ما حكم الغش في الامتحانات؟ وهل هو من الكبائر؟ | أ.د علي جمعة - فتاوي

ما حكم الغش في الامتحانات؟ وهل هو من الكبائر؟ | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الغش في الامتحانات حرام، واستدل العلماء بحديث: "المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور"، فالغاش يظهر مستوى من المعرفة ليس عنده في الحقيقة.
  • ثوب الزور هو ما يوهم الناظر أنه ثوبان وهو ثوب واحد، والتزوير هو تجميل الشيء على غير حقيقته.
  • استدل أيضاً بحديث: "من غشنا فليس منا"، وهو حديث عام يشمل كل أنواع الغش.
  • الكبيرة كما قال ابن فورك: ما عليها وعيد شديد كالخلود في النار، أو ما بإزائها حد، أو ما فيها لعن، أو ما فيها تبرؤ كقوله "ليس منا".
  • بعض العلماء لا يفضلون التفريق بين الكبائر والصغائر، فالذنب هو ما يكرهه الله تعالى.
  • قال ابن المعتز: "لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى".
  • مساعدة الآخرين على الغش حرام أيضاً لأنه تعاون على الإثم والعدوان.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

سؤال عن حكم الغش في الامتحانات وهل هو من الكبائر أم الصغائر

يسأل سائل فيقول: اقتربت امتحانات آخر العام، فما حكم الغش في الامتحانات، وهل هو من الكبائر أم من الصغائر؟

مما استدل به العلماء على حرمة الغش في الامتحان قول رسول الله ﷺ:

«المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور» [متفق عليه]

يعني من غش في الامتحان فقد أظهر لنا مستوى من المعرفة والحفظ والأداء وفهم السؤال والتلقي عن العلم لم يكن هو فيه على الحقيقة، فهو متشبع بما لم يعطه الله له، فهو كلابس ثوبي زور.

شرح معنى ثوب الزور وعلاقته بالتزوير والخداع

وثوب الزور كان هو الثوب الذي إذا ما رأيناه رأينا كأنه يلبس ثوبين وهو يلبس ثوبًا واحدًا، فيأتي هنا ويعمل كُمًّا صغيرًا هكذا، فأنت تظن أن هذا جلباب تحته جلباب وثوب تحت ثوب، والذي هو في الحقيقة ثوب واحد. يسمونها في أسواقنا عندما يصنعونها في البلوفرات "توينز"، وماذا يعني توينز؟ يعني توأم، فيجلب لك قطعة واحدة فيها لونان، فأنت وأنت ترتديها تجعل الناظر من الخارج يظن أنه يرتدي ثوبين وهو في الحقيقة يرتدي ثوبًا واحدًا.

هذا هو ثوب الزور، وزوَّر الشيء أي جمَّله وحسَّنه على غير ما هو عليه، ولذلك جاء منها التزوير؛ عندما نزوِّر النقود، فأنت ترى المائة جنيه فتظن أنها المائة جنيه الحقيقية، لكنها ليست كذلك، بل هي مزورة من شخص ما، أي أنه جمَّلها لتجعلك تنخدع من محاولة التجميل هذه.

معنى التزوير في الكلام وتجميل الحجة لإقناع السامع

فزوِّرُه يعني أي جمَّله. قال [أحد السلف]: وكنت قد زوَّرتُ في نفسي حجة، فالمزوِّر هو من يُجمِّل الحجة: كيف أعرضها لكي يقتنع السامع؟

«إن من البيان لسحرًا» [متفق عليه]

فقد أزوِّر كلامًا أقوله فيكون كلامًا جميلًا مقبولًا، السامع يقول: نعم، هذا كلام صحيح؛ لأنه مرتب، ولأنه عرف مداخل الأمر ومخارجه. كلابس ثوبي زور: يكون من الخارج الله الله، ومن الداخل يعلم الله، يكون حرامًا.

حديث من غشنا فليس منا وعمومه في كل أنواع الغش

ويقول رسول الله ﷺ:

«من غشنا فليس منا» [رواه مسلم]

يكون هذا حديثًا مباشرًا، صحيح أنه ورد في غش السلع التجارية، لكنه عام؛ لم يقل: من غشنا في البيع والشراء، ولا قال: من غشنا في التجارة والمعاملات، ولم يقل: من غشنا في الأسواق، بل قال: من غشنا فليس منا، يعني ليس من أخلاقنا [أخلاق المسلمين].

تعريف الكبيرة عند ابن فورك وعلاماتها من الوعيد والحد واللعن والتبرؤ

والسؤال الثاني: هل هو [الغش] من الصغائر؟

الحقيقة أن الكبيرة كما يقول ابن فورك إمام أهل السنة: إما أن يكون عليها الوعيد الشديد كالخلود في النار، كالقتل والزنا وما إلى آخره، وإما أن يكون بإزائها حدٌّ [عقوبة شرعية مقدرة]، فتكون إذن هذه كبيرة، وإما أن يكون بإزائها لعن: لعن الله كذا، لعن الله كذا، وإما أن يكون بإزائها تبرؤ - وانتبه - "ليس منا".

نعم، هذا يتبرأ من فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا، فتكون كل هذه من علامات الكبيرة.

الغش من الكبائر لورود التبرؤ فيه وشهادة الزور من أكبر الكبائر

فمن غشنا فليس منا، يا للعجب! ما هو الفرق بين معنى الكبيرة ومعنى الصغيرة؟ الكبيرة فيها نار أو فيها لعن أو فيها حد أو فيها وعيد، هذه هي الكبيرة. حسنًا، والتي ليس فيها ذلك تكون صغيرة.

إذن شهادة الزور من أي صنف؟ كبيرة، بل أكبر الكبائر؛ لأنه منصوص عليها:

«اتقوا السبع الموبقات: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف، والسحر...» [متفق عليه]

فهذه كلها كبائر، كذلك الربا من الكبائر بل من أكبر الكبائر، وشرب الخمر أم الخبائث [من الكبائر أيضًا].

رأي بعض العلماء في ترك التفريق بين الصغيرة والكبيرة والحياء من الله

فإذا عرفنا ما هي الكبيرة، فماذا عن الصغيرة؟ هناك علماء من أهل الله قالوا: هذا السؤال غير صحيح، وأنا لا يعجبني موضوع الكبيرة والصغيرة هذا. قلنا له: لماذا؟ قال: ما هو الذنب، يعني ماذا؟ يعني شيء يكرهه ربنا، كيف تفعل الشيء الذي يكرهه ربنا؟ أليس لديك ذرة حياء في عينك؟ ما هي الصغيرة وما هي الكبيرة؟

فابن المعتز أخذ هذا المعنى وقال:

خلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها، ذاك التقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرنَّ صغيرة إن الجبال من الحصى.

النهي عن الغش والتغشيش في الامتحانات والتعاون على الإثم والعدوان

أستجلس إذن لتقول لي هذه صغيرة وهذه كذا؟ أليست الجبال من الحصى؟ أليست صغيرة مثل صغيرة زائد صغيرة ستصنع المصائب؟ فلنترك إذن حكاية الصغيرة والكبيرة.

ويا أخانا لا تغش في الامتحانات. حسنًا، لن أغش. ولا تُغشِّش أنت أيضًا!

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]

لأنك تعين أخاك على المعصية، ليس عليك بالضرورة أن تفعل ذلك [أي أن تغش أنت بنفسك حتى تأثم].

التغشيش تعاون على الإثم وليس من باب إطعام المستطعم

صحيح أن الكلام الذي قلناه معناه أنه لو التزم [الطالب] وأدى ما عليه وظهر أمام الناس وأمام الإدارة وأمام المجتمع وأمام الدنيا وأمام التاريخ أن درجته هكذا [متدنية]، إلا أنه لا يوجد مانع [من ذلك].

يعني نعطي؟ فمن استطعمك فأطعمه؟ لا، ليس هنا، ليست [هذه القاعدة] في الامتحان يا عزيزي! الامتحان تكون فيه متعاونًا معه على الإثم والعدوان وليس على البر والتقوى.

إذن، إذا غش أحد أو ساعد غيره على الغش فهذا حرام أيضًا.