مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 10 | أ.د علي جمعة
- •التعليم واجب ورسالة يجب القيام بها، وقد عرف المسلمون ذلك فكانوا يرون التعليم عبادة يرجون بها ثواب الله.
- •يروي النص قصة الشيخ أحمد الشامي الذي مكث حياته كلها في الأزهر ولم يخرج منه، حتى أنه لم يعرف البطيخ عندما رآه لأول مرة.
- •يشير النص إلى أهمية الزهد في بناء الأمم، ويحذر من اعتباره نقيصة أو عاراً.
- •يستشهد بآيات قرآنية عن فضل الدعوة إلى الله والتعليم، منها: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً".
- •يذكر أحاديث نبوية تبين فضل التعليم مثل: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها".
- •ينقل قول عيسى عليه السلام: "من علم وعمل وعلّم فذلك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات".
- •يحذر من ضياع العلم بموت العلماء وتصدر الجهلاء للفتوى.
- •يبين أن الكلمة الواحدة من العلم تعلمها لأخيك تعادل عبادة سنة.
- •يدعو المعلمين لاحترام أنفسهم وإدراك قيمة رسالتهم ليحترمهم الناس.
مقدمة الدرس وبيان أن التعليم واجب ورسالة يجب القيام بها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين ومع فضيلة التعليم. والتعليم كما قلنا وذكرنا واجب؛ ولذلك لو أننا تبنّينا في أنفسنا أن التعليم واجب لعرفنا أنه رسالة يجب علينا أن نقوم بها.
وعرف المسلمون هذا في مشارق الأرض ومغاربها؛ ولذلك قاموا بواجب التعليم، وكانوا يرون التعليم عبادة؛ ولذلك هو يرجو من الله ولا يرجو من الناس.
قصة المشايخ الذين كانوا يعيشون في زهد شديد لا يعرفون الفول بالزيت
أدركنا مشايخنا رضي الله تعالى عنهم؛ أحدهم يقول للآخر: أتتصوّر أن فلانًا من أصدقائنا — شيخ ثالث — يدّعي أنه أكل الفول بالزيت أمس؟ قال له: بالزيت! قال له: أتتصوّر! متعجبًا. وهما الاثنان لا يصدّقون، ويرون كم هو مبالغ أنه قد أكل الفول بالزيت.
فقال له: الأنكت والأمرّ أنه يدّعي أنه بالليمون! فقال له: بالليمون! متعجبًا جدًّا.
يا جماعة، هذا لا يقتضي الضحك، هو صحيح نحن نضحك من المفارقة، لكن عند التأمل يستدعي البكاء.
قصة الشيخ أحمد الشامي الذي مكث حياته كلها في الأزهر للتعلم والتعليم
هؤلاء كانوا يأتون [إلى الأزهر للتعلم]. أتى رجل كان اسمه الشيخ أحمد الشامي، حدّثنا عنه مشايخنا — نحن لم نره — جاء به أبوه من الشام وأدخله الأزهر، وقال له: في الداخل الجنة وفي الخارج النار. فمكث الولد حياته كلها داخل الجامع [الأزهر].
ولمّا جاء الشيخ المراغي رحمه الله تعالى شيخًا للأزهر، ورأى شيئًا من التطوير والتحديث وكذلك إلى آخره — وكان واجبًا — وجد هؤلاء الناس جالسين في الأزهر تدرس منذ أربعين سنة وليس هناك نظام.
منح الشهادة العالمية للمشايخ وبكاؤهم لأنهم لا يعرفون إلا التعلم والتعليم
فأعطاهم [الشيخ المراغي] جميعًا الشهادة العَالِمية. قالوا: الشهادة العالمية! فقالوا له: لا، لسنا داخلين [في هذا النظام]. فذهب وأعطاهم جميعًا الشهادة العالمية.
فكنت ترى المشايخ في الشارع يبكون، الشيخ يبكي — كفى الله الشرّ — يقول لك: حصلت على الشهادة العالمية! لأنه إلى أين سيذهب وهو لا يعرف إلا التعلّم والتعليم؟ حياته كذلك، أين سيذهب الآن؟
فكان من هؤلاء الشيخ أحمد الشامي، لا يعرف أين يذهب أصلًا.
قصة الشيخ أحمد الشامي مع البطيخ ودهشته لأنه لا يعرف الفاكهة من شدة الزهد
فلمّا أخذه شيخنا وخرج به، وجد رجلًا يعرض بطيخًا — والبطيخ بالكسر في العربية وله أسماء كثيرة، كل فاكهة في لغة العرب لها اسمان وأكثر، ما لا تقلّ عن اسمين: البطيخ والجبسي والرقّي والحبحب وهكذا — البطيخ هذا فاسد تمامًا.
فقال له [الشيخ أحمد]: ما هذا؟ قال [شيخنا]: فظننت أنه يسخر مني. شيخنا ظنّ في قلبه أن الرجل [البائع] يضحك عليه. ظننته يسخر مني.
بعد ذلك الشيخ غضب من نفسه لأنه ظنّ السوء بأن الرجل يسخر منه، ما هو في الأصل أيضًا لا تعقل هذا؟ عمرك ما أكلت بطيخًا!
الشيخ أحمد الشامي لا يعرف كيف يأكل البطيخ من شدة انقطاعه عن الدنيا
فقال له [البائع]: هذا بطيخ. قال [الشيخ أحمد]: البطيخ! الشيخ ذكرها له، قال له: بأيه؟ بالفتح كما نقولها، وراح هو صحّح نفسه: بِطّيخ. قال له: نعم، بطيخ. قال له: تأكل منه؟ يعني أنت تسألني هكذا لأن — يعني — تتمسّح بي، يعني لكي تأكل منه.
فاشترى له شيئًا، قال: فذُهلت أنه وضع الناشف أولًا! يبقى لا يعرفه، لا يعرف أن الطريّ هو الذي يُؤكل. لست أعرف!
قال: فبكيت. بكى من نفسه أنه ظنّ السوء، أن الرجل يعرف ويريد كذا وكذا.
الشيخ أحمد الشامي يريد أكل غلاف البطيخ ومعنى الزهد الحقيقي في الدنيا
لكن بعد ما أكلها أراد أيضًا أن يأكل [الغلاف]، قال له: لا، هذه تُؤكل هكذا. فبعد أن أكل الأحمر يريد أن يأكل الغلاف أيضًا! الله!
ما معنى هذا الكلام؟ ما هو الزهد في الدنيا الذي نتهاتى فيه في كل وقت وحين؟ والناس بدأت تتعامل مع الزهد وكأنه نقيصة وكأنه عار، بالرغم من أنه هو الذي يبني الأمم، وهو الذي يقينا داء الترف.
وذاك الترف ولا بدّ أن نعود فنقول عنه أن هذا الترف هذا داء، وهذا الترف هو الذي أهار [الأمم].
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 45-46]
يبقى اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم.
الآيات القرآنية الدالة على فضل التعليم والدعوة إلى الله بالحكمة
فالتعلّم واجب. اقرأ يا شيخ محمد عن فضل التعليم:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ [فصلت: 33]
وقال تعالى:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
وقال تعالى:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129]
نعم، فكل هذا في وجوب التعليم.
حديث بعث معاذ إلى اليمن وفضل هداية رجل واحد وأثره على المعلم
وأما الأخبار [النبوية]، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن:
قال رسول الله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها»
فالمدرّس الذي سوف يعلّم طالبًا خيرٌ له من الدنيا وما فيها؛ لأنه سيهديه على يديه، لأنه سيعطيه مفتاح الحياة.
فلو عرف المدرّس هذا لاحترم نفسه، ولو احترم نفسه ووثق فيها وفعل هذا لوجه الله لاحترمه الناس.
احترام الطالب للأستاذ وضرورة عودة هذه العلاقة لحفظ العقد الاجتماعي
وتأتي القصص التي يسخر منها الشباب، أن الأستاذ كان إذا مرّ في شارع ورآه الطالب يختبئ احترامًا — وليس خوفًا — بل احترامًا له.
فلا بدّ من هذه العلاقة [بين المعلم والطالب] أن تعود، وإلا انفرط العقد الاجتماعي.
حديث ثواب من تعلم بابًا من العلم ليعلمه الناس وسعة فضل الله
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من تعلّم بابًا من العلم ليعلّم الناس أُعطي ثواب سبعين صدّيقًا»
لا إله إلا الله! فصدّيق واحد يكفي، ولكن فضل الله واسع، ومن أسمائه الواسع، عطاؤه جزيل. لكن أنت اعمل! أنت لست راضيًا أن تعمل؟ اعمل فقط وسنعطيك. هذا كلام ربنا سبحانه وتعالى وكلام سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
قول سيدنا عيسى عليه السلام في فضل من علم وعمل وعلّم وإكثار الغزالي من ذكره
وقال عيسى صلى الله عليه وسلم:
«من عَلِم وعَمِل وعلَّم فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات»
الإمام الغزالي أكثر في إحيائه من ذكر الكلام المنسوب لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولو أن باحثًا جمع ذلك وقارنه بما قد ورد عند النصارى بالأناجيل لكان جيدًا. الذي ورد من طريق المسلمين مصوغ بلغة عربية صحيحة بليغة فصيحة، وهذا مهم.
عناية الأناجيل بالصياغة العربية وأهمية جمع أقوال عيسى من كتاب الإحياء للمقارنة
طبعًا الأناجيل لقيت عناية في الصياغة خاصة من أواسط القرن التاسع عشر، على يد الشيخ يوسف الطير وعلى يد الشيخ فارس الشدياق ونحوه، ثم بعد ذلك الكاثوليك الشرقيون.
لكن لو جمعنا هذا لاتضحت مقارنات عجيبة غريبة، المشترك والمشترك الكبير. فالإمام الغزالي استدلّ كثيرًا بكلام سيدنا عيسى وأكثر من ذلك.
وهناك أحد الجعفرية من مذهب الشيعة جمع شيئًا من هذا، لكنه لم يتقيّد بما ورد في الإحياء. فلو أن باحثًا جيدًا منوّر القلب جمع ما ورد في الإحياء من كلام عيسى يصبح سهلًا، وأظن أن الإحياء هذا الآن في الشاملة وكذا، نعم يعني حاجة سهلة جدًّا، ثم تحدث دراسة عليها.
حديث انتزاع العلم بذهاب العلماء وخطورة إفتاء الجهال بغير علم
نعم، تفضّل. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إن الله عزّ وجلّ لا ينتزع العلم انتزاعًا من الناس بعد أن يؤتيهم إياه، ولكن يذهب بذهاب العلماء، فكلما ذهب عالمٌ ذهب بما معه من العلم، حتى إذا لم يُبقِ إلا رؤساء جهّالًا، إن سُئلوا أفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا»
نسأل الله السلامة.
حديث الوعيد لمن كتم العلم وحديث فضل نقل كلمة الحكمة إلى المسلم
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من عَلِم علمًا فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «نِعم العطية ونِعم الهدية كلمة حكمة تسمعها فتطويها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلّمه إياها، تعادل عبادة سنة»
لو عرف المعلمون ثواب الجملة الواحدة لما تركوا هذا الخير الكثير
يعني لو عرف المعلمون كل هذا الأجر والثواب، أن الجملة الواحدة من علمه الذي يعلّم به الطلاب والتلاميذ لها ثواب عبادة سنة — الجملة الواحدة! — والله أظن أنه لا يترك هذا الخير الكثير.
إنما المصيبة أنه لا يعتقد في هذا، أو لم يسمع، هو مولٍّ وجهه شطر شيء آخر: الدنيا وما فيها.
لا بدّ علينا أن نذوب جميعًا في أمة واحدة يتقوّى بعضنا ببعض، فالرجل بإخوانه؛ ولذلك كان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] يقول: أفيضوا مجالسكم بينكم. فيجب علينا أن نعمل وأن نبدأ في العمل بالعلم، والله تعالى أعلى وأعلم.
