ما معنى قاعدة الأصل بالعبادات التحريم؟ | أ.د. علي جمعة
- •القاعدة المشهورة هي: الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأبضاع التحريم.
- •معنى التوقيف في العبادات أننا نلتزم بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقصان في ذات العبادة.
- •الصلوات المفروضة محددة الركعات والهيئات كما علمنا النبي، فلا يصح تغييرها بالزيادة أو النقص.
- •الزيادة المشروعة في العبادات تكون وفق ما ورد، فصلاة النهار مثنى مثنى، وصلاة الليل مثنى مثنى.
- •التصرف في العبادات ليس بدعة إذا كان موافقاً لأصولها، كصلاة الأوابين والتراويح.
- •سيدنا عمر جعل التراويح عشرين ركعة، وأهل المدينة زادوها إلى ست وثلاثين.
- •الأصل في الأشياء الإباحة يعني أن المستجدات كالشاي والقهوة مباحة ما لم يثبت ضررها.
- •حُرِّمت المخدرات والدخان لضررها، واختلف العلماء في تحريم بعض النباتات كالقات.
- •الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة التحريم، ولا تحل إلا بالشروط الشرعية.
سؤال عن معنى قاعدة الأصل في العبادات التحريم وبيان الأصول الثلاثة
يسأل سائل فيقول: ما معنى قاعدة الأصل في العبادات التحريم؟
القاعدة المشهورة أن الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأبضاع التحريم. هذه هي الأصول الثلاثة بنصوصها، وبعضهم من السلف الصالح يعبّر: الأصل في العبادات المنع.
ومعنى هذا أننا لا نزيد ولا ننقص في ذات العبادة؛ فالظهر أربع ركعات، فلا يقول أحدهم: أريد الزيادة مع الله وأريد أن أعبد الله كثيرًا فلنصلِّ الظهر خمسة أو ستة أو عشرة. هذا لا يصح؛ لا بد أن يكون الأمر على ما تركنا عليه رسول الله ﷺ.
أمثلة على التوقيف في العبادات كتقديم الوضوء على الصلاة وأركان الصلاة
أو أن يرى أحدهم أن الوضوء بعد الصلاة وليس قبلها، هذا لا يجوز، ممنوع؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف — كما جاءت تكون.
ولكن علّمنا رسول الله ﷺ أصل الصلاة وأنها عبارة عن تكبير تُسمّى بتكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم علينا بعدها أن نتكلم كلام الناس، ثم الفاتحة، ثم سورة مما تيسر من القرآن، ثم الركوع والقيام من الركوع، ثم السجود والقيام من السجود.
وأن هذا هو أقل ما هنالك؛ في الوتر ركعة يتلو ذلك التحيات ثم السلام.
صفة صلاة النهار والليل وكيفيات الوتر الواردة عن النبي ﷺ
إذن هذه الصورة [صورة الصلاة المذكورة] هي التي أتت. وصلاة النهار مثنى مثنى، أي ركعتين ركعتين، لا توجد ركعة واحدة في النهار. وصلاة الليل مثنى مثنى، ويمكن أن يوتر بواحدة.
وترك لنا رسول الله ﷺ الخيار أن نصل بين الوتر والشفع، أو أن نفصل بينهما فنصلي كل واحدة منهما بسلام، أو أن نصليها مثلما نصلي المغرب بدون تحيات في الوسط، أو أن نجمع ذلك كله في سلام واحد مثلًا: خمس ركعات، أو سبع ركعات، أو تسع ركعات في سلام واحد، وهكذا.
التوقف عند الوارد في العبادات وجواز الإكثار من النوافل على هيئة مشروعة
فكل هذا ما دام قد ورد نتوقف عند الوارد، أي نصلي هكذا. أما أن إنسانًا يصلي في الضحى عشرين ركعة وهذه العشرون لم ترد، لكنها ورد أصلها؛ لأن رسول الله ﷺ رغّب في صلاة الضحى.
وعندما نصلي نصلي على هيئة رسول الله ﷺ أن صلاة النهار مثنى مثنى، فلا بأس؛ لأنه ثبت في الشرع الشريف كتابًا وسنةً أن الإكثار من العبادة ليس ببدعة.
جواز اختراع عبادات جديدة على هيئة مشروعة كما فعل الصحابة
أو أن يخترع أمام تصرفات معينة صلاة معينة على هيئة صلاة رسول الله ﷺ، كما اخترع الصحابي عند الشهادة ركعتي القتل الصبر — هذا الذي قتله المشركون — فجائز.
أو يخترع سيدنا بلال رضي الله عنه أن يصلي ركعتين عند كل وضوء فجائز. وهكذا فالعبادات في أصولها إنما هي على التوقيف، وإنما الزيادة فيها على المنع، ولكن التصرف في العبادات ليس كذلك وليس ببدعة.
قال رسول الله ﷺ: «من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين»
نشأة صلاة الأوابين والتراويح وزيادة عمر رضي الله عنه لها إلى عشرين ركعة
ولذلك رأينا العُبَّاد أنشؤوا صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء، وأنشؤوا صلاة التراويح في رمضان على عشرين ركعة.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ لم يزد عن إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة في حياته. ولكن الذي جعلها عشرين هو سيدنا عمر رضي الله عنه، الذي قال فيه رسول الله ﷺ:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»
فكان ما فعله سيدنا عمر تصريفًا وتطبيقًا لمراد رسول الله ﷺ من قيام ليل رمضان.
زيادة أهل المدينة ركعات التراويح إلى ست وثلاثين منافسةً لأهل مكة
وكذلك لما تسامع أهل المدينة أيام الإمام مالك أن المكيين يطوفون حول البيت سبعًا بين كل أربع ركعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، زادوا عدد ركعات التراويح إلى ست وثلاثين: عشرين كما كان يفعل عمر رضي الله عنه، وستة عشر زيادة مكان الطواف الذي يفعله أهل مكة، حتى لا يكونوا قد حصلوا ثوابًا أكثر منهم في المدينة.
هذا هو مفهوم الأئمة الكبار الذين نقلوا إلينا الدين.
من أراد حصر الدين في زمن النبي فقط فهو مبتدع لأنه ضيّق ما وسّعه الشرع
وكل من أراد أن يعيش زمن النبي ﷺ [فقط دون قبول ما أقرّه الخلفاء والعلماء] فهو مبتدع؛ لأنه أتى لنا بدين آخر غير الذي أراده سيدنا النبي ﷺ.
فقد وسّع ﷺ مجال الأذكار، فمن ضيّقها فهو مبتدع. وقد وسّع شأن العبادة والإكثار فيها، فمن ضيّقها فهو مبتدع. وهكذا.
فهذه القاعدة «الأصل في العبادات التحريم» لم أرها بهذا النص، ولكن [الصواب]: الأصل في العبادات المنع أو التوقف، يعني نقف عند الوارد.
معنى قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وأمثلة على المواد الجديدة
أما قولهم الأصل في الأشياء الإباحة فمعناه أنه لو جاءت مادة جديدة لم تكن من قبل فإن الأصل فيها الإباحة.
وهذا حدث كثيرًا عندما ظهر الشاي وظهرت القهوة وظهر الكوكا كولا [المياه الغازية] وظهر الكاكاو وأمثال هذه النباتات التي لم تكن في بلاد العرب ولم يعرفها العالم القديم. لما ظهرت وبانت وبان لها آثارها وشاعت، كان الأصل فيها الإباحة.
تحريم ما ثبت ضرره من الأشياء المباحة في أصلها كالمسكرات والمخدرات
ولكن عندما نرى أن شيئًا ما ضار بالجسد البشري أو معطل للعبادة كأن يكون مُفتِّرًا أو أن يكون مُخدِّرًا، والنبي ﷺ:
«نهى عن كل مسكر ومُفتِّر» فيما أخرجه أبو داود عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها
حرّمناه من أجل الصفة التي فيه — الصفة هي أنه مسكر أو مفتر — وليس لأصله. فالأصل في الأشياء الإباحة.
ولذلك حرّم العلماء المخدرات بأنواعها، وحرّم العلماء الدخان لما تبيّن من أنه فيه مضار، وحرّم العلماء القات، وحرّم العلماء البات في الهند، وهكذا عندما يثبت ذلك.
اختلاف العلماء في تحريم بعض المواد كالقات والدخان بسبب اختلافهم في مناطها
بعض هذه الأشياء متفق بين جمهور العلماء على تحريمه كالمخدرات، وبعضها مختلف بين جمهور العلماء في تحريمه كالقات والبات والدخان والكفتة — وهناك نبات الأوراق الصغيرة من القات تسمى الكفتة، ليست الكفتة [اللحم] التي لديكم هذه، لا، إنها كفتة أخرى.
فهذه الأشياء اختلف فيها العلماء. لماذا؟ لاختلافهم في مناطها — هل هي ضارة أو أنها ليست بضارة؟ فالذي ذهب إلى ضررها حرّم، والذي ذهب إلى عدم ضررها لم يحرّم.
معنى قاعدة الأصل في الأبضاع التحريم وشروط حل العلاقة بين الرجل والمرأة
والأصل في الأبضاع التحريم؛ لأن الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة الأصل فيها التحريم، ولا تحل إلا بالشروط الشرعية المرعية.
فإذا توفرت هذه الشروط كما ورد في الكتاب والسنة حلّت العلاقة، كالعلاقة بين الرجل في مصافحته لأمه أو أخته أو زوجته أو كذا إلى آخره.
