لم اعد اشعر بالحب لأبي فهل هذا حرام | د. علي جمعة
- •العلاقة بين الأبناء والآباء الظالمين تثير مشاعر متضاربة، فالابن قد يفقد حبه لأبيه الذي طلق أمه دون سبب ولا ينفق عليهما رغم يساره.
- •الله لم يحرم علينا المشاعر لكنه أمرنا بالتحكم فيها، فوجود بعض المشاعر السلبية في القلب تجاه الأب أمر طبيعي.
- •لا ينبغي أن تتحول المشاعر السلبية إلى تصرفات خاطئة، فما في القلب من كراهية أو غضب لا يحاسب عليه الإنسان.
- •المحاسبة الإلهية تكون على التصرفات الخارجية المبنية على هذه المشاعر، فلا يجوز قطع صلة الرحم أو ترك بر الوالدين.
- •ذكر حديث "من عشق فكتم فعف فمات مات شهيداً" دليل على أن الإنسان لا يؤاخذ على مشاعره إذا لم تتحول إلى سلوكيات محرمة.
- •المهم مراقبة التصرفات وضبطها وفق الشرع، حتى لو كانت المشاعر الداخلية غير إيجابية.
سؤال عن فقدان الحب تجاه الأب بسبب طلاقه للأم وعدم إنفاقه
يسأل أحدهم يقول: أبي طلّق أمي من غير سبب، وهو غنيٌّ مكتسب، لكنه يتزوج كثيرًا ويطلّق بلا حكمة وبلا سبب، ولا ينفق عليها، فلم أعد أشعر بالحب لأبي.
صَعُبَ عليه أن أباه يطلّق أمه، وبعدها يتزوج ثم يطلّق، يتزوج ثم يطلّق، يعيش حياته هانئًا ولا ينفق على طليقته ولا على أمه أو ابنه.
حكم فقدان مشاعر الحب تجاه الأب الظالم وضبط المشاعر شرعًا
إذا تمت الشروط للمدخل والحكم، قد مات قلبه [تجاه أبيه]، فإن هذا حرام؛ الله لم يحرّم علينا المشاعر، وإنما أمرنا أن نتحكم فيها.
والقوم الذين [وصفهم الله] من الغيب:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
فقلبي متعلق بأبي على ما قد اقتضاه الله في طبيعة البشر، كان بها تغيُّر هذا الحكم، لكن لا يتغير البهو [أي أصل المشاعر الفطرية] أبدًا.
دعاء النبي في العدل بين ما يملكه الإنسان وما لا يملكه من المشاعر
وكل هذا في كل معنى الله بالقلب [أي ما يتعلق بمشاعر القلب].
قال النبي ﷺ: «اللهم إني عدلتُ فيما أملك، فاغفر لي فيما لا أملك»
فكون قلبي يحمل بعض الماء [أي بعض الجفاء]، صحيح أن هذا ضد الفطرة على الأقل، ولكن إياك أن يجعلك هذا الشعور ممتنعًا عمّن يغيظك [أي عن بر أبيك]، اعتبر وإياك أن تشرك به [أي أن تجعل هذا الشعور سببًا في ترك طاعة الله].
الفرق بين الفضل والحق في التعامل مع الوالدين والتصرفات الظاهرة
الذي هو أكبر قضية في الفضل ما ليس لك بحق.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
[الوالد] مسؤول عنها، أي يجب أن يكون العمل عملًا سويًّا، والذي في القلب يبقى في القلب حسنًا.
أنا أحمل ماذا؟ أنا أرى ظلم أمي، وأرى أنه لا ينفق عليّ وعليها، وأرى أن لديه تصرفات غير حكيمة، وأرى أنه يبذّر أمواله يمينًا وشمالًا في نزواته ورغباته، وحزين لأنه لا يحدث شيء [لا يتغير حاله].
التحذير من تحويل مشاعر الغضب إلى تصرفات تمنع بر الوالدين
ولكن إياك أن تجعل هذا الانزعاج مانعًا لك من الكفالة [أي من القيام بواجبك تجاه والديك].
فليبقَ ما في القلب في القلب، والله لا يحاسبك على أن قلبك فيه غضب أو غيظ أو حكم أو كراهية، وإنما يحاسبك على التصرفات الخارجية التي تبنيها أنت على هذا [الشعور].
حديث من عشق فكتم فعفّ فمات والشاهد منه في كتمان المشاعر
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم، الحديث من رواية سويد بن مسعيد:
قال النبي ﷺ: «من عشق فكتم فعفّ فمات، مات شهيدًا»
وأحد أحبّ امرأة، لكن هذه المرأة لم يتزوجها، فذهب كاتمًا في نفسه. أما الشاهد [من الحديث] فقال: بات لا يقاطعها من كذب ويفسد في الأرض، فهذا فساد يحاسب عليه الله، وليس ليس على مجرد أن يسقط هكذا شيء من السبي [أي من مجرد الشعور القلبي].
ولكن هو كتبه وعفوه، فتأثّر من هذا حبه، ويظهر كم هو شديد جدًّا، لكن لا يضطر [إلى المعصية]، فمات قوم يكتب [مشاعره] وأن الله شهيد.
مناقشة درجة حديث من عشق فعفّ وموقف يحيى بن معين من سويد بن سعيد
بعض الناس لأن الحديث فيه كلام، لا أعرف ما هو هذا الحديث، لكن هذا قمة في الإنسانية. والحديث جمعه الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في كتاب أسماه [ترك الضعف في حديث من عشق فعفّ].
سويد بن سعيد، يعني أن رجاله هذا فقط، يعني هكذا، لكن يحيى بن معين يقول: لو كان معي فرس وركاب لغزوت سويد بن سعيد لأجل هذا الحديث. هو ليس عليه شهادة [أي ليس حجة قاطعة].
انتبه يا سيدي، يحيى الذي معي، فإذا الحديث يُقطع إلى الحسن [أي يُحسَّن]، وليس كل ما يكون من كل أحد يُؤثر به إلا سيدنا رسول الله، كما قال: إنه ما يكون أحد يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا المقام الشريف صلى الله عليه وسلم.
الحساب على التصرفات لا على المشاعر والتحذير من ترك بر الوالدين وصلة الرحم
يبقى إذن الحب والودّ والتسامح والسماحة التي كانت إلى آخره، التي في القلب لا حساب عليه.
إنما الحساب على ماذا؟ الحساب على التصرفات المبنية على هذا الشعور وهذا الكره.
انتبه لتصرفاتك، تابع تصرفاتك؛ لأنك لا تستلطف رجلًا أو لا تستلطف أحدًا، فإن تغضب ربك معه وتخاصمه وتبني على هذا، أو أنك لا تبرّ والديك، أو أنك لا لا تصل الرحم [أي تقطع صلة الرحم]، ونصل الرحم ونعمل كل شيء [مما أمرنا الله به].
