ما موقفنا من معاوية بن أبي سفيان؟ وهل نترضى عليه؟ | أ.د علي جمعة - فتاوي

ما موقفنا من معاوية بن أبي سفيان؟ وهل نترضى عليه؟ | أ.د علي جمعة

18 دقيقة
  • معاوية بن أبي سفيان صحابي من الرواة الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كاتباً له سواء للرسائل أو للوحي على خلاف بين العلماء.
  • يجب أن نقول عنه "سيدنا معاوية" ونترضى عليه لأنه من الصحابة الكرام الذين لهم مكانة عالية.
  • الحق كان مع سيدنا علي في الخلاف الذي وقع بينهما كما أخرج الإمام أحمد.
  • ينبغي التفريق بين الفعل والفاعل، فنكره الفعل ولا نكره الفاعل.
  • الفرق بين أهل السنة والخوارج أن الخوارج يكرهون الفعل والفاعل، بينما أهل السنة يكرهون الفعل ويحبون الفاعل لإنسانيته أو إسلامه.
  • روى الإمام النسائي حديث "لا أشبع الله له بطناً" عن معاوية لأنه كان يأكل كثيراً وتأخر عن النبي.
  • من فضائل عمرو بن العاص أن حسنات سكان مصر في ميزانه يوم القيامة لأنه فتح مصر ودخل الإسلام فيها.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

موقفنا من معاوية بن أبي سفيان وحكم الترضي عليه وإطلاق السيادة

ما موقفنا من معاوية بن أبي سفيان؟ هل يجوز الترضي عليه وإطلاق لفظ السيادة عليه؟

معاوية بن أبي سفيان صحابي، ومعاوية بن أبي سفيان من الرواة، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل الرواة في حد الثقة لدينا مائة وأربعة عشر ألف صحابي، نعرف منهم تحت أيدينا أسماء تسعة آلاف ونصف الألف خمسمائة بالسيدات أيضًا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وبقية أسماء المائة وأربعة عشر ألف صحابي لا نعرفهم.

هؤلاء التسعة آلاف صحابي منهم ألف وسبعمائة رووا الأحاديث، ومنهم الذي روى حديثًا واحدًا فقط وهؤلاء كثيرون، عاش حياته كلها يروي حديثًا واحدًا فقط، وبروايته يصبح عدلًا، انتهى الأمر.

معاوية بن أبي سفيان من كتبة رسول الله والخلاف في طبيعة كتابته

فسيدنا معاوية ممن روى، ثم إن سيدنا معاوية ممن كتب. كتبَ ماذا إذن؟ تكلم العلماء؛ فبعضهم يقول لك: كتب الوحي، وهذا ما يقتضيه حديث مسلم. وبعضهم يقول: لا، بل كان كاتبًا للرسائل وليس للوحي.

المعنى واحد أنه كتب لرسول الله، يعني جالسه وأملاه وهكذا، ووثق فيه أنه سيقول له الكلام فيكتبه. إذن فهو مؤتمن؛ فهو إذا كان كاتب رسول الله أو كان كاتب الوحي، هناك خلاف في التحقيقات، سواء كان هكذا أو ذاك فهو من الرواة وهو من الكتبة.

فيجب علينا أن نقول عنه سيدنا معاوية ابن سيدنا أبي سفيان؛ لأن الصحابة الكرام عندنا في الدرجة الأولى.

سبب إثارة السؤال عن معاوية وموقف الشيعة من الصحابة

ثم إنه ما الذي أتى بهذا السؤال؟ لأن إخواننا الشيعة ليسوا راضين؛ فهم لا يعجبهم أننا نقول سيدنا، ولا أن نترضى، ولا أن نفعل، ولا أن نسوّي، إلى آخره.

لماذا؟ بسبب خلافات حدثت بين سيدنا معاوية وبين سيدنا علي.

ومع مَن كان الحق؟ مع سيدنا علي. أخرج الإمام أحمد: الحق مع علي أينما دار، وانتهى الأمر، الحق مع علي، انتهينا.

وهل كل شخص يختلف مع من معه الحق يعني أنه لا نقول عليه سيدنا ولا رضي الله عنه؟ نحن مع سيدنا علي، سيدنا علي هذا شيء آخر.

مكانة سيدنا علي بن أبي طالب وخصائصه عند العلماء

قال عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]: قضية ولا أبا حسن لها، الله!

عندما ألَّف النسائي في خصائص علي، جمع بعض الأحاديث هكذا في سيدنا علي:

قال النبي ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»

وسدّ كل الأبواب في المسجد إلا باب علي أبدًا مفتوح، كل الأبواب حتى باب أبي بكر سُدّ، لكن باب سيدنا علي لا يُسدّ لمكانة فاطمة عليها السلام.

فهل ربنا سيجعل فاطمة البتول بنت الحُبابة رضي الله تعالى عنهم تتزوج أيّ أحد هكذا؟ لقد كان [سيدنا علي] أول من أسلم. فنحن مع سيدنا علي، إنما لا نتهور على الصحابة، هذا عيب.

سبب اتباع جمهور البشر لأهل السنة والجماعة وموقفهم من الصحابة

وهو [عدم التهور على الصحابة] الذي جعل جمهور البشر يتبعون أهل السنة والجماعة؛ لأنهم رأوا فيهم العقل، ورأوا فيهم القواعد العلمية، ورأوا فيهم الاحترام والأدب.

أما ذاك الذي يشتم الصحابة ويحتقر الصحابة، فالصحابة الكرام قد ألف فيهم الإمام النسائي كتاب «خصائص علي»، فهاجمه بعض الناصبة.

وهؤلاء الناصبة هم مَن؟ هم الذين يناصبون أهل البيت العداء والعياذ بالله تعالى.

حب أهل السنة لأهل البيت ومطالبة النسائي بتأليف خصائص معاوية

نحن نحب سيدنا [النبي ﷺ] ونحب أهله، ونذوب فيهم مثل ذوبان السكر في الشاي، أعجبه مَن أعجبه، ومَن لم يعجبه فهذا شأنه هو حر، فليعش حياته.

نعم، فقالوا للإمام النسائي لأبي عبد الرحمن: ألَّفت في خصائص علي، فألِّف في خصائص معاوية.

خصائص معاوية كيف ذلك فأنا لا أتذكر؟ هل قال النبي شيئًا في معاوية؟ حسنًا، أخبروني ما هي؟

أحاديث النبي في فضائل سيدنا علي وكتاب مناقب الصحابة للإمام أحمد

لقد قال النبي الكثير في علي فقال:

قال النبي ﷺ: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»

وقال ﷺ: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»

وقال ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»

وقال ﷺ: «الحق مع علي أينما دار»

وقال أشياء كثيرة هكذا. الإمام أحمد عندما صنّف كتاب «مناقب الصحابة»، جعل ثلاثة أرباع الكتاب في سيدنا علي، والربع الباقي في بقية الصحابة.

هل سيدنا علي بسيط؟ هذا هو سيدنا علي! فلماذا أسموني عليًّا إذن؟ إنه لأجل التبرك بسيدنا علي، يا الله ما هذا؟

حديث لا أشبع الله له بطنًا وقصة تأخر معاوية عن كتابة الرسالة

وماذا عن سيدنا معاوية؟ قال [النسائي] لهم: والله ما أنا أتذكر شيئًا، انتظروا، لقد تذكرت حديثًا. قالوا له: نعم، هاته هاته. قال إن النبي قال فيه:

قال النبي ﷺ: «لا أشبع الله له بطنًا»

هذه صعبة! قالوا: حسنًا، هل من حديث آخر؟ قال: لا أتذكر، ليس لدي إلا هذا.

وما قصته؟ القصة أن النبي كان يريد أن يكتب شيئًا، رسالة ما أو شيء من هذا القبيل، فأرسل في طلب سيدنا معاوية لأنه كان كاتب النبي. قال: اذهب ونادِ معاوية كي يكتب هذه العبارة في رسالة أو ما شابه، فذهب من أرسله ثم عاد للنبي وقال له: إنه يأكل، وعندما ينتهي من طعامه سيأتي.

تكرار إرسال النبي لمعاوية ثلاث مرات وقوله لا أشبع الله له بطنًا

قال [النبي ﷺ]: حسنًا، الطعام يستغرق عشر دقائق أو ربع ساعة، ثم إن سيدنا النبي يطلبه فعليه أن يُسرع قليلًا. مرَّ نحو ربع ساعة أو ثلث ساعة، وسيدنا النبي لم يكن لديه وقت فراغ فأرسل إليه مرة أخرى من يطلبه مرة أخرى.

انتبه الآن، من يذهب يستغرق عشر دقائق سيرًا على الأقدام، وفي العودة يستغرق عشر دقائق أخرى. فأرسل فجاء وقالوا: ما زال يأكل. قال: ما زال يأكل! لقد انقضى نحو ثلاثة أرباع من الساعة أو الساعة وما زال يأكل!

حسنًا، لا عليه، فانتظر قليلًا صلى الله عليه وسلم وأرسل الغلام للمرة الثالثة، فجاء وقال له: إنه ما زال يأكل. قال له:

قال النبي ﷺ: «لا أشبع الله له بطنًا»

كم حجم بطنه هذا لكي يفعل كل هذا؟

سمنة معاوية رضي الله عنه وقصة اختراعه للكنافة

كان سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه سمينًا، كان سمينًا جدًّا من كثرة الأكل. حتى ورد في الأخبار أنه هو الذي صنع الكنافة التي نأكلها في رمضان هذه، هو الذي صنعها.

كان يأتي بها ويضع فيها السمن والعسل وما إلى ذلك لكي يشبع؛ لأنه سمين جدًّا بطبيعته، أي أن وزنه مئتان كيلو، مئتان وثلاثون كيلو تقريبًا، يعني وزنه ليس مئة وثلاثين، لا، بل هو سمين جدًّا.

وجوب الترضي عن معاوية والتفريق بين الفعل والفاعل عند أهل السنة

إذن نقول سيدنا ونقول رضي الله تعالى عنه ونروي عنه لأنه عدل ونحترمه في جملة الصحابة.

لكن نفرق بين الفعل والفاعل دائمًا يا إخواني. فالفرق بيننا وبين الخوارج أنهم يكرهون الفاعل، بينما نحن نكره الفعل [أي المعصية].

شخص عصى وارتكب خطيئة، أنا أكره الخطيئة جدًّا، لا تعجبني وأتمنى ألا أقع فيها وأنهى عنها، ولو وقعت فيها يكون مستوجبًا للتوبة. إنما هذا المخطئ أتمنى له أن يعود وأحبه مثل ابني. ابني إذا أخطأ هل سأكرهه أم سأقوم بمعالجته والعطف عليه والدعاء له؟

خطأ الخلط بين حب الفاعل وإجازة المعصية وقسوة القلوب عند بعض الناس

وهكذا هؤلاء الناس لا يفهمون الفرق بين الفعل والفاعل، ولذلك كلما نُظهر الحب للفاعل لأنه إنسان يقولون: الحقوا، الشيخ أجاز المعصية! يا لكم من أولاد، كيف أجيز المعصية؟

إن هذه المعصية من القاذورات، وكل الخطايا من شعب الكفر؛ لأن فيها غفلة عن الله. لكن عندهم قسوة في القلوب للعصاة وهم أنفسهم يفعلون المعصية في الخفاء، من فعل الله فيهم، وبعد ذلك يُفضحون أمام الناس.

والأمر مليء بكل هذا الخلل في فهم النبي ﷺ. يجب علينا أن نفهم سيدنا النبي: أُفرِّق ما بين الفعل وأُنكره، وما بين الفاعل [فأرحمه وأدعو له].

الموقف الشرعي من خطأ معاوية والوقوف مع الحق في الفتنة

سيدنا معاوية له وجهة نظر وله فعل خرج عن الحاكم الشرعي [سيدنا علي] فهو خطأ، فهو مرفوض. فنقول له: لا، ولو كنا في أيامها لوقفنا مع سيدنا علي.

هناك أناس اعتزلت الفتنة؛ سلمة بن الأكوع ذهب وأحضر سيفه وكسر حدّه، فقالوا له: ماذا تفعل؟ فقال: سأذهب إلى البادية.

فقالوا له: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول أنه نهى عن التبدّي بعد الحضر؟ لا يصح أن تكون في البدو ثم جئت إلى الحضر واستقررت ثم ترجع إلى البدو مرة أخرى؛ لا توجد مياه ولا توجد وسائل الحياة حتى الشرعية منها غير متاحة.

استثناء الفتن من النهي عن التبدي والأمر بالفرار منها

ولذلك قال [النبي ﷺ] لهم: لا ترجعوا إلى البادية ثانيةً. قال [الصحابي] له: ألم تسمع بعدها أن قال: إلا في الفتن؟

فسلمة [بن الأكوع] حفظ الحديث كله: احذر أن تذهب إلى البادية مرة ثانية إلا في الفتن.

وماذا نفعل وقت الفتن هذه؟ فالهرب الهرب!

قال النبي ﷺ: «من كان له أرض فليلحق بأرضه، ومن كان له بقر فليلحق ببقره، ومن كان له إبل فليلحق بإبله»

التفريق بين الفعل والفاعل ومعاملة العاصي بالرحمة والتربية

دائمًا فرّقوا بين الفعل والفاعل، وأحبوا الفاعل لإنسانيته أو لإسلامه أو لأعماله الخيّرة، واكرهوا المعصية وصدّوها وردّوها وأنكروها، وربّوا أولادكم على غيرها، على الطاعة.

أما العاصي فأين نرسله؟ أنلقيه إلى الحوت؟ لا، لا نلقه للحوت، بل نربّيه ونسامحه ونمنحه فرصة ثانية وثالثة وهكذا.

كتاب ابن حجر الهيتمي في الدفاع عن معاوية وموقف بعض المشايخ منه

وفي ذلك ألف ابن حجر الهيتمي كتابًا ماتعًا كبيرًا في الدفاع عن سيدنا معاوية وفي إقرار ما ذكرناه مما عليه أهل السنة والجماعة.

هناك بعض مشايخنا الذين تلقينا عنهم العلم كانوا لا يقولون سيدنا، بل يقولون: معاوية بن أبي سفيان. أتدرك؟ هم غاضبون منه.

فواحد من مشايخنا هؤلاء جاء ولم يكن أبدًا يرضى أن يخطب في مسجد عمرو بن العاص. فنقول له: لماذا يا مولانا؟ يقول: إنه من جماعة معاوية، من جماعة معاوية! غاضبٌ كما لو كانوا يعيشون، وهو غاضبٌ منه لأنه لم يقف مع سيدنا علي ووقف مع سيدنا معاوية.

رؤيا عمرو بن العاص وحسنات أهل مصر في ميزانه يوم القيامة

فجاءه عمرو [بن العاص] في المنام، عمرو بن العاص، وقال له: لِمَ لا تخطب في مسجدي؟ قال له: لأنك من جماعة معاوية، ولست واقفًا مع علي.

قال له: ألا تعلم أن حسنات سكان مصر في ميزاني يوم القيامة؟ فهو [عمرو بن العاص] من أدخل الإسلام في مصر، وتوالى انتشار الإسلام حتى أصبح أغلب الشعب من المسلمين، والمسلمون جالسون يصلون ويصومون وغير ذلك إلى آخره.

قال النبي ﷺ: «من سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين»

يصبح معه كم؟ لديه الآن تسعون مليونًا، لِنقل منهم ثمانون من المسلمين، ثمانون مليون مصلٍّ في ميزان عمرو بن العاص غير الملايين الأخرى.

فقام [الشيخ] من النوم وأخذ خطابة عمرو بن العاص مباشرةً، وظل يخطب فيه رحمه الله مدة مديدة.