ما جزاء من لم يبلغه دعوة الإسلام في عصرنا الحالي؟ | أ.د. علي جمعة - فتاوي

ما جزاء من لم يبلغه دعوة الإسلام في عصرنا الحالي؟ | أ.د. علي جمعة

19 دقيقة
  • الأفعال البشرية توصف بخمسة أحكام شرعية: الحرام والمكروه والواجب والمندوب والمباح.
  • العقل البشري وحده لا يستطيع تحديد الحلال والحرام أو معرفة العقاب والثواب دون وحي الله ورسله.
  • الحياة بدون وحي وإيمان تصبح مصيبة سوداء لا ضابط لها، فما يراه بعض البشر حلالاً كالخمر والمخدرات يراه آخرون حراماً.
  • اختلاف تشريعات البشر حول قضايا مثل الدعارة والمخدرات يؤكد عدم كفاية العقل وحده لتحديد الصواب.
  • مَن لم يبلغه الوحي كالسكان الأصليين في أستراليا الذين لم يعرفوا الإله لا يحاسبون على عدم إيمانهم.
  • غير المؤمنين الذين لم تبلغهم الرسالة سيتفاضلون يوم القيامة حسب أعمالهم، فلا يستوي من ظلم ومن لم يظلم.
  • الحيوانات تتخاصم يوم القيامة ويُقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
  • "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" هي قمة الرحمة الإلهية.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

سؤال حول حساب من لم تبلغه الرسالة إذا ظلم وأفسد في الأرض

يسأل سائل فيقول: شرحتم لنا أن الله لم يكن ليعذب حتى يبعث رسولًا،

قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

وقلتم لو أن الله لم ينهَ عن السرقة مثلًا لم يحاسب عليها أحد. واستشكل عندي: لو أن غير المؤمن الذي لم تبلغه الرسالة ظلم وقتل وسعى في الأرض فسادًا، ألا يكون له حساب زائد على الذي لم يؤذِ أحدًا؟

وقد ورد أن الحيوانات لها قصاص فيما بينها يوم القيامة، أليس في الإنسان فطرة يعرف بها الخير والشر؟

تقسيم الأحكام الشرعية الخمسة للأفعال البشرية وأنواع الطلب والتخيير

المقصود هو أن الأفعال البشرية ما الذي يترتب عليها من ثواب، وما الذي يترتب عليها من عقاب، وما الذي لا يترتب عليها من ثواب أو عقاب.

فالفعل البشري هو الذي يوصف بالحكم الرباني؛ أما أن يكون طلبًا أو أن يكون تخييرًا. فإن كان طلبًا فإما أن يُطلب منك الفعل أو أن يُطلب منك الترك. أما أن يكون ذلك الأمر للفعل جزمًا أو من غير جزم، وإما أن يكون ذلك النهي جزمًا أو من غير جزم.

وأما أن يكون تخييرًا فيكون مباحًا، لا يدخل في نطاق الطلب إلا بالنية؛ أن توجه نيتك بالمباح لوجه الله تعالى فتُحسب لك، في الترك وفي الفعل يُحسب لك الثواب.

الأحكام الخمسة التي لا يخرج عنها فعل الإنسان وأمثلة على الحرام

فالأفعال توصف بإحدى هذه الخمسة: الحرام، والمكروه، والواجب، والمندوب، والمباح. ولا يخرج فعل الإنسان عن هذه الأوصاف التي هي أحكام رب العباد للعباد، أتى بها الوحي فأمر ونهى وأباح وأتاح. أفعالنا بين هذه الخمسة لا يزيد.

فما الحرام؟ أن تظلم الناس حرام سيترتب عليه عقاب، أن تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق حرام يترتب عليها عقاب، أن تسعى في الأرض فسادًا حرام يترتب عليها عقاب.

من الذي يحدد الحرام والعقاب إذا لم يبلغ الإنسان الوحي

ولكن هذا الإنسان لم يبلغه الوحي. مَن الذي يقول إن القتل حرام؟ مَن الذي يقول إن الفساد حرام؟ مَن الذي يقول إن الكذب حرام، أو إن الزنا حرام، أو إن السرقة حرام؟ الله!

وما معنى حرام؟ أن هذا الفعل سيترتب عليه عقاب من الله. العقل البشري هل وحده قبل رسالة الله وقبل وحي الله يصف هذه الأفعال بأنها ممنوعة حرام؟ لا يستطيع أن يصف هذه الأفعال؛ لأنه أصلًا لا يعرف معنى العقاب.

العقل البشري المجرد لا يدرك الجنة والنار بدون الوحي

العقل البشري المجرد لا يتخيل يوم القيامة، لا يتخيل الجنة والنار. هو أصلًا لا يعرف أن هناك جنة ولا نارًا.

إن الذي أخبرنا أن هناك جنة ونارًا ليس إننا ذهبنا في رحلة سياحية ودخلنا الجنة ورأينا النار ورجعنا وقلنا: يا إلهي، هذه أمور مختلفة! لم يحدث هذا. بل ما حدث هو أن الأنبياء قد أخبرونا عن الله سبحانه وتعالى أن هناك جنة وأن هناك نارًا. بدون طريق الأنبياء، لم يستطع عقلي إدراك ذلك.

الحياة بدون الإيمان بالله تصبح فوضى يسودها منطق القوة

فالله خلقنا هنا وانتهى الأمر، وتركها لله. هكذا نفعل ما نريده بعقولنا؛ فعندما أقتل أُقتَل، والقوي يغلب الضعيف، فيصبح ما تكسبه تلعبه.

ويأتي شخص مثل نيتشه ويقول لك نظرية السوبرمان، أي أن القوي يضرب الضعيف. هذا ما كان سيحدث من دون الله.

أنا لا أعرف إذا كنت لن أستخدم قوتي لأن ذلك يغضب ربنا، لا يغضب، ربما لا يغضب، ربما هو أعطاني القوة لأفتري على الناس، ربما جعل هذا يُغضبني لأقتله. ما الذي قال لي إن قتلي للذي أغضبني هذا حرام؟

الحياة بدون الألوهية تصبح مصيبة سوداء لا حل لها

إذن إذا تنحينا قضية الألوهية تصبح الحياة سوداء، وتصبح معضلة كبرى خازوق مغري {مثل شعبي}، لا حل لها ولا لها ضرورة. فالحياة من غير ربنا تصبح مصيبة سوداء.

في تلك الساعة فعلًا يجب أن تقول: يا للمصيبة! إذن ماذا نفعل هنا؟ افعل ما يُفعل، ستكون مصيبة سوداء.

قمة الرحمة الإلهية في عدم التعذيب قبل بعث الرسل وضرورة الوحي

ولذلك:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

وهي قمة من قمم الرحمة؛ فالعقل البشري لا يستطيع أن يدرك نظرية الحساب والعقاب والثواب بنفسه، بل لا بد أن يسمع الوحي وأن يؤمن بالرسل.

فأرسلهم الله وبعثهم بما بمثله يؤمن الناس من خوارق للعادات ومعجزات تجعل الناس تقول: هذا شخص غير عادي، ولذلك أنا أصدقه فيما يقول.

تصنيف الأفعال بين الحرام والواجب والمباح بعد بيان الرسل

فقالوا [أي الرسل] لنا: هذه الأشياء حرام ومعها مكروه، وهذه الأشياء واجبة ومعها مندوب. وسألته عن أكل الملوخية فقال لي: مباح. طيب والبطاطس؟ مباحة. طيب أحب الفاكهة الفلانية؟ مباحة.

كل الأعمال أصبحت بعد ذلك مباحة. تمسك الحرام فتجد عشرة أو عشرين أمرًا، يعني: لا تسرق، لا تزنِ، لا تخدع، لا تقتل، لا تكذب، لا تشهد الزور، لا تؤذِ الناس، لا تفسد. يعني لو عددتهم لن يبلغوا العشرين.

الواجبات محدودة ومعظم أفعال الإنسان تقع في دائرة المباح

صلِّ، صُم، زكِّ، حُجَّ، اذكر، ادعُ، اعملْ سوى عشرين هم أيضًا. تزوج بالطريقة الفلانية، لا تتزوج بالطريقة الفلانية، طلق بالطريقة العلانية، لا تطلق بالطريقة الفلانية. وهكذا تعدهم لا تجدهم عشرين أيضًا.

وأصبحت باقي أفعالنا كأنها مباحة. أصبحت الأفعال كلها مباحة، يعني لا ثواب ولا عقاب. يعني ترك لنا مساحة كبيرة: افعل ولا تفعل.

العقل البشري وحده لا يميز الصواب من الخطأ واختلاف البشر في الأحكام

السؤال هو: هل في البشر فطرة يعرف بها الصواب من الخطأ بمفرده هكذا؟

العقل ليس في البشر فطرة يعرف بها الصواب من الخطأ بمفرده هكذا. لا، لن يعرف، ولو تركناه وحده ستحدث مصائب.

والفعل الواحد يختلف فيه البشر؛ وجدنا دولًا تقول إن هذه المخدرات ليس هناك أفضل منها ويوزعونها مجانًا، يوزعونها مجانًا! ودول أخرى تقول: لا، هذه حرام، إنها تُذهب العقل وتسبب الإدمان. هذا يجعل الإنسان غير مسيطر على أفعاله فيرتكب مخالفات وجرائم.

اختلاف البشر حول الخمر بين الإباحة والتحريم وأضرارها الطبية

بعض الناس يقولون: اشرب الخمر، فلماذا خلقه الله؟ وآخرون يقولون: الخمر حرام، والذي يشرب الخمر يفقد عقله ويتصرف تصرفات غير صحيحة.

وبعد ذلك، حتى جاء الأطباء وقالوا إنه يدمر الكبد أيضًا، أي ضرر فوق ضرر، فتوقفوا عن شربها.

في سنة تسع وعشرين [1929م] في أمريكا كانت الخمر محرمة قانونًا، فغضب مزارعو العنب لأنهم يصنعون الخمر والنبيذ من العنب، وغضب مزارعو التفاح لأجل الشمبانيا، وغضب مزارعو البصل لأجل الويسكي المصنوع من البصل. ماذا سنفعل؟ ضغطوا على الحكومة فألغت القانون.

أضرار إدمان الخمر وظاهرة الفيل الأزرق ونجاسة الخمر في الإسلام

نعم، لكن من يشرب تصيبه حالة تسمى الفيل الأزرق، فيجلس وهكذا، وبعد ذلك يتخيل أن هناك فيلًا خرج من الحائط بسبب الإدمان. وهذا ضلال.

فالخمر عندنا [في الإسلام] نجسة، ليس ذلك فحسب، بل بالإضافة إلى أنها نجسة، فإنها تسبب الإدمان وتسبب رؤية ذلك الفيل الأزرق الذي على الحائط.

فهم أناس عاقلون وقد ذهبوا إلى القمر والمريخ وما إلى ذلك، ولكن يشرب الخمر وتذهب عقله!

اختلاف الدول في تحليل المخدرات والدعارة دليل على عجز العقل البشري

نعم، يعني إذا قلنا غلطًا وأنت ستقول صوابًا: في الدول الاسكندنافية أصبحت المخدرات صحيحة، في بلجيكا وهولندا وأماكن أخرى وإنجلترا وألمانيا وفرنسا الدعارة حلال.

في أمريكا حتى اليوم الدعارة حرام. في تركيا الدعارة تجلب أكبر دخل، تُسدد له ضرائب. فالسيدة التي تدير الدعارة في تركيا تسدد أعلى ضرائب في البلاد فتأخذ الجائزة، تأخذ الجائزة!

الله! أهذه هي دار الخلافة؟ إنها أمرٌ تضحك منه الثكلى، وتُسقط منه الحبلى، ويشيب منه الأقرع! الأقرع يشيب مما نحن فيه!

الله وحده هو الذي يحدد الحلال والحرام عن طريق الرسل

فما الفرق بين العقل البشري والعقل الحيواني؟ الذي يحدد الحلال والحرام هو الله عن طريق الرسل.

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

ليس هكذا [أي ليس الأمر متروكًا للعقل البشري]، لا يوجد غير ذلك. العقل لا يتوصل أصلًا [إلى معرفة الحلال والحرام بمفرده]. الأشاعرة قالوا [بذلك]، ولا الإيمان بالله [يتحقق بالعقل المجرد وحده].

السكان الأصليون في أستراليا لم يعرفوا عبادة ولا إلهًا بدون رسول

عندما ذهبنا إلى أستراليا واكتشفناها، دخلنا ووجدنا شيئًا يُسمى السكان الأصليين. سألنا السكان الأصليين في أستراليا: يا جماعة، ماذا تعبدون؟ قالوا: نحن لا نعبد شيئًا.

قلنا لهم: يعني لا يوجد إله مثلًا؟ قال: لا، لا نعرفه. حسنًا، تعبدون صنمًا؟ لا. حجرًا؟ لا. شجرة طيب؟ لا. إذن تعبدون معنى؟ تعبدون نهرًا مثلًا؟ تعبدون بقرة؟ تعبدون أي شيء؟ لا مطلقًا كده.

قال له: أبدًا، ولا نعرف الذي أنتم تقولونه هذا. ما هو؟

السكان الأصليون لم يفكروا في خالق الكون لأنه لم يأتهم رسول

إذن هم بشر، ها نحن نبحث في البشرية أصلًا، لا نعرف ما لهم.

مَن الذي صنع هذه الشمس والقمر؟ مَن الذي خلق الشمس والقمر وهذه السماء وهذا الأمر؟ قال: والله لم تخطر ببالنا هذه الفكرة! يعني لم أفكر في مَن الذي خلقها، وما شأني؟

إنه عقل بشري آخر [مختلف تمامًا عما نعرفه]. آخر امرأة ماتت في تسمانيا - وهي جزيرة بجانب أستراليا - عام ألف وثمانمائة وثلاثين من السكان الأصليين، آخر واحدة. لا يوجد بها سكان أصليون.

من لم يأته رسول لا حساب عليه من رحمة الله تعالى

ولكن عندما دخلنا وتحدثنا مع الناس لم تكن لديهم فكرة بهذا الشأن.

إذن، هم لم يأتهم رسول ولم يذهب إليهم نبي. فعلى أي شيء سيحاسبهم الله؟ فهو الذي خلقهم وهو الذي جعلهم هكذا. فهؤلاء لا حساب عليهم من رحمة الله.

قصاص الحيوانات يوم القيامة والفرق بينها وبين غير المكلفين من البشر

ماذا عن الحيوانات؟ تتخاصم مع بعضها يوم القيامة أو تطلب القصاص حتى يُستوفى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

يعني هناك معزة لها قرنان نطحت معزة ليس لها قرون، القرون الخاصة بها إما صغيرة أو غير موجودة، فيأتي الاثنان ويقفان في الحساب.

نعم، لأن هذا [الحيوان] ليس فيه عقل وترتيب وتكليف، فهو غير موجود [أي التكليف]. ولكن هذا [الإنسان غير المؤمن الذي لم تبلغه الرسالة] أصلًا مكلف [بحسب السؤال المطروح].

هل يستوي الظالم وغير الظالم من غير المؤمنين يوم القيامة

السؤال المطروح هو: هل سيستوي يوم القيامة من لم يظلم من غير المؤمنين مع من ظلم من غير المؤمنين؟

ربنا قال:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]

الذي ظلم لن يُحاسب على ظلمه [لأنه لم يبلغه التكليف]، والذي لم يظلم:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]

فيكون هذا أحسن، فيأخذ [درجة أعلى].

دخول غير المكلفين الجنة برحمة الله والتفاضل فيها بالأعمال

سيدخلان الجنة هما الاثنان؛ لأنه لا يوجد تكليف. فعندما يدخلون الجنة، لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله إنما برحمة الله. قومٌ رحمهم ربنا - الاثنين غير المؤمنين هؤلاء - وأدخلهم الجنة.

اختيارهم لأماكن الجنة بأعمالهم؛ فيأتي الرجل الذي لم يظلم فيقول له: يا رب، أنا كنت أطعم الطعام، وكنت أساعد الضعيف، وكنت - يعني - أكف شري عن الناس. فيقول له: أنت اختر موضعًا لروحك في الجنة، فتجيب الروح: شيء جميل!

الظالم في الدنيا لا يحق له اختيار مكان من أحسن منه في الجنة

ويقول الآخر [الذي كان ظالمًا]: لا يا ربي، ذلك الشاب الذي ظلم وقتل وأفسد، أريد الموضع الذي أخذه هذا الرجل [المحسن]. إنه الشجار! لقد كان ظالمًا في الدنيا.

فيقول له [الله]: لا، ليس لك حق. اخترت لك مكانًا آخر، فهذا المكان قد حُجز بالفعل.

إذن، التفاضل في الجنة والدرجات فيها تكون طبقًا للأعمال. وهنا هذا عمله أسود وذاك عمله أبيض، والأبيض يتفوق على الأسود. هذه هي المسألة.

نصيحة للمؤمن بالتركيز على نفسه وزيادة الذكر والعلم والخير

فلا تحمل الهم ولا تخف، يعني نم واسترح يأتيك النجاح. أي أن هذه مسألة لا تستحق حمل الهم.

الذي يحمل الهم هو غير المؤمن، الذي ليس مؤمنًا والذي ظلم والذي هَمّ. التفت يا أخي إلى نفسك: زد الذكر قليلًا، زد العلم، زد الخير.

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

لا يهمك!