ما هى قصة السيدة مارية القبطية ولماذا تصر الكتب على تسميتها جارية ؟ | أ.د. علي جمعة
- •مارية القبطية أرسلها المقوقس حاكم مصر للنبي صلى الله عليه وسلم مع أختها سيرين وهدايا أخرى كالبغلة دلدل وعسل من بنها.
- •أسلمت مارية عند عرض الإسلام عليها، بينما بقيت سيرين على مسيحيتها، فاستخلص النبي مارية لنفسه وأعطى سيرين للحسان بن ثابت.
- •أسكن النبي مارية في العالية قرب قباء، وأنجبت له ابنه إبراهيم الذي توفي وهو ابن سنتين.
- •عند ولادة إبراهيم، قال النبي: "أعتقها ولدها"، لأن أم الولد تُعتق بعد وفاة سيدها حتى لا يرثها ابنها.
- •لما توفي إبراهيم قبل النبي، ظلت مارية على حالها كملك يمين.
- •بعد وفاة النبي، لم تُوزع مارية في التركة ولم تتزوج بعده باتفاق الصحابة.
- •اختلف العلماء في عدّها من أمهات المؤمنين، فالبعض لا يعدها منهن لأنها ملك يمين، لكن حكمها كان كحكمهن من حيث تحريم الزواج بعد النبي.
قصة السيدة مارية القبطية وإرسال المقوقس لها إلى النبي ﷺ
أريد أن أعرف قصة السيدة مارية، ولماذا تُصِرُّ الكتب على أنها جارية؟
السيدة مارية القبطية أرسلها المقوقس حاكم مصر لسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يستشعرون أنه نبيٌّ، وأنه هو الذي بشَّرت به الكتب السابقة. فأرسل له سيرين ومارية، وأرسل له بغلة اسمها دُلدُل، وأرسل له زِقًّا -يعني جرَّة- من عسل من بِنها.
التي هي بِنها هذه التي نقول عنها ماذا؟ بِنها، هي كانت وقتها اسمها بِنها بالكسر، كما أفاد شارح القاموس. ولذلك نقول عنها البِنهاوي وليس البَنهاوي، ولو قلت البَنهاوي أيضًا مقبولة. لكنها بِنها العسل؛ بِنها العسل لأنها أرسلت العسل لسيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم.
إسلام مارية وبقاء أختها سيرين على المسيحية وتوزيعهما
فلما جاء [المبعوث بمارية وأختها] عرض الإسلام عليهما، على مارية وأختها سيرين. فأسلمت مارية، وقالت مارية: نحن نفهم هذا الكلام، وأشهد أن لا إله إلا الله. وقالت سيرين: والله أنا غريبة ولست أعرف ما الحكاية بالضبط، لست أفهمها جيدًا. فظلَّت [سيرين] على مسيحيتها.
فاستخلص [النبي ﷺ] مارية لنفسه، وأعطى سيرين لحسَّان بن ثابت الشاعر. فلما أسلمت مارية رضي الله عنها أسكنها العالية. والعالية هذه من المسجد [النبوي]، عندما تذهبون -كتب الله لكم الزيارة- وأنتم ذاهبون إلى قباء، العالية قبل قباء مباشرة هكذا، هي العوالي. فسكنت [مارية] في العوالي، وكانت يختلف إليها النبي ﷺ، يعني لم تكن في حجرات أمهات المؤمنين.
ولادة إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية ووفاته وحكمة ذلك
فحملت [مارية] وولدت له ﷺ ولدًا اسمه إبراهيم. وعندما حكم الله على سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ليس أبًا لأحدٍ منا:
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]
حكم [الله تعالى بأن] مات كل ذكوره في حياته. قالوا: لأنه لو بقي [أحدهم] لنبَّأه الله؛ فهو خاتم النبيين. فعلَّة موت الصبيان هو عدم استمرار النبوة.
فمات أولاده ومنهم إبراهيم الذي مات وهو ابن سنتين. فلما مات إبراهيم بكى رسول الله ﷺ، وهذا يُعلِّمنا أن البكاء أمرٌ طبيعي، وقال ﷺ:
«إنَّ القلبَ ليحزنُ، وإنَّ العينَ لتدمعُ، ولا نقولُ ما يُغضِبُ الربَّ»
وفي رواية: «ما يُغضِبُ الله».
حكم أم الولد في الفقه الإسلامي وعتق مارية بولادة إبراهيم
عندما أنجب [النبي ﷺ] إبراهيم من مارية قال: أعتقها ولدُها؛ لأن أم الولد تُعتَق في الفقه الإسلامي وفي الشريعة الإسلامية.
ما معنى أم الولد؟ جارية فأنجبت مني ولدًا، هذا الولد بعد وفاتي سيصبح ابنًا من أبنائي وسيرث. ماذا سيرث؟ سيرث أمَّه؛ لأن أمَّه من عالم الأشياء. هذا هو فكر الرِّق؛ أن العبد والعبدة من عالم الأشياء، أي يُباع ويُشترى ويُتَّخذ منهما، إنهم من عالم الأشياء وليسوا من عالم الأحرار بهذا الشكل.
هذا الولد سيمتلك جزءًا من أمِّه، وهذا لا يصح. إذن ماذا سيحدث؟ أول عندما أموت، من هنا تُعتَق هي، من هنا تُعتَق، يعني تُحرَّر وتصبح حرَّة؛ حتى لا يرثها، حتى لا يرثها ابنُها.
بقاء مارية على الرق بعد وفاة إبراهيم وحتى وفاة النبي ﷺ
فقال [النبي ﷺ]: أعتقها ولدُها، عندما كان الولد حيًّا. سيدنا إبراهيم الولد مات، خلاص. فهي ما زالت على الرِّق، لم تخرج من الرِّق، بل تخرج منه بوفاة رسول الله ﷺ.
لكن رسول الله ﷺ كان لا يزال حيًّا، والولد مات قبل رسول الله ﷺ. سيدنا إبراهيم عليه السلام كان طفلًا صغيرًا عمره سنتان تقريبًا، فعندما مات لم ترجع [مارية إلى الحرية]، بل هي مستمرة في كونها ملك يمين.
لكن علماءنا واختيارنا أنها لا بأس أن تُعَدَّ من أمهات المؤمنين، والحكم [الشرعي] جارٍ عليها [بأنها ملك يمين].
حكم مارية بعد وفاة النبي ﷺ وعدها من أمهات المؤمنين حكمًا لا درجة
فلما مات رسول الله ﷺ لم تُوزَّع [مارية] في التركة، ولما مات رسول الله ﷺ لم تتزوج غيره؛ لأنها تأخذ حكم أمهات المؤمنين. وأمهات المؤمنين يحرم عليهن [الزواج بعده ﷺ]، بل ويقع العقد باطلًا إذا تزوجت واحدة منهن أيَّ أحدٍ بعد رسول الله ﷺ، العقد باطل. كما أنه لا يوجد مثل هذا ولم يحدث.
ومنهن مارية، مارية لم تتزوج، وباتفاقها واتفاق الصحابة جميعًا على أنها لا تتزوج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا محل اتفاق وإجماع من الأمة.
إذن من هذا المنطلق، ولأنها لم تتزوج، أصبحت كأنها من أمهات المؤمنين. فتجد كثيرًا من الكتب عندما تعدُّ أمهات المؤمنين تقول: فترك تسعًا، ولا يعدُّونها.
لماذا لا يَعُدُّون مارية [من أمهات المؤمنين]؟ لأنها ملك يمين، لكنها حكمها حكمهم. فالحكم واحد، ولكن الدرجة مختلفة.
