ما هو أساس العلاقة بين المسلم وغير المسلم؟ أ.د/ علي جمعة | أفيقوا يرحمكم الله |
- •العلاقة بين المسلم وغير المسلم هي الدعوة، وليست الحرب أو السلم، فإذا تُرك المسلم يدعو إلى الله، ترك الآخرين.
- •القرآن يؤكد مبدأ عدم الإكراه في الدين، وأن على الرسول البلاغ فقط.
- •المسلمون لم يبيدوا شعوباً كما فعل الغرب، ولم يمارسوا الاستعمار بمفهوم نهب خيرات البلاد.
- •الأمة انتقلت من قابلية الاستعمار إلى قابلية الاستحمار، وعليها أن تغير ما بنفسها حتى يغير الله حالها.
- •كلام الإمام الشافعي كان زمنياً، وليس تشريعاً دائماً، والفهم الصحيح يتطلب التفريق بين الأحكام القضائية والتشريعية.
- •يجب فهم أقوال النبي ﷺ بحسب سياقها: كمفتٍ أو قاضٍ أو قائد أو نبي.
- •الظروف الزمنية تغيرت، فما كان قديماً من أحكام زمنية ينبغي فهمه في سياقه دون سحبه على الواقع المعاصر.
- •العلاقة الأساسية مع غير المسلمين تقوم على إباحة الدعوة مع اعتبار المقاصد الشرعية والمصالح المرعية.
العلاقة بين المسلم وغير المسلم أساسها الدعوة لا الحرب ولا السلم
سؤال: ماذا يقول الإمام الشافعي [في العلاقة بين المسلم وغير المسلم]؟
لا، هي القضية [أن] العلاقة بين المسلم وغير المسلم هي الدعوة، لا الحرب ولا السلم. العلاقة هي الدعوة؛ اتركني أدعو إلى الله. قال [غير المسلم]: تركتك، خلاص لا سلطان لي عليك.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
يا أخي، القرآن كله يا أخي يقول هكذا! فالعلاقة بيني وبين الآخر إنما هي الدعوة.
نجاح الدعوة الإسلامية في مراكز واشنطن وإنجلترا وطوكيو
فمكّنني من الدعوة، عملي [في إنشاء] مراكز [إسلامية]؛ أذهب، عملتُ مركزًا سنة اثنتين وأربعين في واشنطن، ومركزًا في إنجلترا، ومركزًا في طوكيو. كلهم قالوا: أهلًا وسهلًا، تعال واعرض قولك.
فأسلم [كثيرون] على أيدينا، [ومن لم يُسلم] ما تسلّم [أي لم يُجبر]، لم يعذّبوهم ولم يجعلوهم كما فعلوا مع بلال [رضي الله عنه حين كان يقول]: أحدٌ أحد، ولم يفتنوهم في دينهم.
الرد على شبهة انتشار الإسلام بالسيف بالأدلة التاريخية
وإنما قالوا [أي المشككون]: هذا دين متخلف انتشر بالسيف. هات، قل!
﴿هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
وما نرد عليه؟ أقول له: كلامك باطل، ما أبدنا شعوبًا! هل أباد المسلمون على مرّ تاريخهم شعوبًا كما فعلتم في تسمانيا، ومع الهنود الحمر في أمريكا، ومع الزولو والبوير في إفريقيا؟ والله أبدًا!
الفرق بين الفتح الإسلامي والاستعمار الغربي الذي نهب خيرات البلاد
وما قمنا باستعمار أحد؛ جئنا في مصر، سكنّا في مصر، جلسنا فيها نعيش، نبني الأسرة، ننجب. لكن الاستعمار [الحقيقي] أن تأخذ خيرات البلاد وتذهب بها إلى بناء المترو في لندن، وهذا الذي حدث.
إنجلترا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا، سبع دول منذ ألف وثمانمائة [ميلادية] وهم يستعمرون العالم.
مقولة مالك بن نبي في قابلية الاستعمار ومسؤولية الأمة عن واقعها
يقول مالك بن نبي: وما استعمرونا إلا أن فينا قابلية الاستعمار. يبقى نحن مخطئون أننا رضينا بهذا الاستعمار؛ لو كنا أشعلنا الدنيا عليهم وقلنا لهم: نحن لا نُستعمر، كان انتهى الاستعمار.
لكن لا، نحن رحّبنا بهم وفعلنا لهم هكذا وتعالوا! قابلية الاستعمار.
الانتقال من قابلية الاستعمار إلى قابلية الاستحمار عند علي شريعتي
وذهبت قابلية الاستعمار بحركات التحرر، فانتقلنا إلى قابلية الاستحمار. تركنا قابلية الاستعمار إلى قابلية الاستحمار، وكأننا قد سُلبت عقولنا! كل شيء فيه مؤامرة، وكل شيء فيه نحن لسنا مخطئين، ولا [نعترف أن] نحن الذين غلطانين أبدًا!
بنفسك ثم بمن يليك:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
يبقى إذن علينا أن نفهم أنه كما خرجنا من قابلية الاستعمار، يجب علينا الآن أن نخرج من قابلية الاستحمار.
مصطلح الاستحمار عند علي شريعتي ومالك بن نبي ودعوة العقل والرسالة
وهذا لفظ رجل مفكر شيعي اسمه علي شريعتي، علي شريعتي الذي [صاغ مصطلح] الاستحمار، أي التحول إلى حمير. مالك بن نبي لقد جلب لنا قابلية الاستعمار، وعلي شريعتي جلب لنا قابلية الاستحمار.
ومات علي شريعتي منذ زمان، اغتالوه لأنه كان ضد هؤلاء الناس.
إذن يجب علينا أن نكون عقلاء، متى نكون عقلاء؟
عندما نعيش برسالة رسول الله ﷺ وليس لنا باب سواه، صلى الله عليه وسلم.
الأصل بين المسلم والآخر الدعوة وكلام الشافعي كلام زمني
الأصل بين المسلم والآخر هو الدعوة، لا الحرب ولا السلم. فإن تركونا ندعو إلى الله على بصيرة تركناهم، وإن عاكسونا عاكسناهم؛ لأن الأصل هو الدعوة.
إذن، فكلام سيدنا الإمام الشافعي [في مسألة العلاقة مع غير المسلمين] كلام زمني، ونحن عندنا عدة أشياء يجب أن نفهم من خلالها الأمور.
تصرفات النبي بين القضاء والتشريع وتفصيل الإمام القرافي لذلك
أولها القضاء؛ فالنبي ﷺ في بعض الأحيان يصدر منه الحكم قضاءً وليس تشريعًا، فهو متصل بقضية معينة لها بداية ونهاية، ولها حكم يقع على هذا الشخص بالذات.
فالقضاء هو أحد الأدوات التي بها الفهم أن هذا من القضاء. ويفصّل الإمام القرافي هذا [في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام]:
- •النبي ﷺ باعتباره مفتيًا.
- •النبي ﷺ باعتباره قاضيًا.
- •النبي ﷺ باعتباره قائدًا.
- •النبي ﷺ باعتباره نبيًّا عليه الصلاة والسلام.
الزمنية في الأحكام وتغير خريطة العالم وأثرها على تقديم الجهاد
ثانيًا: الزمنية؛ فقد يكون في زمن ما خريطة العالم تقتضي علينا أن نقدّم الجهاد. فإذا رأينا ديارًا هي ديار كفر يُهان فيها المصحف، ويُقتل فيها المسلم، ويُحمل حملًا على الارتداد، فيحذّر العلماء من ذهاب الإنسان المسلم بالمصحف إلى تلك الديار حتى لا يُهان.
فهذا أمر زمني؛ فإذا تغيّر وطُبع المصحف في ديارهم أبدع مما يُطبع في ديارنا، إذا زال الذي [كان] بيني وبينه [من موانع].
تحقق حقوق المسلمين في ديار غير المسلمين وتغير الواقع الزمني
طالبتهم بوجود مقبرة للمسلمين فأذنوا، طالبتهم بالجنسية فرضوا، طالبتهم بالذبح الحلال فأباحوا. خلاص، يعني هذا أصبحت ديار غير المسلمين، ولكنها سمحت لنا بالإقامة وبالتعلم وبالسعي على الأرزاق وبتنفيذ أحوالنا وبصلواتنا، وهكذا.
فإذن هناك أمور زمنية؛ فالإمام الشافعي قد عاش في زمن يقاتلنا العالمُ كلُّه من شرقنا وغربنا يُقاتلنا.
تغير مفهوم الرابطة الدينية في العصر الحديث وأثره على العلاقات
وكان [الإمام الشافعي] في زمنٍ يُسمّونه عصور الإيمان؛ كلُّ الأرض مؤمنة، ليس هناك في الأرض مُلحدٌ إلا قليلٌ من الفلاسفة. لكن إذا قابلتَ إنسانًا من الشرق أو من الغرب وقلتَ له: ما دينُك؟ هذا سؤالٌ عادي.
الآن أصبح عيبًا أن تسأل الإنسان ما دينُك؛ لأنه ليست هناك رابطة على أساس الدين، بل الموجود الآن هو الرابطة على أساس القوميات والوطنيات وما شابه، أو الرابطة على أساس المصالح. فما شأنك أنت وما شأن الدين؟ هكذا عندهم! يعني في الفكر الحديث.
الأمور الزمنية تتغير وليست من مكونات الدين بل من مكونات العصر
هذه أمور زمنية تتغير من زمان إلى زمان، وليست أمورًا هي من مكونات الدين، بل هي من مكونات الزمان والعصر. فإذا تغيّرت تغيّرنا معها حتى نصل إلى المقاصد الشرعية والمصالح المرعية بالمآلات المعتبرة. هذا هو.
فكثير من الناس يغيب عنهم القضاء ويغيب عنهم الزمنية أو المعاصرة، ويحملون كلام الأقدمين الأكابر ويسحبونه على الحاضر دون وعي بالفارق بينهما، وهناك فارق. فلا بد علينا أن ننتبه لهذا؛ لأنه هذه مفاتيح الحقيقة.
كلام الشافعي زمني وليس محل اتفاق والعلاقة قائمة على إباحة الدعوة
نعم، الشافعي قال، والشافعي بالذات، لكنه ليس محل اتفاق. لكنهم [العلماء] قالوا [ذلك] لزمنٍ ليس فيه أي ضوء أنهم [غير المسلمين] سيغيّرون أنفسهم. إذن فهذا نفعل معه هكذا [أي نجاهدهم].
[لكن] تغيّرت الدنيا تغيّرًا تامًّا، نرجع إلى سيدنا [رسول الله ﷺ] ونرى ما هي أهداف الشريعة ومقاصدها، ونرى أن العلاقة بين المسلم وغير المسلم قائمة على إباحة الدعوة، والله أعلم.
