ما هي الكيفية الصحيحة لطلب العلم؟ أ.د/ علي جمعة | أفيقوا يرحمكم الله |
- •ذكر الشافعي أن العلم يُنال بستة أمور: ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة وإرشاد أستاذ وطول زمان.
- •الحرص يعني المداومة على مذاكرة العلم والكتب والدروس والحفظ والتدريس والتأليف.
- •الاجتهاد ضروري كما فعل الإمام النووي الذي كان يدرس اثني عشر علماً يومياً ويجهد نفسه حتى أنه لم ينم على جنبه لسنتين.
- •البُلغة تعني التفرغ وتوفير حاجات المعيشة الأساسية للتفرغ للعلم.
- •لا بد من وجود أستاذ يرشد الطالب، فلا تكفي القراءة من الكتب وحدها.
- •طول الزمان ضروري، فالعلم لا يُنال بالتعجل أو في وقت قصير.
- •العلم يحتاج إلى تأصيل ثم علوم مساعدة للفهم ثم تخصص.
- •أركان العلم خمسة: الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي.
- •العلماء الكبار مثل النووي وابن حجر العسقلاني والفيروزآبادي اجتهدوا وصبروا وتخصصوا في علومهم.
أبيات الإمام الشافعي في الشروط الستة لنيل العلم
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
أخي، لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تفصيلها ببيان: ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة، وإرشاد أستاذ وطول زمان.
فهذه ستة شروط لنيل العلم، وسنتناولها بالتفصيل واحدة تلو الأخرى.
الشرط الأول والثاني: الذكاء والحرص على العلم ومداومته
أولًا: الذكاء، والحمد لله متوفر.
ثانيًا: الحرص، والحرص معناه الاستمرار؛ فداوِم للعلم مذاكرة، فحياة العلم مذاكرته. يكون [طالب العلم] حريصًا على الكتاب، وحريصًا على الدروس، وحريصًا على الحفظ، وحريصًا على التدريس والتأليف، وحريصًا على الطلب.
من غير هذا الحرص يضيع عليك خير كثير.
سر حفظ الإمام البخاري وكثرة مداومته النظر في الكتب
وكان الإمام البخاري رحمه الله يقول عندما يسألونه عن حفظه، كان يقول: بكثرة مداومة النظر إلى الكتب.
فكان دائمًا ينظر إلى الكتب ويراجع، ولذلك كان يحفظ هذا الحفظ الغريب الذي أقرّ به القاصي والداني.
الشرط الثالث: الاجتهاد وقصة الإمام النووي في طلب العلم
ثالثًا: الاجتهاد. كان الإمام النووي رحمه الله يدرس اثني عشر علمًا كل يوم، وكان يُجهد نفسه في ذلك ولم يكن ينام على جنبه، بل كان ينام وهو جالس هكذا، ثم يستيقظ. لم ينم على جنبه لمدة سنتين.
وكان يأكل مما تصنعه أمه من خبز وفطير، فيذهب إلى نوى [بلدته] ويأتي بها ليتزود بها أربعين يومًا، وكان يصوم الدهر.
وقد حرّر المذهب [الشافعي]، وألّف تهذيب الأسماء واللغات، وشرحه على مسلم، والمجموع، والروضة، والمنهاج، شيء عجيب.
وصف هيئة الإمام النووي ونحافته الشديدة من كثرة الاجتهاد
وكان رضي الله تعالى عنه نحيفًا جدًا مثل القلم الرصاص، حتى أن أحدهم كان يأتي ليرى الإمام النووي، فيظن أنه في هيئةٍ عظيمة هكذا.
فيقول: أين الإمام النووي؟ فيقول [من بجانبه]: هذا، مشيرًا إلى من بجانبه. فيذهب إلى من بجانبه، ما هو مصدّق أن هذا [هو] الإمام [النووي].
أبيات الشعر في مدح الإمام النووي وعلو مكانته العلمية
حتى قال شاعرنا:
لقيتِ خيرًا يا نووي، ووُقيتَ من ألم النوى، فلقد نشأ بك عالمٌ لله أخلص ما نوى.
وعلى علو مكانته وفضله، فضلُ الحبوب على النوى.
فالإمام النووي عاش قليلًا وأعطى كثيرًا؛ مات وعمره خمسة وأربعون سنة، وملأ الأرض علمًا وتدقيقًا وتحقيقًا وترقيقًا وتنميقًا وتزويقًا.
وصف الإمام الباجوري لمؤلفات النووي بالتدقيق والتحقيق والتنميق
خمسة كما قال الإمام الباجوري هكذا: أنه هناك التدقيق والتحقيق، فالتدقيق فالترقيق فالتنميق فالتزويق. العبارة هكذا جميلة مزوّقة.
فالإمام النووي رضي الله تعالى عنه ألّف كثيرًا وأعطى كثيرًا، وهو ممن آثر العزوبة على الزواج من أجل العلم؛ يعني هو من العلماء الذين لم يتزوجوا.
الشرط الرابع: البُلغة وضرورة التفرغ لطلب العلم
سؤال: ما كان السؤال؟ نحن ذكرنا السؤال: كيفية طلب العلم.
بهذا الشكل: ذكاءً وحرصًا واجتهادًا وبُلغة. وهو [أي البُلغة] هو التفرغ؛ لا بد من منحة، منحة دراسة تتفرغ فيها، وإلا فليس هناك طلب للعلم. أعطِ للعلم كل وقتك يُعطِك بعضه.
بُلغة أخرى: البُلغة هي التفرغ، والبُلغة هي ما تتبلّغ به إلى المعاش من الأكل والشرب واللباس والعلاج وما إلى ذلك.
الشرط الخامس والسادس: إرشاد الأستاذ وطول الزمان في طلب العلم
ذكاء وحرص واجتهاد وتبليغ، وإرشاد أستاذ. لا بد من المشايخ؛ لا تنفع القراءة من الكتب وحدها، لا بد أن يكون هناك شيخ.
نحن لدينا: الطالب، والكتاب، والمنهج، والشيخ.
ولا بد من وقت طويل؛ فلا تتعجل.
التحذير من دعاوى تحصيل العلم في وقت قصير والرد عليها
أولئك النابتة [المتعجلون] تيك أواي، يأتي إليك ويقول لك: تعال أنا سأجعلك عالمًا في شهر. نعم، فتعرف أنه إبليس مباشرة. شهر ماذا؟
يقول لك: أنا قرأت المغني لابن قدامة في أربعين يومًا. طيب، أنا منذ أربعين سنة لم أُنهِ المجلد الأول!
يقول لي: طيب ماذا أفعل لك إذا كنت أنت غبيًا؟ حسنًا، لا بأس، لكنني أقول لك إنك رجل ضال، وهو [العلم] لا يُقرأ هكذا، والذي أنت فيه هذا ليس علمًا وإنما هو جهل.
هذا هو الحاصل الذي بنا، ماذا سنفعل؟ فصبرٌ جميلٌ والله المستعان.
أركان العلم الخمسة والجو العلمي اللازم لتحصيله
إذا كانت أركان العلم خمسة: الطالب، والأستاذ، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي الذي هو طوال الزمان؛ تذاكر مع إخوانك، وترسب وتنجح، وتحضر وتمرض وتصح، جوٌّ كهذا.
العلم: ذكاء وحرصٌ واجتهادٌ وبلاغةٌ وإرشادٌ أستاذٍ وطوال زمانٍ. بذلك يكون هناك علمٌ صحيح.
مراحل تحصيل العلم من التأصيل إلى التخصص وقصة ابن حجر
العلم يحتاج إلى تأصيلٍ، ثم إلى علومٍ مساعدةٍ للفهم، ثم إلى تخصصٍ بعد ذلك.
فالإمام ابن حجر العسقلاني يعني مال إلى الحديث، هو كان فقيهًا وكان لغويًا وقرأ على الفيروزآبادي. الفيروزآبادي وما أدراك ما الفيروزآبادي! الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط والقاموس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط.
وقد جمع الفيروزآبادي أربعين ألف مادة. فلو علمت أن القرآن والسنة كلها فيها ثلاثة آلاف وست مئة مادة، ستدرك أن ذلك يمثل عشرة في المئة فقط من لغة العرب.
كتاب الروض المألوف وتعدد أسماء الأشياء في لغة العرب
وقد ألّف الفيروزآبادي كتابًا سماه الروض المألوف فيما له اسمان في لغة العرب إلى ألوف.
وقد جُمِع فيها نحو سبعمائة اسم للأسد، والبحر والخمر نحو تسعين اسمًا للخمر في لغة العرب. جُمِع فيها ما تعدد، وكل فاكهة فإن لها في لغة العرب اسمان فأكثر. كل فاكهة هكذا، أي فاكهة لها اسمان أو أكثر، ليس هناك فاكهة لها اسم واحد.
قاعدة العرب في تكثير أسماء ما يحبون وأسماء الله الحسنى
وكانت العرب إذا أحبوا شيئًا أكثروا من أسمائه، ولذلك تجد على هذه القاعدة أسماء الله الحسنى:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
في القرآن أكثر من مائة وخمسين [اسمًا لله تعالى]، وفي السنة أكثر من مائة وستين. ولذلك كانت العرب إذا أحبت شيئًا أكثرت من أسمائه.
