ما هي ضوابط استخدام بطاقة الائتمان (الكريديت كارد) في الإسلام؟ | أ.د. علي جمعة
- •فترة السماح في بطاقات الائتمان جائزة شرعاً لأنها عقد جديد يحقق مصالح الطرفين بالتراضي.
- •يجوز إنشاء عقود جديدة في الإسلام إذا توافرت فيها شروط: تحقيق مصالح أطرافها عدم الغش والتدليس، وعدم الإضرار بالغير.
- •مشكلة بعض الفقه المعاصر محاولة إدراج كل عقد جديد تحت مسمى قديم بتكلف شديد، مما يؤدي إلى أحكام تخالف مقاصد الشريعة ومصالح الناس.
- •الأئمة العظام كانت لديهم عقلية فارقة تفرق بين الأشياء والأحداث والأشخاص والزمان والمكان.
- •الورق النقدي ليس محلاً للربا لاختلافه عن الذهب والفضة، وعلة الربا قاصرة.
- •إعداد القوة كما أمر الله يستلزم صناعات ثقيلة وشركات كبيرة وتمويلات ضخمة.
- •تحريم الشركات المساهمة دون إدراك المصالح والمقاصد الشرعية أدى إلى تخلفنا.
- •الإرهاب نشأ من عدم الفهم الصحيح للإسلام وعدم التفريق بين دور الأفراد والدول.
- •المؤمن يجب أن يكون مدركاً لشأنه عالماً بزمانه، كما في حكمة آل داود.
سؤال عن المحظور الشرعي في فترة السماح لبطاقة الائتمان وجواز إنشاء عقود جديدة
يسأل سائل فيقول: هل هناك محظور شرعي في فترة السماح التي تقدمها بطاقة الائتمان نظير مقابل؟
هذه العقود [عقود بطاقات الائتمان] جديدة، وهل يجوز أن ننشئ عقودًا جديدة في الإسلام؟ فإن الفقه الموروث أصول عقوده نحو خمس وعشرين، فهل يجوز أن ننشئ ستة وعشرين أو سبعة وعشرين أو ثلاثين؟
التوجه الفقهي المجيز لإنشاء عقود جديدة وشروط صحتها في الشريعة
في الفقه الموروث توجهان: توجه أن نعم يجوز إنشاء عقود؛ لأن العقود إنما هي لمصالح الناس ولتسيير حياتهم، ولذلك ننشئ عقدًا بحيث يكون هناك توازن بين الطرفين، وأن يحقق ذلك العقد مصالح الطرفين، وألا يشتمل على تدليس ولا غش، وأن يشتمل على فائدة بحيث ألا تضر الغير، وهكذا شروط.
فإذا توافرت هذه الشروط في العقد جاز ولو لم يكن مسمى [في الفقه القديم].
مشكلة إدراج العقود الجديدة تحت مسميات قديمة وما ينتج عنها من تكلف
مشكلة الفقه المعاصر أن بعضهم أراد أن يدرج كل عقد جديد تحت مسمى قديم، فتكلف لذلك تكلفًا بعيدًا. مرة ينجح في هذا فتخرج أحكام تضحك منها الثكلى، وتسقط منها الحبلى، ويشيب منها الأقرع؛ يعني مخالفة لمقاصد الشريعة ولمصالح الناس ولواقع الخلق.
فأصبح هذا [التخريج المتكلف] ليس كافيًا وليس حلالًا، حتى ذهب بعضهم إلى حرمة التعامل بالورق النقدي وإلى بطلان عقود الزواج في عصرنا هذا إلا أن تكون على ذهب ماضٍ حاضر سائل.
نقد من يسحب أحكام الماضي على الحاضر دون إدراك الواقع والمقاصد الشرعية
كل هذه الترهات تجعله [هذا المتكلف] خارج الزمان وخارج المكان وخارج التفكير الفقهي، هو يغرد وحده، يريد أن يسحب الماضي على الحاضر دون أن يدرك الواقع ولا أن يدرك المآل ولا أن يدرك المصالح ولا أن يدرك المقاصد.
إذن هذا كأبي جهل؛ لأنه ضال مضل، كما وصفه الإمام القرافي في [كتاب] الإحكام، قال على من يفعل هذا:
«فهو ضال مضل، ضيقوا على الناس وأفتوا بغير علم وتمسكوا وصمموا على أن الأحوال كلها واحدة»
والأحوال تختلف.
نص الإمام الشافعي على قصور علة الربا وعدم قياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة
نص الإمام الشافعي على قصور علة الربا في [كتاب] الأم، [لكن بعض المعاصرين] أصبحوا هم يذهبون ويقيسون الأوراق النقدية على الذهب وعلى الفضة.
والشريعة جاءت بتحريم الربا قطعًا، إلا أنها جعلته في محل الذهب والفضة كعلة قاصرة لا تتعداها إلى غيره. فلما انفصل هذا الورق النقدي الذي سُمي نقدًا من تراجم الأجانب، والنقد عند المسلمين الذهب والفضة فقط وغيرها يُسمى بالفلوس جمع فلس، تغيرت الأحكام [بتغير موضوعها].
الفرق بين عقلية الأئمة العظام الفارقة وبين قصور بعض الفقه المعاصر
وكان الفرق بين بعض الفقه المعاصر والأئمة العظام أن عقلية الإمام العظيم عقلية فارقة؛ تفرق بين الأشياء، وتفرق بين الأحداث، وتفرق بين الأشخاص، وتفرق بين الزمان والمكان، وتفرق في أحوال دون أحوال. كانت عقلية واعية.
وكان هناك قلوب ضارعة متعلقة بالله سبحانه وتعالى، فتح عليها فتوح العارفين به، ولذلك نوَّر الله طريقهم وأفادوا الناس وملأوا الأرض هدايةً، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
نقد القصور الفقهي والجهل بالواقع الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى
أما هذا القصور وهذا التخلف وهذا الجهل الذي يعاند فيه هذا الإنسان [المتكلف] ويثير أسئلة كلها من جهالة إدراك الواقع، فلا يُرضي الله سبحانه وتعالى.
فإذا تقرر هذا عرفنا أن هذا [الورق النقدي] ليس محلًا للربا، وأن هذه عقود جديدة وأنها تفيد الطرفين، وأن كلاهما راضٍ عن ذلك؛ بما يعني أن هذه الفترة -فترة السماح- في مقابل أو غير مقابل أنها جائزة؛ لأن المسلمين عند شروطهم.
القياس على كل ما جدّ في أسواق المال والبورصات وربطه بآية الإعداد
وقس على هذا، ليس هذا فقط بل كل ما جدَّ في أسواق الأموال وفي الأسواق العالمية وفي البورصات. يقول ربنا:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
أمرنا [الله تعالى] أن نصنع السلاح حتى يخافنا العدو تقليلًا للحرب وللدماء؛ فالهدف حماية الإنسان. ولكن هذا الإنسان في عناده وفي تصميمه لا بد أن يخاف؛ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ حتى يمتنع عن شيءٍ من الفساد.
الإنسان بنيان الرب وضرورة صناعة السلاح والاستقلال بالصناعات الثقيلة
لأنَّ الإنسان بُنيان الرب، كما أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني عن رسول الله ﷺ:
«ملعونٌ من هدمه» [أي بنيان الله]
فأنا لا بدَّ لي أن أصنع السلاح وأن أستقل بذلك. كيف تصنع السلاح؟ لا بدَّ من الحديد. صناعة الحديد صناعة غير مربحة، صناعة ثقيلة؛ لأنها لا تكفي وحدها، إنما لا بدَّ من صناعات تتلوها تستغل هذا الحديد في البناء.
وكيف يكون ذلك؟ بشركات كبيرة ضخمة تحتاج إلى رؤوس أموال لا يطيقها الفرد، ولذلك فالإعداد للقوة إذا أردت مرتبط بشركات، والشركات مرتبطة بسوق المال لتدبير هذا التمويل الذي تستطيع فيه لا أن تصنع سيفًا وخنجرًا، بل أن تصنع دبابة وطائرة.
تغير العصر وثبات المبادئ وخطورة تحريم الشركات المساهمة على الأمة
إذا نحن في عصر غير العصر، لكن المبادئ واحدة:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
عندما لم نفعل هذا وقام بعضنا يحرم الشركات المساهمة؛ لأنها ليست من صيغ العقود الموروثة، ولم يدرك العصر ولم يدرك المآل ولم يدرك المصلحة ولم يدرك المقصد الشرعي من حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال، تخلفنا وأمسك بصناعة السلاح غيرنا، وأصبحنا في حالة ثانية لا في حالة أولى.
فإذا حرمنا هذا وذاك ولم نعِ ما نحن فيه، لم نستطع أن ننفذ مراد الله سبحانه وتعالى.
عدم استيعاب الإرهابيين لمفهوم الإعداد الجماعي وأخذهم الثأر من غير الظالم
لم يستوعب الإرهابيون هذه المفاصلة وأن هذا [الإعداد] عمل دول ومؤسسات وشركات عابرة للقارات، فاحتاروا؛ ولأنهم لم يحضروا عندنا في الأزهر ولم يتعلموا لا قليلًا ولا كثيرًا، تولوا هم القتال والدفاع.
وما دمنا قد ظُلمنا في مكان فلا بد أن ننتقم من مكان آخر! على حد قول الجاهلي: «خذ ثأرك من جارك» وليس ممن ظلمك.
حتى نزل القرآن فنبهنا أن لا، وأن هذا ظلمٌ لا يجوز:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: 13]
الظلم ظلمات يوم القيامة واستجابة الله للمظلوم ولو كان كافرًا
الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، إن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا.
علمنا [من هذا] أن أخذ الثأر من الجار وليس من أهل العدوان ممنوعٌ في خلق الإنسان القويم مما يرضي الله سبحانه وتعالى.
هذا له علاقة بالإجابة [عن سؤال بطاقة الائتمان]؛ لأن هذا معناه أننا نسعى إلى عدم إفساد الأرض بكل وسيلة، ولكن بالتتابع وحتى نُعِدّ. وهذا الإعداد بالجماعة، بالمجموع، بالدول، وليس بالأفراد التي تكون هذه المسخرة من إرهاب ومن إراقة دماء.
تحذير النبي من انقلاب المفاهيم وسلب العقول في آخر الزمان
فلأنهم لم يسيروا في أنوار طريق الله، اختلط عليهم الأمر وظنوا الخير شرًا وظنوا الشر خيرًا. ورسول الله ﷺ ينبهنا إلى هذا في حديثه، يقول:
«كيف، وأشر من ذلك سيكون؟ أرأيت لو أنهم أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف؟»
قال [الصحابي]: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ وفي حديث المغيرة بن شعبة يقول:
«أومعهم عقولهم يومئذ يا رسول الله؟ قال: يسلب الله عقول أهل هذا الزمان»
إذا وارد أن العقل الجمعي يُسلب حتى نرى خلافًا فيما لا خلاف فيه.
قلب الهرم الفقهي وانهيار المنظومة حين تقوم العصابات مقام الدول
ويقوم هذه العصابات بمقام الدول، ولا يعرف أحدهم كيف يفرق بين هذا وذاك، فتراق الدماء في الأرض الزكية.
كل هذا لأننا قلبنا الهرم؛ جعلنا أعلى الهرم فوق، جعلنا قاعدة الهرم فوق وقمة الهرم تحت، فينهدم الهرم على رؤوسهم.
أول شيء يواجهك في القرآن:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
aقرأ القرآن من خلال هذا [المعنى]؛ لأنه [سبحانه] كان قادرًا أن يقول: بسم الله المنتقم الجبار، أو بسم الله الرحمن المنتقم [لكنه اختار الرحمن الرحيم].
خلاصة الحكم بجواز العقود الجديدة وضرورة إدراك المؤمن لزمانه وحاله
إذن فهذه عقود جديدة خالية من الربا، تحقق مصالح أطرافها، تتواءم مع السرعة المطلوبة في عصرنا بعد تغير الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة.
وفي حكمة آل داود فيما أخرجه ابن حبان:
«أن يكون المؤمن مدركًا لشأنه عالمًا بزمانه»
لكن لما غاب علينا إدراك الزمان وغاب علينا إدراك حالنا مما نحن فيه من ضعف وهوان، أفتى من أفتى بجهالة بما لم يتقن ولم يفرق بين المعاني والأشياء.
