ما الموقف الصحيح عند أهل السنة تجاه الشيخ الأكبر ابن عربي | أ.د علي جمعة - فتاوي

ما الموقف الصحيح عند أهل السنة تجاه الشيخ الأكبر ابن عربي | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • موقف أهل السنة من ابن عربي ينبغي أن يكون متوازناً، فكل عالم غير معصوم يؤخذ من قوله ويرد، وله أجر الاجتهاد سواء أصاب أم أخطأ.
  • نسبت لابن عربي أقوال بعضها مدسوس عليه، وقد دافع عنه الإمام السيوطي في كتابه "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي".
  • كان ابن عربي ظاهري المذهب متأثراً بنشأته في الأندلس، ونحا في العقيدة نحو الحنابلة، لكنه لم يخرج عن أهل السنة.
  • اطلع على فلسفات الأقدمين والمحدثين ورد عليهم دفاعاً عن الإسلام، وهذا ما أنكره عليه بعضهم.
  • امتاز بتجربة روحية عالية ظهرت في كتبه كالفتوحات المكية.
  • وضع ابن عربي مقدمة للفتوحات تضمنت عقيدة أهل السنة كضابط معرفي لفهم كتبه.
  • استخدم الرموز في كتاباته للتعبير عن معارف ذوقية انكشفت له في العبادة واللغة المعتادة لا تفي بها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

السؤال عن الموقف الصحيح لأهل السنة تجاه الشيخ الأكبر ابن العربي

يسأل أحدهم قائلًا: ما الموقف الصحيح عند أهل السنة تجاه الشيخ الأكبر ابن العربي، لا سيما فيما نُسب إليه من كلام فلسفي متناقض مع العقل وأصول أهل السنة؟ فهل هو مدسوس عليه؟

وقد قيل إنه لا تأويل لكلام غير المعصوم. المعصوم هو سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم:

﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]

وهو معصوم لأنه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]

وكل أحد كما قال الإمام مالك يؤخذ من قوله ويُرَدّ، وهو يتكلم على قدر ما عرف:

﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]

فعندما يرى شيئًا ويفهمه فهمًا خاطئًا، فإنه لا يؤخذ منه إذا تبيَّن خطأه، سواء كان سيدي محيي الدين أو غيره من العلماء والأولياء والأتقياء.

حكم الاجتهاد بين الإصابة والخطأ وقضية الدس على العلماء

قال النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد»

ولكن وحده هكذا، هو يخطئ ويصيب.

أما قضية الدس، فالدس اشتهر ممن لم يتحمل عقله القول المخالف، فدسُّوا على كبار العلماء عبر التاريخ، وهم يدسُّون عليهم. وبعض الناس لا يدسُّ وإنما يشتم ويسبّ ويلعن، وهذه حجة الضعيف.

المذهب الظاهري وموقفه من القياس مقارنة بجمهور أهل السنة

هناك مذاهب إسلامية كثيرة، ومن ضمن هذه المذاهب المذهب الظاهري، وهو لا يرى القياس، ويرى أنه يمكن إلحاق المستجدات بالنص عن طريق إجراء النص على أفراده، وليس عن طريق إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.

وهو مذهب كان عليه داود الأصبهاني، وكان عليه ابن حزم الظاهري. ولكن جمهور أهل السنة والجماعة على الإقرار بالقياس، وأنه هو عين الاجتهاد وأنه أولى وأبرّ، وأنه آلية منضبطة محكمة للوصول إلى الحكم الشرعي الفرعي من الدليل التفصيلي.

ظاهرية ابن العربي وأثرها في مسائل العقيدة وعلاقته بالأشاعرة

سيدي محيي الدين [ابن العربي] كان ظاهريًا؛ لأنه تربَّى ونشأ في الأندلس، ولم يكن على مذهب أحد من الأئمة الأربعة، بل كان ظاهريًا.

وهذه الظاهرية أثَّرت فيه كما أثَّرت في الحنابلة، فنحا في كثير من مسائل العقيدة إلى ما عليه الحنابلة. وهذا يخالف الأشاعرة، لكنه لا يخرج عنهم بالكلية.

إنما كما قال الأصبهاني: ماذا أفعل في رجل كلما ضاقت عليه العبارة قال بالقول الثاني لأبي الحسن [الأشعري]؟ فهؤلاء الحنابلة، خاصة أولئك الأكابر كابن الجوزي وكسيدي محيي الدين وغيرهم في العقيدة، هم ذهبوا على المذهب الثاني للأشاعرة، وليس المذهب الشائع الذي اختاره ابن فورك والباقلاني والرازي والبيضاوي وغيرهم من أكابر الأئمة.

ابن العربي بين الصواب والخطأ ودفاعه عن الإسلام أمام الفلسفات

وعلى ذلك فهو [ابن العربي] بين الصواب والخطأ، وليس بين الحق والباطل.

كما أنه أقام نفسه للدفاع عن الإسلام وتبليغه في العالمين، فقرأ كتب فلاسفة الأقدمين والمحدثين إلى عصره، وردَّ على المخالفين. وهذا ما لا يطيقه كثير من المؤمنين؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم بما يقوله الغير وبما يقوله الآخر.

فالمؤمن يعيش في إيمانه وليس في حاجة إلى كل هذا. ولذلك أنكر بعض الناس على محيي الدين، ولكن الأكابر من العلماء الذين تعمَّقوا وقرؤوا وفهموا، عرفوا أن الرجل يستحق أن يكون الشيخ الأكبر.

لقب الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر وموقف من كفَّره

أما الكبريت الأحمر، فالكبريت لونه أزرق، والكبريت الأحمر فهو نادر، فيقولون عليه هكذا: الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر. فيجب علينا أن نفهم هذا.

أما من ذهب إلى تكفيره فهم قلة ممن لم يفهموا العبارة، أو قد يكون قد دُسَّ عليه ففهموا ما دُسَّ عليه. إلا أن الرجل نفسه عالٍ، ولم يقتصر فقط على الجانب النظري، بل كانت له تجربة روحية عالية.

كتاب الفتوحات المكية ودفاع ابن العربي عن الإسلام أمام الأديان والفلسفات

ودليلها [أي التجربة الروحية] الظاهري كتابه الماتع الفتوحات المكية. انظر إلى الكلمة "المكية"، وهو (أي الشيخ ابن عربي) قد جاور في الحرم، فحدثت له فتوحات وإشراقات كثيرة، دافع فيها عن دين الله بإزاء الفلسفات المختلفة والأديان المتعددة التي بلغت خمسة آلاف دين على وجه الأرض.

فهو درس كل ذلك. ألَّف الإمام السيوطي بعدما أحاط بما فعله ابن العربي، ألَّف كتاب «تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي».

قصة تأليف السيوطي كتاب تنبيه الغبي رداً على من كفَّر ابن عربي

ولام العلماءُ السيوطيَّ أنه استعمل لفظًا في عنوان الكتاب يُعَدُّ تعريضًا بالقارئ، يعني الذي سيقرأه سيكون ماذا؟ سيكون غبيًا.

والذي أوقع السيوطي في هذا أنَّ هناك مَن ألَّف «تنبيه الغبي في كفر ابن عربي»، فردَّ عليه السيوطي بمثل العنوان على سبيل المناقضات، قائلًا له: لا، بل نحن سننبِّه الغبي على ماذا؟ إذا كان الغبي الذي قرأ كتابك قد كفَّر ابن عربي، فأنا سأجعله يعود مرة ثانية ليعرف أن ابن عربي ليس [كافرًا].

فهذا جملة ما هنالك.

ضرورة قراءة كتب ابن العربي على شيخ متخصص وأهمية مقدمة الفتوحات المكية

ولذلك قالوا: كتبنا حرام على غيرنا، يعني إذا أردت أن تقرأ هذه الكتب، إذا أردت أن تخوض فيها فلا بد أن تقرأها على شيخ حتى يبيِّن لك ما فيها، ولا تضلَّ بفكرك عنها، ولا تستنبط منها ما ليس منها.

ولذلك فإن ابن العربي ألَّف مقدمة واسعة وافية شاملة لكتابه الفتوحات المكية وقال: إذا أشكل عليك شيء من الكتاب فارجع إليها. ذكر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة وجعلها هي الضابط المعرفي الذي يضبط الفهم لأي عبارة قد لا تفهم معناها.

سبب غموض عبارات الأكابر وتكاثر المعارف على قلب العارف ولجوئه إلى الرمز

وما سبب ذلك أن يرد على ألسنة هؤلاء الأكابر وأقلامهم ما لا تفهمه؟ السبب منه تكاثر المعارف على قلب العارف. فهناك من المعارف ما تُكشف عند العبادة، تُعَدُّ معارف خاصة على سبيل: من ذاق عرف، ومن عرف اغترف.

واللغة غير مهيأة لذلك، فيلجأ [العارف] للخروج من مقتضيات دلالات الألفاظ إلى الرمز. فحضرتك تضلّ، في هذه الحالة لا تقرأ إلا على الشيخ الذي يفهم هذا الرمز ويعرف كيف يفكُّه.

وكان الشيخ المراغي يقول كثيرًا: أنا لا أفهم ابن عربي. فكان السيد محمد عبد الوهاب القصري يقول: فليأتني لأدرِّسه، أي يدرِّس شيخ الإسلام [ابن عربي]. وهذا لم يحدث، لا هذا درَّس ذاك ولا شيء.