مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 12 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 12 | أ.د علي جمعة

15 دقيقة
  • غالب أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كانت قصيرة، مع وجود أحاديث طويلة صحيحة جمعها العلماء.
  • الفضيلة مأخوذة من الفضل وهو الزيادة، والعلم فضيلة مطلقة لذاته لأنه من صفات الله سبحانه وبه شرف الملائكة والأنبياء.
  • تنقسم الأشياء النفيسة إلى ما يطلب لذاته كالسعادة الأخروية، وما يطلب لغيره كالدراهم، وما يطلب للأمرين معاً كسلامة البدن.
  • العلم مطلوب لذاته لكونه لذيذاً، ومطلوب لغيره لأنه وسيلة للآخرة والقرب من الله تعالى.
  • أصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو أفضل الأعمال.
  • تختلف العلوم وتتفاوت فضائلها بتفاوتها.
  • مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا.
  • أعمال الآدميين وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام: أصول كالزراعة والحياكة والبناء والسياسة، ومهيئات لها، ومكملات.
  • أشرف الصناعات هي السياسة الشرعية التي تسري في النظام ليصبح متماسكاً.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس والحديث عن سمات أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين، وفي الإحياء ذكرنا حديثًا طويلًا عن معاذ [بن جبل رضي الله عنه]، ومن ملامح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن غالبها كان في الأحاديث القصيرة، ولكن هناك أحاديث طوال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفردها بعضهم بالجمع والتأليف؛ الأحاديث الطوال.

فنجد الحديث ونجد فيه طولًا، ونجد فيه أيضًا من غريب اللغة العربية ما جعل الشراح يشرحون ويهتمون به، لكن هذا هو الأقل، ولا بد فيه من صحة السند، وإلا فإن السمة الغالبة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن فيها غُربة ولا وَحْشيُّ الكلام وحَوْشيُّه ولا طول.

فكلما طال الحديث جدًّا كان ذلك يخرج به من سنن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن هناك أحاديث طوالًا بالفعل جُمعت ولكنها صحيحة الإسناد، أو تشتمل على غريب احتاج الناس إلى فكِّه.

الإمام الغزالي يبين أن معرفة فضيلة العلم شرط لمعرفة وجودها في الأشخاص

[القارئ]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الشواهد العقلية: اعلم أن المطلوب من هذا الباب معرفة فضيلة العلم ونفاسته، وما لم تُفْهم الفضيلة في نفسها ولم يتحقق المراد منها لم يمكن أن تُعلم وجودها صفةً للعلم أو لغيره من الخصال.

فلقد ضلَّ عن الطريق من طمع أن يعرف أن زيدًا حكيم أم لا وهو بعدُ لم يفهم معنى الحكمة وحقيقتها.

[الشيخ]: فاقد الشيء لا يعطيه! أنت ذاهب لتقايس وترى هل هذا عالم أم لا وأنت لست بعالم؟ فكيف ستعرف وأنت ليس معك المسطرة التي تقيس بها؟ أنت تريد تقيس قطعة قماش، فإن لم يكن معك المتر فماذا ستفعل؟ ألا تذهب أولًا لتحضر المتر؟ ولذلك قالوا هنا: فاقد الشيء لا يعطيه. نعم.

بيان معنى الفضيلة وأنها الزيادة في الكمال مع التمثيل بالفرس والحمار

[القارئ]: والفضيلة مأخوذة من الفضل وهو الزيادة، فإذا تشارك شيئان في أمر واختصَّ أحدهما بمزيدٍ يُقال فَضَلَه وله الفضل عليه، مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء.

كما يُقال: الفرس أفضل من الحمار، بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد عليه بقوة الكرِّ والفرِّ وشدة العَدْو -أي الجري- وحسن الصورة.

فلو فُرض حمار اختصَّ بسلعة زائدة لم يُقل إنه أفضل؛ لأن تلك زيادة في الجسم ونقصان في المعنى وليست من الكمال في شيء، والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته لا لجسمه.

العلم فضيلة مطلقة في ذاته لأنه وصف كمال الله سبحانه وتعالى

[القارئ]: فإذا فهمت هذا لم يخفَ عليك أن العلم فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف، كما أن للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات.

بل شدة العَدْو فضيلة في الفرس وليست فضيلة على الإطلاق، والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة؛ فإنه وصف كمال الله سبحانه وبه شرَّف الملائكة والأنبياء.

بل الكَيِّس -أي: الفطن الذكي- من الخيل خيرٌ من البليد، فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.

تقسيم الأشياء النفيسة إلى ما يُطلب لذاته ولغيره ولهما معًا

[القارئ]: واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى:

  1. ما يُطلب لغيره.
  2. وإلى ما يُطلب لذاته.
  3. وإلى ما يُطلب لغيره ولذاته جميعًا.

فما يُطلب لذاته أشرف وأفضل مما يُطلب لغيره.

والمطلوب لغيره الدراهم والدنانير؛ فإنهما حجران لا منفعة لهما، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يسَّر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصباء بمثابة -أي: بمنزلة- واحدة.

والذي يُطلب لذاته فالسعادة في الآخرة ولذة النظر لوجه الله تعالى.

والذي يُطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن؛ فإن سلامة الرِّجل مثلًا مطلوبة من حيث أنها سلامة للبدن عن الألم، ومطلوبة للمشي بها والتوصل إلى المآرب والحاجات.

تسمية الذهب والفضة بالحجارة وبيان أصلها من باطن الأرض

[الشيخ]: إذن سمَّى [الإمام الغزالي] الذهب والفضة حجارة؛ لأنها تأتي من الحجارة، لأن الذهب عبارة عن حجارة موجودة في صورة أعمدة تُؤخذ من الأرض.

وعلى ذلك يمكن أن نسمي الحديد والنحاس والكوبلت وكذلك حجارة؛ لأنها آتية من الحجارة، وعندما ترى الحديد في خامته قبل دخول الفرن تجد أنها حجارة حمراء.

ولذلك فتسمية الذهب والفضة حجارة لأنها كانت ملقاة في وسط الطين، وفي وسط ذلك يُقال أن بحيرة ناصر الآن مملوءة بالذهب؛ حيث ترسَّب الذهب من الطمي فامتلأت الآن بالذهب، ويريدون استخراج هذا الذهب حتى تغتني البلاد والعباد، والله سبحانه وتعالى يفتح علينا إن شاء الله.

فهذا تسمية الذهب والفضة بالحجر؛ هو موجود في الطين وموجود في المناجم فكله حجر. نعم.

العلم مطلوب لذاته ولغيره وهو أصل السعادة في الدنيا والآخرة

[القارئ]: وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذًا في نفسه فيكون مطلوبًا لذاته، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من الله تعالى ولا يُتوصل إليه إلا به.

وأعظم الأشياء رتبةً في حق الآدمي السعادة الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يُتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يُتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو إذن أفضل الأعمال.

تعليق الشيخ على أهمية العلم وأنه سبيل نهضة الأمة الإسلامية

[الشيخ]: فهذا الكلام يُكتب بالذهب! فها هم المسلمون -وهذا مَنْ توفي في سنة خمسمائة وخمس هجرية [الإمام الغزالي]- انظر إلى الكلام، يقول لك إن الحكاية كلها العلم.

ونحن ما زلنا نقول الآن أن الحكاية كلها العلم، نقولها من قلوبنا، نقولها لما تورطنا في الورطة التي نحن فيها الآن من قلة العلم.

ففعلًا ما من سبيل إلا العلم، هو الذي سينقذنا، العلم هو الذي سيجعل لنا قيمة، العلم هو الذي سيفهمنا العلم. فلما ضاع وضيَّعوا معالمه ضاعت الأمة. نعم.

ثمرة العلم في الآخرة القرب من الله وفي الدنيا العز والوقار

[القارئ]: وقد تُعرف فضيلة الشيء أيضًا بشرف ثمرته، وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة.

وأما في الدنيا فـالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع، حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم؛ لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة.

بل البهيمة بطبعها توقِّر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها. هذه فضيلة العلم مطلقًا.

[الشيخ]: يعني حتى البهائم فهمت!

تفاوت فضائل العلوم وفضيلة التعليم والتعلم وأن الدنيا مزرعة الآخرة

[القارئ]: ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه وتتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها.

وأما فضيلة التعليم والتعلم فظاهرة مما ذكرناه؛ فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلُّمه طلبًا للأفضل، فكان تعليمه إفادة للأفضل.

وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا؛ فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلًا، لا لمن يتخذها مستقرًّا ووطنًا.

الأصول الأربعة التي لا قوام للعالم دونها من الصناعات والحرف

[القارئ]: وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين، وأعمالهم وحرفهم وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:

أحدها: أصول لا قوام للعالم دونها، وهي أربعة:

  1. الزراعة وهي للمطعم.
  2. والحياكة وهي للملبس.
  3. والبناء وهو للمسكن.
  4. والسياسة وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها.

[الشيخ]: هذه الأصول الأربعة. نعم.

أقسام الصناعات الخادمة والمتممة وتشبيهها بأعضاء الجسم البشري

[القارئ]: الثاني: ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها؛ كالحدادة فإنها تخدم الزراعة وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها، كالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة بإعداد عملها.

الثالث: ما هي متممة للأصول ومزينة؛ كالطحن والخبز للزراعة، وكالقصارة والخياطة للحياكة.

وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إلى جملته؛ فإنها ثلاثة أضرب أيضًا:

  • إما أصول كالقلب والكبد والدماغ.
  • وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة.
  • وإما مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين.

السياسة أشرف الصناعات لأنها تستدعي الكمال فيمن يتولاها

[القارئ]: وأشرف الصناعات أصولها، وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح، ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات، ولذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائرَ الصُّنَّاع.

والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربع مراتب.

تعليق الشيخ على أصول الصناعات الأربعة ومعنى السياسة الشرعية

[الشيخ]: إذن فأصول الصناعات أو الأصول أربعة: الزراعة، والحياكة -والحياكة هذه معدودة من الصناعة-.

[القارئ]: والبناء.

[الشيخ]: والبناء للسكن، ثم بعد ذلك السياسة، والسياسة هي رعاية شؤون الأمة، وهنا عرَّفها [الإمام الغزالي] بأنها التأليف؛ لأن السياسة هي كما يسري الماء في الورد، أي يجب أن تكون في كل جزء من الوردة حتى تكون الوردة طيبة.

فالسياسة تسري في الأصول سريان الماء في الوردة، وبدونها تذبل الوردة وتضيع. عندما لا توجد سياسة ولذلك أطلقوا عليها السياسة الشرعية، ويقصدون هذا الساري في كل النظام حتى يأتلف ويصبح شيئًا متماسكًا.

والله تعالى أعلى وأعلم.