: إنه حديث ضعيف.
مثال على اختلاف الفقهاء في النسخ حديث قتل شارب الخمر في الرابعة
قضية النسخ ومفهوم الأحاديث هي أنه حديث واحد نصدقه، ولكن شخص يرى شيئًا فيه والآخر لا يراه.
فآتي وأقول له: يوجد حديث يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن شربها في الرابعة فاقتلوه»
مصدق أن هذا حديث أم لا؟ قال: لأن عن نفسي هذا حديث. طيب لماذا لا تأخذ به؟ قال لي: الأصل أن الوقت نُسِخ [أي أن الحكم نُسِخ]، هذا كان في أول الأمر، لكن بعد ذلك النبي ﷺ ألغاه وقال لنا: لا تقتلوا، مع حرمة الخمر وبقاء الحد الذي يدلنا أنها كبيرة من الكبائر.
حديث نعيمان الذي شرب الخمر مرارًا ودليل نسخ حكم القتل
طيب، وجاء بالكلام هذا من أين؟ قال: حديث نعيمان؛ شرب الخمر فجاء فقال: يا رسول الله، شربت الخمر فأقم عليّ الحد. تاب وندم، فأقام عليه الحد.
ففعلها ثانيًا وثالثًا ورابعًا، فقال عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]: دعني أقتل هذا المنافق يا رسول الله، هذا كل قليل يأتيني بالقصة ويقول لي: شربت، شربت، شربت.
وبعد ذلك قال [النبي ﷺ]: إنه يحب الله ورسوله، لا يصح. خلاص، هذا الحديث [حديث القتل في الرابعة] أُلغي.
الاختلاف في النسخ لا ينكر الحديث بل يختلف في بقاء حكمه
هذا الحديث يعني أنه لا ينكر أن هذا حديث، ولكنه يختلف معي في ماذا؟ في أنه منسوخ أم لا.
دخلت فوجدت الخطيب يخطب يوم الجمعة، هل أصلي تحية المسجد أم لا أصلي؟
فالشافعي قال: لا، صلِّ. لماذا يا سيدي الإمام الشافعي؟ قال: لأجل حديث سُلَيك؛ حيث أن سُلَيكًا الغطفاني دخل المسجد فجلس،
فقال له النبي ﷺ: «يا سُلَيك، هلّا صليت ركعتين»
فقام سُلَيك وصلى ركعتين. إذن لا ينبغي للمرء أن يدخل [المسجد والخطيب يخطب] ويجلس [دون أن يصلي ركعتين].
موقف الإمام مالك من حديث سليك واعتباره واقعة عين خاصة
فسيدنا الإمام مالك قال: لا [لا يصلي تحية المسجد والخطيب يخطب]. سألناه: يا سيدنا الإمام مالك، أليس هذا حديثًا؟ قال: لا، إنه حديث، وهكذا لم نَحْتَرْ، أصبح حديثًا ولن نقوم به.
قال: نعم. لماذا؟ قال: لأنه هذا حديث كان حديث عين. عين من؟ قال: يعني هذا الشخص حديثه للرسول ﷺ فقط، للرسول فقط.
هناك شيء هكذا في الشريعة اسمه حديث [عين]، وبعد ذلك قال: لا، هذه واقعة عين، وواقعة العين تكون خاصة بالشخص صاحبها.
استدلال الإمام مالك بعمل أبناء الصحابة على عدم صلاة تحية المسجد أثناء الخطبة
كيف ذلك؟ قال [الإمام مالك]: ها أنا تربيت على يد من روى أبناء الصحابة؟ أروي عن نافع عن ابن عمر، ابن عمر هذا صحابي. كل أبناء الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون، ويرون هذا الكلام من عند آبائهم.
إذن كل الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون [دون صلاة تحية المسجد أثناء الخطبة]، فكيف يعني غاب عن كل الصحابة هذا الحديث؟ بماذا تفسر ذلك؟
طيب، قل أنه ليس حديثًا. قال: لا، حديث حصل صحيح. قال: نعم صحيح، ولكن أنتم لم تنتبهوا.
تفسير الإمام مالك لحديث سليك بأنه كان فقيرًا والنبي أراد تنبيه الصحابة لوصوله
قلنا له: يا سيدنا الإمام مالك، حسنًا انتبهنا، ما دمنا لم ننتبه. قال: سُلَيك هذا ما أنتم منتبهون له، كان صعلوكًا. قلنا له: صعلوك يعني ماذا؟
قال: صعلوك يعني كان فقيرًا، وكان في بادية غطفان، هو من غطفان وليس من المدينة. وكانت الصحابة تحتفظ ببعض الصدقات باسم سُلَيك والقوم الذين معه.
فالنبي ﷺ يريد أن يقول لهم إن سُلَيكًا قد وصل وها هو ذا، ولا يقول لهم: أحضروا صدقاتكم واعطوها لسُلَيك؛ فهذا لا يليق، إنه سيد الخلق ﷺ.
غرض النبي من أمر سليك بالصلاة كان التنبيه على وصوله لا تشريع تحية المسجد
فهو [النبي ﷺ] يريد أن ينبه هؤلاء الناس أن سُلَيكًا قد وصل؛ نركض بعد الصلاة لنحضر حاجاتنا لنعطيها لسُلَيك رضي الله تعالى عنه، ليقوم بالناس خاصته.
فذهب وقال له هذه الكلمة ليس لغرض أن يقوم ليصلي لله ركعتين، وإنما لغرض التنبيه على وصوله.
رد الإمام مالك بتقديم المتواتر على الآحاد عند التعارض في حديث تحية المسجد
قلنا له: حسنًا يا سيدنا الإمام مالك، أليس هذا تأويلًا للحديث؟ قال: ولكن الذي حصل هكذا.
فهذا الحديث هو حديث واحد رواه [راوٍ واحد]، لكنني أروي لكم أمة من أبناء الصحابة عن الصحابة كلهم أنهم لم يصلوا هاتين الركعتين. فيكون هذا الآحاد في مقابل المتواتر، والاثنان متعارضان.
أيهما الصحيح؟ المتواتر. أتفهم؟
خلاصة اختلاف الأئمة وأنهم جميعًا يستقون من معين النبوة
إذن، إذا اختلفوا [الأئمة]، هذا شيء وذاك شيء، وكلهم من رسول الله ﷺ:
ملتمسٌ غُرَفًا من البحر أو رَشْفًا من الدِّيَم وواقفون لديه عند حدِّهم من نقطة العلم أو من شَكْلة الحُكم فهو الذي تمَّ معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
