ما معنى قول أبي سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين؟| أ.د. علي جمعة - فتاوي

ما معنى قول أبي سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين؟| أ.د. علي جمعة

4 دقائق
  • معنى قول أبي سعيد الخراز "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين" يوضح الفرق بين نوعين من العمل.
  • الرياء هو إظهار الأعمال للناس، مشتق من الرؤية، والإخلاص هو إخفاء الأعمال بعيداً عن أعين الناس.
  • العارفون بالله يظهرون أعمالهم بقصد تعليم الناس وتوضيح الأحكام ونقل الدين، مع بقاء قلوبهم متعلقة بالله.
  • لو توجهت قلوبهم لغير الله لخرجوا من دائرة العارفين.
  • الحديث النبوي يبين أن من اعتزل الناس فهو خير، ومن خالطهم وصبر على أذاهم فهو أفضل.
  • المخالطة والصبر على أذى الناس وتعليمهم هي حال الأنبياء، وأفضل من العزلة.
  • إخلاص المريدين قد يكون فيه انكفاء عن الناس وعدم رغبة في الظهور، وقد يصاحبه عُجب بالنفس.
  • ما كان نافعاً للناس أولى مما كان قاصراً على النفس.
محتويات الفيديو(4 أقسام)

معنى قول أبي سعيد الخراز رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين

يسأل سائل: ما معنى قول أبي سعيد الخرّاز: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين؟

الرياء هو أن تُظهر الأعمال، والإخلاص هو أن تُبطن هذه الأعمال فتجعلها في السر بعيدًا عن أعين الناس. وسُمّي الرياء رياءً لأن الناس تراه، فسُمّي رياءً؛ أتى من الرؤية.

فمعنى كلام أبي سعيد [الخرّاز] أن العارفين بالله سبحانه وتعالى إذا أظهروا أعمالهم أظهروها من أجل أن تتعلم الناس، ومن أجل أن يعرفوا أحكامها، ومن أجل أن ينقلوا هذا الدين لمن بعدهم بصورة لافتة للنظر.

العارف بالله لا يتوجه قلبه لغير الله عند إظهار العمل للتعليم

ولا يعني [إظهار العمل] أن قلبه قد توجّه لغير الله؛ لأنه لو توجّه لغير الله خرج عن كونه من العارفين. وهذا الذي نتكلم عنه رجلٌ تعلّق قلبه بالله، لكنه يُرِي الإنسانَ والناسَ عملَه، فيكون رياء العارفين من أجل التعليم.

وكم من إمام من الأئمة نوى العزلة والبعد عن الناس فأُمِر بأن ينزل إلى الناس وأن يعلّمهم. هو يريد طبقًا لمرادات نفسه أن يعتزل وأن يبعد عن الناس، أن يبعد عن الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منه شيئًا أعلى [وهو تعليم الناس ونفعهم].

حديث النبي في المفاضلة بين العزلة ومخالطة الناس والصبر على أذاهم

وأخرج البُستي في [كتاب] العزلة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «من اعتزل الناس فهو خير، ومن خالطهم وصبر على أذاهم فهو أفضل»

إذن، العزلة قد تكون خيرًا يفرّ الرجل بدينه من الفتن، ولكن حال الأنبياء المخالطةُ والصبر على أذى الناس، وعلى تعليمهم، وعلى تبليغهم.

قال ﷺ: «بلّغوا عنّي ولو آية» [رواه البخاري]

فهذا هو رياء العارفين: أن يُرِيَ الناسَ عباداته حتى يتعلّموا منه، حتى ينقلوا هذا الدين لمن بعدهم، فينظر إليه الصغير والكبير، ومن جعله حجة، ومن ظنّ فيه الولاية.

إخلاص المريدين قد يشوبه العجب بالنفس وهو أقل درجة من نفع الناس

فـإخلاص المريدين وهو [أن يكون المريد] منكفًّا عن الناس لا يريد أن يُظهر [عمله]، إلا أنه قد يُعجَب بنفسه ويقول: نعم يا فتى، اليوم قمتُ الليل وأدّيتُ الأوراد كلها مائة مائة، ويعمل لروحه هكذا [يُزكّي نفسه].

والعُجب يكون درجة أقل من مراد التعليم والصبر على أذى الناس. فيكون رياء العارفين بهذا المعنى حتى تتّسق كلمة "رياء" التي تعني الرؤية، و"العارفين" الذي يعني تعلّق القلب بالله، هو أفضل وأعلى من إخلاصٍ في الخفاء قد يختصّ [صاحبه] بنفسه حتى من غير رياء ولا عُجب.

إلا أنّ ما كان نافعًا للناس فهو أولى مما كان قاصرًا على نفسه. فهذا هو معنى قول أبي سعيد [الخرّاز] رحمه الله تعالى في هذا الشأن.