ما حكم إنكار الثوابت القطعية المجمع عليها؟ | أ.د علي جمعة - فتاوي

ما حكم إنكار الثوابت القطعية المجمع عليها؟ | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • الثوابت القطعية المجمع عليها نوعان: ما لا يجوز العذر بجهله، وما يجوز العذر بجهله.
  • الإجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد والمجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر شرعي دون وجود رأي شاذ.
  • مخالفة الإجماع تعني اتباع غير سبيل المؤمنين وتمثل قدحاً في هوية الإسلام.
  • الأمة أجمعت على أحكام أساسية كوجوب الصلاة وحرمة الخمر ووجوب الزكاة وصيام رمضان.
  • يوجد من يشكك في الثوابت الإسلامية، من ملحدي العرب ومن على شاكلتهم عبر مواقع الإنترنت.
  • هؤلاء يثيرون الشبهات في أمور بديهية ليصلوا بالناس إلى حالة من التشكك في كل شيء.
  • التشكيك يبدأ من أمور بسيطة كاليوم والتاريخ، ثم يمتد إلى الثوابت الدينية كالمعجزات والعبادات.
  • هدفهم جعل الإنسان ضائعاً تائهاً مما يفقده القدرة على الإبداع والتفكير السليم.
  • هذا التشكيك ليس حرية بل تفلت يبعد الإنسان عن مراد الله في خلقه من العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

تعريف الثوابت القطعية المجمع عليها وأنواعها في الشريعة الإسلامية

ما حُكم إنكار الثوابت القطعية المُجمَع عليها؟

هناك ثوابت قطعية مُجمَع عليها، وهذه نوعان:

  1. النوع الأول: ما لا يجوز العُذر بجهله.
  2. النوع الثاني: ما يجوز العُذر بجهله.

إنما كلمة "مُجمَع عليه" تعني اتفاق أهل الحَل والعَقد والمجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أمر من الأمور الشرعية في عصر من العصور. ومعنى هذا أنه لم يرد لنا ولا رأي شاذ؛ فإذا ورد رأي شاذ فليس هناك إجماع. فالإجماع هو اتفاق الجميع.

حجية الإجماع من القرآن واستدلال الإمام الشافعي بآية سبيل المؤمنين

واتفاق الجميع يجعل الأمة بقيادتها تسير في اتجاه، فمن خالفها يسير في اتجاه آخر:

﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115]

لما قرأ الإمام الشافعي كتاب الله باحثًا عن حُجية الإجماع، قرأه مرات حتى إنه وصل إلى هذه الآية بهذا الفهم: أن الأمة إذا صارت في اتجاه وأجمعت عليه ولم يشذ منها أحد، ثم جاء أحدهم يريد أن يُغَيِّر فيما أُجمِعَ عليه، فإنه يكون مخالفًا مردودًا للإجماع.

شروط انعقاد الإجماع وأثر الرأي المخالف في نقضه

أما لو أن الأُمة جلست فبحثت مسألة، فقال عشرة من العلماء: نعم، وقال واحد منهم: لا، فإنه لا يتم الإجماع ولا يكون هناك إجماع.

وهناك أسباب كثيرة لاختلاف الأُمَّة فيما اختلفت فيه، كلها راجعة في مسائل غير أصلية. لكن الأمة اتفقت على حُرمة الخمر، واتفقت على وجوب الصلاة، واتفقت على أن الوضوء إنما هو قبل الصلاة وليس بعد الصلاة.

أمثلة على بطلان مخالفة الإجماع في الوضوء والصيام والزكاة

فلو قام أحدهم الآن وقال: أرى أن يكون الوضوء بعد الصلاة، كان مردودًا عليه؛ لأنه رأي شاذ منفرد لا حجة فيه، خالف الإجماع، خالف الإجماع.

ولذلك الإجماع بهذا المعنى -وهو اتفاق الجميع عليه- يتحرر في تلك المسائل وفي مسائل كثيرة: وجوب الزكاة، صيام رمضان. فيقوم أحدهم الآن ويقول: هيا بنا نصوم شوال، وهو هذا شهر وهذا شهر، لا بأس ولن يحدث شيء! فيكون كلامًا باطلًا مخالفًا للإجماع، قادحًا في هوية الإسلام؛ لأن هذا الإجماع يمثل هُوية الإسلام.

المحرمات المجمع عليها تمثل هوية الإسلام حتى في بلاد الاضطهاد

في بعض البلاد ضَغَطَ غير المسلمين على تنفيذ أحكام الإسلام، حتى إن الناس تركت هناك الصلاة وتركت الصيام، إلا أنه لا يشرب الخمر أبدًا ولا يأكل الخنزير أبدًا. فأصبحت هذه الأحكام تمثل هوية الإسلام.

ماذا يعني أنك مسلم؟ يعني أنك لا تشرب الخمر ولا تأكل لحم الخنزير، حتى لو كان هذا الرجل لا يصلي ولا يصوم وتلهيه الدنيا، لكنه لا يُنكر الصلاة ولا يُنكر الصيام ولا غير ذلك، وإنما هو تحت وطأة هذه القسوة التي اتخذها هؤلاء الناس، فإنه لا يفعل الصلاة عمليًا.

حكم من أنكر المحرمات المجمع عليها كالزنا وشرب الخمر وكشف العورات

لكنه أبدًا لا يقع في الزنا ولا في شرب الخمر ولا في أكل الخنزير؛ لأن هذه محرمات بالاتفاق والإجماع.

فإذا جاء أحدهم وقال: إن الزنا حلال، أو إن عورة المرأة ليست بعورة، وعورة الرجل ليست بعورة، وأن الصلاة ليست واجبة، وأننا نصوم شوال بدل رمضان، أو شخص آخر يستظرف ويقول: لا، فلنصم شعبان حتى نكون كمن قدم السبت فيجد الأحد أمامه، وهكذا من العبث وسوء النية والتخلف العقلي، فكل هذا مردود على صاحبه.

ملاحدة العرب ومواقعهم على الإنترنت ومنهجهم في التشكيك بالثوابت

والسائلُ لاحظَ الآن ما عليه ملاحدة العرب، فملاحدة العرب لهم مواقع على النت، ثلاثة أو أربعة مواقع على الإنترنت فيما نسميه بزبالة الإنترنت، يحاولون أن يشككوا في جميع الثوابت.

ويقولون: عندما نشكك الناس في الثوابت، يصبح الناس تائهين. شكِّكهُم في الثوابت، يعني ماذا؟ دعنا نفهم المعنى: معنى تشكيككم في الثوابت [أنهم يطعنون في البديهيات المعلومة من الدين بالضرورة حتى يفقد المسلم يقينه].

مثال التشكيك في يوم الجمعة وقصة جحا مع ابنه في الرصافة

قال لك [أحد هؤلاء المشككين]: ما هو اليوم؟ قلنا له: اليوم الجمعة. فقال: من الذي قال لك أنه الجمعة؟ أليس من الممكن أن يكون الثلاثاء؟

كان جُحا يمشي مع ابنه في الرصافة هناك في العراق، فقال له: هل صلينا الجمعة؟ متى يا ولد؟ في الأسبوع الماضي؟ في أي يوم؟ قال له: تقريبًا في يوم الثلاثاء!

قالوا: أتتصور؟ صحيح! هذا عمل مَن؟ عمل مجانين! هو يريد أن يوصلك إلى هذه الحالة التي كنا نمزح عليها قديمًا، كنا نعتبرها مزحة ونضحك، أصبحت معروضة الآن في اللامعقول الذي نعيش فيه.

الرد على شبهة تعديل البابا جريجور للتقويم وأثرها على أيام الأسبوع

اليوم ليس الجمعة، لماذا؟ لماذا أيها العالم الجليل، ماذا تقول أن اليوم ليس الجمعة؟ قال: لأنه كان هناك بابا عند الكاثوليك اسمه جريجور، وجريجور عدّل في التواريخ، فمن هنا هو عدّل، ربما... انظر الآن الكلام أصبح -انظر إلى الكلام، انظر إلى الكلام- يمكن أن يكون قد عَدَّلَ في أيام الأسبوع، أو أنا مخطئ!

قلنا له: يعني حسنًا، لكنه لم يُعَدِّل [في أيام الأسبوع]. نحن نعرف ما فعله البابا جريجور والتقويم الذي نعمل به هذا حتى يومنا هذا في العالم كله اسمه تقويم جريجور.

حقيقة إصلاحات البابا جريجور وتأكيد أن اليوم هو يوم الجمعة

من هو جريجور هذا؟ هو جريجور هذا بابا الفاتيكان الذي شعر بأن هناك فارقًا أتى من تراكم السنين، فأجرى إصلاحات. هذه الإصلاحات أثّرت عند المسيحيين ما بين الشرقيين والغربيين.

والذي كتبه جريجور وحسابات جريجور نعرفها، أنتم البعيدون لا تعرفونها، لكننا نعرفها تحت أيدينا كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، واليوم هو يوم الجمعة.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنبياء: 7]

منهج الإثارة دون الإنارة والتشكيك في الثوابت لإضلال الشباب

لكن انظر إلى الإثارة دون الإنارة، فهو بهذا يثير شبهات، فالشاب المسكين فيقول: ربما يكون ذلك صحيحًا!

فهذا هو القدح في الثوابت. أي ثوابت؟ هو لن يتطرق إلى الصلاة والخمر وما شابه، لا، بل سيأتي ليشكك حتى في اليوم؛ لكي تظل متشككًا في نفسك وتظل هكذا تائهًا.

هل اليوم الجمعة أم الثلاثاء أم الأربعاء؟ لا أدري، إن المرء لا يعرف! يريد أن يوصلك لهذا الحال.

نتيجة التشكيك في كل شيء: الجهل التام وعدم القدرة على بناء حضارة

حسنًا، وماذا ينتج عن ذلك؟ ينتج عنه أنك في النهاية لا تعرف شيئًا في أي شيء، وهذا ما كنا نسميه ونحن صغار: "الماحي في جميع النواحي".

هو يريدك أن يوصلك لهذا، إلى أن تكون الماحي في جميع النواحي، مدعيًا أنه عندما تكون أنت الماحي في جميع النواحي ستُبنى بك حضارة!

كيف بالله؟ يعني هذه الفوضى كيف سيُبنى عليها حضارة؟ فإن إنسان الحضارة إنسان مفكر، إنسان مُبدع، إنسان مدقق، إنسان محقق، إنسان عارف الأمور على مستوى المُسَلَّمات والبديهيات.

التشكيك في الثوابت دعوة كاسدة تضيع مراد الله في خلقه

فكيف تنتظر من هذا الإنسان التائه -الماحي في جميع النواحي- تنتظر منه بناء حضارة؟!

إذن فهذه دعوة كاسدة فاسدة، ومنها أن الجمعة ليست جمعة، وأن رمضان ليس رمضان، وأنه لا توجد معجزات للأنبياء، وأن الإسراء ليس إسراء، والمعراج لا يوجد شيء اسمه معراج، إلى آخره.

ويستمر هكذا في الإلحاح عليك في القَدح في الثوابت، معتقدًا أنك عندما تشك في كل شيء أنك ستكون رجل حضارة. لا، أنت عندما تشك في كل شيء لن تستطيع التفكير وستظل تائهًا وستظل الماحي في جميع النواحي.

ضياع العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس بسبب التشكيك في الثوابت

وحينئذٍ فأنت ضعيف، وحينئذٍ فلا إبداع ولا عمارة للأرض والأكوان، ولا عبادة للرب والرحمن، ولا تزكية للنفس وللإنسان.

وهنا افتقدنا مُرادَ الله في خلقه:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلبَ منكم عمارتَها.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

التحذير من الضلال البعيد والتفريق بين الحرية والتفلت

سنفقد الطريقَ، وحينئذٍ سيفرحُ هؤلاءِ بالضياعِ بما توهَّموهُ من خيالات. وقيسوا الأمورَ بنظائرِها وأشباهِها؛ أنا ضربتُ لكم أمثلةً، إنما في الأيامِ القادمةِ ستأتي أمثلة أخرى، ستأتي أمثلة أخرى: سيشككون في القبلة، وسيشككون في الصلاة، وسيشككون في الخمر، وسيشككون وهكذا.

وحينئذ يقول لك: انطلق، كن حرًا طليقًا! لا، هذه ليست حرية، هذا اسمه تَفَلُّت. هناك فرق بين الحرية والتفلت، واللعب بالمصطلحات هذه هي المهمة الخاصة بهم، أبالسة الجن والإنس.

التحذير من الضلال البعيد ومثال ركوب القطار الخاطئ

لا، إياك أن يتوه منكَ الطريق وإلا ستَضِلّ، والذي سيَضِلّ فتسير إلى:

﴿ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18]

سيذهب في الضلال لأبعد ما يكون، كمن أراد ركوب قطار الإسكندرية فركب قطار أسوان، فيكون في ضلال بعيد، يبتعد في كل لحظة عن الحق والحقيقة.