ما حكم أخذ المال عن التبرع بالدم ؟ | أ.د علي جمعة - فتاوي

ما حكم أخذ المال عن التبرع بالدم ؟ | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • الدم عند المسلمين نجس، لكنه يُعفى عنه في حالات مثل الجراحات للمقاتل في سبيل الله، كما تُعفى بعض النجاسات التي لا تُدرك بالعين كأثر الذباب.
  • تقوم الشريعة على مبدأ اليسر، فهناك معفوات كثيرة مثل طين الشوارع والغبار والبرد الذي يدخل الفم.
  • لا يجوز بيع الدم لأنه نجس، لكن العلماء أجازوا أخذ المال عنه بطريقة "رفع اليد عن الاختصاص".
  • شرح الإمام الشافعي أن "رفع اليد عن الاختصاص" يعني التنازل عن شيء مختص بك مقابل مال، وليس بيعاً له.
  • الفرق بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص أن البيع مقابل الكمية، أما رفع اليد فمقابل التنازل بغض النظر عن الكمية.
  • طبقت هذه القاعدة على مسائل أخرى كالسماد النجس، فيجوز أخذ المال مقابل إتاحة الانتفاع به دون بيعه.
  • لكل من البيع ورفع اليد عن الاختصاص أحكام مختلفة، وعلى من لا يعرفها أن يسأل أهل العلم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

حكم الدم في الشريعة الإسلامية ونجاسته والعفو عنه في حالات الضرورة

مع حكم أخذ المال عن التبرع بالدم، الدم عند المسلمين نجس، ولذلك إذا أصابت الجنديَّ الذي يقاتل في سبيل الله جراحاتٌ والجرح ينزف دمًا، فإنه يكون من المعفوّ عنه؛ يبقى الدم ما زال نجسًا، لكن لأنه من الصعب ألّا أصلّي وأغيّر ملابسي كل فترة وجيزة وأحبس الدم في نزيف مستمر، فالدم يُعفى عنه.

ماذا يعني يُعفى عنه؟ يعني أنه موجود ولكن لا يُلتفت إليه. ومثل ذلك مثل الذباب الذي يقف على النجاسة ثم يقف على ثيابك فيطير، قالوا: هذه نجاسة لا يدركها الطرف، لا تدركها العين، ولذلك فهي معفوٌّ عنها.

أمثلة على النجاسات المعفو عنها كالذباب وطين الشوارع والغبار

هل علقت النجاسة برجل الذبابة؟ نعم علقت. هل الذبابة تركتها [على الثياب]؟ قد تكون تركتها على ثيابه. حسنًا، يجب أن أغيّر الملابس كل فترة لأن الذباب يقف عليها، وماذا بعد؟ نحن لن نسير في الحياة الدنيا بشكل مثالي دائمًا، فهناك ما يسمى بالمعفوّات.

مثل طين الشوارع؛ ربما كان الطريق موحلًا فمرّت سيارة ورشّت بعض الطين هكذا وأنا ذاهب إلى المسجد، فهذا معفوٌّ عنه. وكذلك الغبار ما يتعلق بالطريق، أو ما يتعلق بالبَرَد الذي ينزل في الشتاء وأنا أمشي أتحدث فيدخل في فمي وأنا صائم، معفوٌّ عنه.

مبدأ اليسر في الشريعة وحكم بيع الدم عند التبرع به

اشتدّي أزمةُ تنفرجي، قد آذَنَ ليلُكِ بالفجر. الأمر إذا اشتدّ انفرج.

﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5]

ولن يغلب عسرٌ يُسرَين، فالشريعة مبدؤها اليسر. فهنا يذهب [الشخص] يتبرع بالدم، لكنه هل يجوز له بيعه؟ يقول له: أنا آخذ منك نصف لتر دم في مقابل عشرة جنيهات. قالوا: لا، لا يجوز له بيعه؛ لماذا؟ لأن المبيع نجس، والنجاسة لا يجوز بيعها.

تكييف العلماء لمسألة أخذ المال مقابل الدم بنظرية رفع اليد عن الاختصاص

قال [السائل]: طيب، وماذا نفعل؟ قال [العالم]: الآن أنا محتاج إلى العشرة جنيهات، أذهب بها، ومحتاج إلى العشرة جنيهات ضروري، وهنا عرض أنه من أخذ مني نصف لتر دم مقابل عشرة جنيهات.

قالوا: إذن [نُكيّفها] على هيئة أخرى، كيّفوا لها نظرية لكي تكون موافقة للشريعة وموافقة لمصالح الناس. كيف تأتي؟ كيف؟ قال [الإمام الشافعي]: رفع اليد عن الاختصاص.

قال له: هذا غير البيع، يعني؟ قال: نعم. قال له: لكن في النهاية هو هو! قال له: هو هو هو هو، لكنه موافق للشريعة ومحافظ على مصالح الناس.

مكانة الإمام الشافعي وعلماء الشريعة الذين اتصلوا بالقرآن الكريم

هؤلاء الأتقياء الأنقياء الذين واصلوا ليلهم بنهارهم وقاموا بالليل سجّدًا لله، هذا الإمام الشافعي. هؤلاء الناس الذين اتصلوا بالقرآن الكريم، وليس النابتة الذين لا يعلم بهم إلا ربنا، الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، الناس الذين تعلّموا اللغة العربية.

فقال الإمام الشافعي بـرفع اليد عن الاختصاص. قلنا له: لا نفهم؛ لأن هذا أصبح كالإنجليزي! أي يجب أن نفسّر: ما معنى رفع اليد عن الاختصاص؟

شرح معنى رفع اليد عن الاختصاص وتطبيقه على التبرع بالدم

فقال [الإمام الشافعي]: يعني أن الدم الخاص بك مختصٌّ أنت به، هذا الذي أنت مختص به ممسكٌ أنت يدك هكذا حتى لا يأخذه أحد منك [أي] الدم. ارفع يدك وإليك عشرة جنيهات.

هل هناك بيع وشراء الآن؟ لا، فرفعتُ يدي هكذا وأخذتُ العشرة جنيهات هكذا. مقابل ماذا؟ العشرة جنيهات مقابل رفع اليد عن ماذا؟ عن الشيء الذي أنا مختص به، والذي هو ماذا؟ الذي هو دمي.

رفع اليد عن الاختصاص: عندما تركتُ يدي هكذا وذهب أحدهم، دخلت فيها الحقنة بالنظام الطبي المضبوط، وتمّ سحب نصف لتر الذي يريده، وانتهى الأمر.

الفرق بين رفع اليد عن الاختصاص والبيع في مسألة الدم

فأنا بعتُ نصف لتر بعشرة جنيهات؟ لا. يعني لو أخذ لترًا سأحاسبه على عشرين؟ لا؛ لأن نصف اللتر ليس مقابل العشرة هذه، بل العشرة مقابل رفع اليد عن الاختصاص.

والعشرة مقابل أنك تسمح له بإدخال الحقنة عندك، فلو أخذ ستمائة جرام بدلًا من خمسمائة -أي نصف كيلو- قليلًا هكذا، لا يحدث شيء، ولا تأخذ مقابلًا لذلك؛ لأنك لست تبيع ولا تشتري.

أجل، هناك فرق كبير الآن بين رفع اليد عن الاختصاص وبين البيع. لو كان البيع وأخذ ستمائة، لكنتَ أخذتَ أيضًا اثني عشر جنيهًا. سيأخذ سبعمائة؟ أخذ أربعة عشر جنيهًا. سيأخذ لترًا؟ إذن أنا سآخذ عشرين جنيهًا. لا، هذا ليس بيعًا، هذا رفع اليد عن الاختصاص.

تطبيق نظرية رفع اليد عن الاختصاص على بيع روث البهائم النجس

حسنًا، وبعد ذلك قال له: نحن أيضًا في بلدنا هكذا، كان في البلد تبرّع بالدم. قال له: لا، عندي حظيرة -أعزّكم الله- للبهائم، وهذه الحظيرة فيها ما تُخرجه البهائم من روث.

هل هذا الروث نجس أم لا يا حضرة الإمام الشافعي؟ سيدنا الإمام الشافعي يرى أنه نجس؛ لأنه خرج من مأكول اللحم. هل البقرة يُؤكل لحمها أم لا؟ نعم يُؤكل لحمها، فيكون الخارج نجسًا.

حسنًا، فهذا السماد للأرض وقد أصبح وقودًا في البلد، نجعله وقودًا ونضعه في الموقد لكي نطبخ به ونعمل وندفّئ الفرن وتصبح شيئًا جميلًا.

تطبيق رفع اليد عن الاختصاص على بيع السماد الطبيعي بدلاً من البيع المباشر

وأنا لا أسامح نفسي أنني أعطي [مجانًا]، يعني أنا لديّ الآن غرفة مليئة بهذا الشيء [الروث]. قال لي: لا يجوز أن تبيعه لأنه نجس. فقلت له: يعني تريد أن تقهرني؟ يعني فضيلتك تريد أن تقهرني؟ أيكون معي كل هذه الثروة وهذه المنفعة وما أخذ شيئًا في المقابل؟

قال: لا، دعها رفع اليد عن الاختصاص. قلت له: حسنًا. فذهبتُ له وقلتُ: ماذا تريد؟ قال لي: ها نحن سننزل الآن لنشتري سمادًا كيماويًّا يضرّ بالأرض وندفع فيه ألف جنيه.

قلت له: طيب، لماذا لا تأخذ هذا السماد الطبيعي الجيد الذي خلقه ربنا؟ في مقابل -انظر لا يوجد بيع وشكل [بيع]- مقابل خمسمائة جنيه. فأعطتني الخمسمائة جنيه مقابل ماذا؟ أعطيك مفتاح الحظيرة.

مسألة تلف المبيع بعد رفع اليد عن الاختصاص ومسؤولية المشتري

فأخذتَ أنت مفتاح الحظيرة وغبتَ ولم تأتِ، مرّ السبت ومرّ الأحد، وبعد غدٍ يوم الثلاثاء. كيف لا تعرف؟ لأنه عندما يمرّ السبت ويمرّ الأحد يصبح بعد غدٍ... نعم، لا، مضى يوم السبت ومضى يوم الأحد، وبعد غدٍ يوم الأربعاء؛ بما أن ذلك قد مضى فأنا الآن في يوم الاثنين، إذن سيكون يوم الأربعاء.

لكن هو يريد ذلك هكذا، المغنواتي يريد ذلك، أو مؤلف المغنواتي: مضى يوم السبت ومضى يوم الأحد وبعد غدٍ يوم الثلاثاء. حسنًا، أمرنا لله.

حكم تلف السماد بعد تسليم المفتاح ومسؤولية من رُفع له الاختصاص

لا، نحن نتجاوز كثيرًا. لقد أتيتَ يوم الثلاثاء ووجدتَ أن الحظيرة قد احترقت. فجاءتني تقول لي: لقد احترقت الحظيرة، أعطني الخمسمائة جنيه!

فقلت لها: ليس لكِ حق، لقد أعطيتُكِ المفتاح منذ يوم الجمعة، لماذا لم تذهبي وتأخذيهم يوم الجمعة؟ ما الذي جعلكِ تتأخرين حتى يوم الثلاثاء؟

نعم، أنا قلتُ أنتِ حرّة. هؤلاء [الروث] كانوا في حيازتك أو تحت تصرفك منذ يوم الجمعة، ليست ملكي أصلًا. فعندما احترقوا كانوا تحت تصرفك، فيجب أن تقول إنها تحت تصرفك؛ لأن كلمة "ملكك" تعني البيع والشراء، قل: تحت تصرفك، أي تابعة لك، يعني لديكِ سلطة عليهم.

حرية التصرف فيما رُفعت عنه اليد والفرق بين أحكام البيع ورفع الاختصاص

ولذلك عندما تركهم ليوم السبت وأنا أخذتُ خمسمائة، ذهب وأعطاهم لأحدٍ مرة أخرى بألف، يفعل هو حرٌّ فيما هو في اختصاصه.

لا يجوز له [أن يبيع ما لم يحُزه]، وأنا إذن أقول له: ما هذا؟ أنت لم تأخذهم بعدُ!

قال رسول الله ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك»

فيقول: لا يا عزيزي، هذا ليس بيعًا. فتكون هذه الأحكام تختلف.

إذن يا أخي، فيكون رفع اليد عن الاختصاص غير البيع؛ لأن البيع له أحكام، ورفع الاختصاص له أحكام أيضًا. كيف نعرف هذه الأحكام؟ إذا كنت لا تعرف فاسأل الشيخ، والشيخ سيخبرك. لماذا؟ حتى لا تتحيّر نفسك. لماذا نحن جالسون نذاكر ونفعل ما نفعله؟ إنه لهذا السبب.