ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يمل الله حتى تملوا )) ؟ | أ.د علي جمعة
- •يشرح معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "فإن الله لا يمل حتى تملوا" الذي قاله عندما رأى زينب بنت جحش رضي الله عنها وقد علقت حبلاً لتستند إليه من كثرة العبادة.
- •أراد النبي أن يعلمنا أن نعبد الله على قدر طاقتنا، فالله لا يزال مقبلاً على العبد حتى يمل العبد من العبادة ويصل لحالة الإعياء.
- •هذا التعبير "إن الله لا يمل" ليس على حقيقته، بل هو من قبيل المشاكلة في اللغة، فالله منزه عن المشاعر الإنسانية.
- •هناك أمثلة مشابهة في القرآن مثل "يخادعون الله وهو خادعهم" و"مكروا ومكر الله" و"جزاء سيئة سيئة مثلها".
- •لا يجوز اشتقاق أسماء لله كـ"الخادع" أو "الماكر" أو "الممل" لأنها جاءت على سبيل المشاكلة.
- •الصفة تصبح اسماً لله إذا كانت تامة في المتصف بها بحيث إذا أطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه، مثل "الرحمن".
معنى قوله ﷺ فإن الله لا يمل حتى تملوا في حديث زينب بنت جحش
سؤال آخر يقول: ما معنى قوله ﷺ «فإن الله لا يمل حتى تملوا»؟
ذُكرت هذه العبارة في حديث زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وكانت عابدة من أمهات المؤمنين، فكانت تصنع حبلًا تستند إليه عندما لا يتحملها جسدها من كثرة العبادة.
فدخل عليها النبي ﷺ فوجد هذا الحال [حال التعلق بالحبل من شدة الإرهاق]، وأراد أن يُشرِّع لأمته وأن يُعلِّمنا، فقال:
قال النبي ﷺ: «فليعبد أحدكم ربه طاقته»
يعني على قدر طاقته؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فإن الله لا يمل حتى تملوا.
الاعتدال في العبادة وأن الله يقبل على العبد بقدر طاقته
لا يزال الله سبحانه وتعالى مقبلًا عليك إلى أن تصل إلى هذه الحالة من الإعياء والمجهود والإجهاد، بحيث إنك تسقط إذا لم تجد حبلًا تتمسك به.
لا، [بل اعبد الله] قدْرَ طاقتك الجسدية والنفسية والوقت والتكاليف التي عليك؛ فربما أثابك الله سبحانه وتعالى على أمرٍ تفعله لعمارة الدنيا وخدمة الناس بأكثر مما يثيبك بركعتين أو بعبادة [نافلة].
تعبير لا يمل حتى تملوا من باب المشاكلة وتنزيه الله عن المشاعر الإنسانية
وهذا التعبير «إن الله لا يمل حتى تملوا» ليس على حقيقته، وإنما هو من قبيل المشاكلة؛ فإن الله منزَّه عن هذه المشاعر الإنسانية، إنما [جاء ذلك] من أجل التقريب؛ لأن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
وهناك مفارقة للإله المفارق سبحانه وتعالى بأنه خارج الأكوان وأنه مختلف عن هذه الأكوان.
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
أصلًا، ولذلك لمَّا كان الأمر كذلك أصبحت اللغة وسيطًا لتبليغ بعض المعاني.
أمثلة على أسلوب المشاكلة في القرآن الكريم وعدم جواز إفراد الاسم منها
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
قال العلماء: لا يجوز أن تسميه [الله] الخادع؛ لأن هذا جاء في المشاكلة ولم يأتِ [مستقلًا]، وإن كانت جملة «وهو خادعهم» هي جملة مفيدة، لكنها جاءت في نطاق المشاكلة.
﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
لم تُسمَّ [العقوبة] سيئةً إلا في مقابل السيئة التي صدرت منك، لكنها في ذاتها ليست سيئة بل مطلوبة من كل عاقل من أجل درء مادة الفساد.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]
المكر بمعنى التدبير الخفي، وكذا إلى آخره، هو [الله] منزَّه عنه، ولكن في هذا التعبير ما يُؤذِن بأن الجزاء من جنس العمل، ليس يُؤذِن بأن تُفرد اسمًا لله سبحانه وتعالى باستقلال وقد أورده مشاكلة.
النهي عن تسمية الله بأسماء وردت على سبيل المشاكلة كالخادع والماكر
لا يجوز، لا يجوز لك هذا، فلا تقل إذن: «الخادع» أو «الماكر» أو «المُمِلّ» أو «المالّ» أو ما شابه ذلك، لا تقل هذا الكلام؛ لأنها جاءت على سبيل المشاكلة.
وهذه قاعدة: أن ما لم يرد من أسماء الله الحسنى أو من أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى يُشترط فيها:
- نُمرة واحد: أن ترد المادة [في النصوص الشرعية].
- نُمرة اثنين: ألَّا تُوهِم نقصًا.
- نُمرة ثلاثة: ألَّا تُطلق على سبيل الاسم بل الصفة.
الفرق بين الاسم والصفة في حق الله تعالى ومتى تصبح الصفة اسمًا
والاسم عَلَمٌ على الذات، والصفة معنًى قائم بالذات. فلمَّا سمَّينا صفات الله أسماءً:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأعراف: 180]
الرحمن والعفوُّ والمنتقم إلى آخره، سمَّيناها كذلك لأن الصفة قد بلغت فيه سبحانه وتعالى إلى منتهاها، حتى أصبح إطلاقها دالًّا عليه فأصبحت اسمًا؛ لأن الاسم علامة على الذات، إذا ذُكر على الفور ينتقل ذهنك إلى صورة هذا الاسم.
طيب، والصفات معنًى قائم بالذات: هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود وهذا طويل وهذا رفيع وهذا قصير.
متى تصبح الصفة اسمًا وكيف ينصرف الذهن إلى الله عند إطلاق أسمائه الحسنى
متى تصبح الصفة اسمًا؟ إذا كانت تامة في المتصف بها، بحيث إذا ما أُطلقت انصرف الذهن إليه.
ما الذي إذا أُطلق انصرف الذهن إليه؟ الاسم. ولذلك تُسمَّى بأسماء الله الحسنى. الرحمن: أول ما أقول لك هكذا «الرحمن»، إلى أين سيذهب ذهنك؟ إلى الله.
عندما أقول لك: اسأل الرحيم، إلى أين يذهب ذهنك؟ أليس النبي ﷺ رحيمًا؟ انتبه! ألست أنت رحيمًا بابنك؟ لكن لا يذهب عقلك إلى ذلك؛ لأن رحمته [سبحانه وتعالى] رحمة تامة، متى أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه وتعالى، فكانت من قبيل الأسماء.
