مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 13 | أ.د علي جمعة
- •أشرف الصناعات بعد النبوة هي إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس وإرشادهم للأخلاق المحمودة.
- •الصناعات الأربع الأساسية هي الزراعة والحياكة والبناء والسياسة، وكلها تحتاج للعلم.
- •العلم ركن أساسي لصلاح العمل في الأرض، والعمل لا يُقبل إلا بشرطين: الإخلاص والصواب المبني على العلم.
- •شرف صناعة العلم يُعرف بثلاثة أمور: الغريزة التي يُتوصل بها للمعرفة، وعموم النفع، والمحل الذي فيه التصرف.
- •المعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وهو مشتغل بتكميلها وتطهيرها وتقريبها إلى الله.
- •تعليم العلم عبادة لله وخلافة له، فالعالِم كالخازن لأنفس خزائن الله مأذون له بالإنفاق منها على المحتاجين.
- •ينقسم العلم إلى محمود ومذموم، وفيه ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية.
- •طلب العلم فريضة على كل مسلم، وينبغي للمرء السعي في طلبه ولو بعُدت المسافة.
- •ليس هناك تعارض بين العقل الصحيح والنقل الصريح.
مقدمة الدرس والتعريف بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين نعيش هذه اللحظات مع إمام الأئمة وبدر التتمة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وما زلنا نقرأ في كتاب العلم.
تفضل يا شيخ محمد.
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة، وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة، وهو المراد بالتعليم.
الصناعات الأربع الأساسية لقوام الحياة البشرية وعلاقتها بالعلم
[الشيخ]: يقصد [الإمام الغزالي] بالصناعات الأربعة: الزراعة التي يأكل منها الإنسان، ثم بعد ذلك الحياكة التي يلبس منها الإنسان، ثم بعد ذلك البناء الذي يسكن فيه الإنسان، ثم بعد ذلك السياسة التي تنتظم كل ذلك.
ولكن لا ندخل ولا نستطيع أن ندخل في هذه الصناعات وهذا العمل إلا بالعلم؛ فلا بد علينا إذن من علم الزراعة، ومن علم الحياكة، ومن علم البناء وما يشتمل عليه من قواعد هندسية، ومن علم السياسة وكيف نرعى وننظم وننسق كل ذلك. وهذا للمعيشة.
أهمية السكن في نشأة الأسرة وبناء الاجتماع البشري
وعندما كتب الكاتبون في أحوال الشعوب البدائية قالوا إنها تبدأ بفقدان السكن؛ فالشعوب التي لا تسكن تكون أحطّ الشعوب. فلا بد من السكن، والسكن هو الذي بموجبه تنشأ الأسرة؛ فإذا لم يكن هناك سكنٌ فليس هناك أسرة، وإذا كان هناك سكنٌ بدأت الأسرة.
والأسرة تبدأ بين رجل وامرأة، ولذلك فالرجل والمرأة يتكاملان، وبهما قوام العالم وعليهما مدار الاجتماع البشري. فإذا التقى الرجل مع المرأة كوّنا أسرة، ونشأ من هذا أطفال، فتصبح هناك أم وأب وابن أو ابنة أو مجموعة، ثم ينتشر البشر كما حدث في بداية الخليقة بين آدم وزوجه عليهما السلام.
إرادة الله لعلاقة عفيفة منظمة بين الرجل والمرأة وحدود الله فيها
إذن الاجتماع البشري مبني على الرجل والمرأة والعلاقة بينهما، ولذلك أراد الله لهذه العلاقة أن تكون عفيفة، وأن تكون قوية، وأن تكون متينة، وأن تكون منظمة.
ولذلك رأينا كل أحكام الله المتعلقة بتلك العلاقة عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، وكلها في القرآن في صورة واضحة، عدّها الله سبحانه وتعالى من حدود الله، وأنه يجب علينا أن نلتزم بحدود الله. ولذلك فـالعلم هو المدخل الصحيح لكل هذا.
حكمة الزراعة والاستقلال الغذائي وعلاقته بالحرية السياسية
وبشأن الزراعة قال الحكماء بناءً على التجارب: إذا كان أكلك من فأسك فرأيك من رأسك، وإذا لم يكن أكلك من فأسك فرأيك ليس من رأسك؛ سيكون تابعًا لسيدك الذي يطعمك.
فمن يطعمك يصبح سيدك؛ فإذا كان الذي يطعمك من جبابرة الأرض وكفار القوم ومن الدول التي تريد أن تتسلط عليك، فأنت محتل إذا لم يكن طعامك من فأسك. فرأيك ليس من رأسك، إذن لا تتشدق بالحرية وبالسياسة وتقول إننا نرى وما إلى ذلك.
قصة الطبيب الفرنسي وأهمية الطعام في المستشفى كمثال على أولوية الزراعة
مرة بنينا المستشفى الفرنسي في العصر الحديث، فجاء طبيب خبير، فقلنا له: ها، هل رأيت ما صنعناه؟ إنه شيء جميل جدًا، ورخام، ونظافة لا مثيل لها. قال: حسنًا، لا بأس، دعوني أرى المطبخ، أروني المطبخ.
قلنا: يا الله! أنحن في مستشفى أم في مطعم؟ فقال: لا بأس، إن القصة تبدأ بالمطبخ، بالطعام؛ هذا لأن الطعام إذا كان سليمًا فإن المريض سيتحسن ببساطة بالأدوية والإجراءات وبإذن الله.
ولكن إذا أحضرت وقدمت له طعامًا ملوثًا فتلك مصيبة سوداء؛ ستعالجه من جهة وتمرضه من جهة أخرى، ويدخل إليك بمرض واحد ويخرج من عندك بأمراض كثيرة. فما شأني بالمباني، إنما شأني بالإنسان، والإنسان يبدأ بالطعام؛ لأنه لا يعيش إلا بالطعام.
تقديم الزراعة عن وعي وارتباط العلم بالكتاب والسنة ومقاصد الشرع
فإذن كان هذا تقديم الزراعة؛ فلأن الزراعة هذه لها علاقة بالسياسة، والزراعة هذه لها علاقة بالاستقلال، والزراعة هذه لها علاقة بتكوين الإنسان.
فإذن عندما قدّم [الإمام الغزالي] هنا الزراعة، قدّمها عن وعي. هؤلاء الناس كانوا فلاسفة وكانوا حكماء ولم يخرجوا عن سقف الدين. يعني كل هذا العلم جاؤوا به من أين؟ جاؤوا به من الكتاب والسنة.
فإذن ليس هناك انفصال بين الكتاب والسنة وبين واقع الناس، وبين مصالح الخلق وبين مقاصد الشرع؛ فالكل شيء واحد تحت رعاية الله سبحانه وتعالى.
نقد محاولات فصل الاجتماع البشري عن الله والتمسك بالكتاب والسنة
ولذلك نرى نكد أولئك الذين يريدون أن يفصلونا عن الله وأن يجعلوا الله مع كل واحد بمفرده هكذا. إذن، حسنًا، والاجتماع البشري لِمَ لا يكون مع الله سبحانه وتعالى وهو الذي خلقه وهو الذي أوحى لأنبيائه به؟
ولماذا هذا التجبر؟ غرورًا بالنفس وكِبرًا لها واعتقادًا أنه يريد أن يقلد الشرق والغرب. وقلدنا الشرق فما فلحنا، وقلدنا الغرب فما فلحنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
معنا كنز عميق متمثل في كتاب الله وفي سنة سيد الخلق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي فهم أولئك السلف الصالح الذين أعطوا لنا أفكارهم ورسموا لنا الطريق. فلماذا نريد أن نهدم دون أن تكون لدينا حتى قدرة على البناء؟
ضرورة العلم كمدخل لكل عمل وأزمة تقديم النشاط على الفكر
فلنستمع الآن إلى شيخ الإسلام [الغزالي] وهو يقول: إن تلك الصنائع الأربعة التي بها القوام يجب أن ندخلها بالعلم. هل رأيت أحدًا يقول مثل هذا الكلام؟ إن هذا كلام متين جدًا، إنه كلام جميل جدًا.
لا يوجد إلا العلم؛ فلا بد إذا أردنا أن نصحح الطريق أو أن ننطلق فيه أن يكون العلم أولها. حسنًا، لا يوجد علم، تريدون ذلك التصحيح سريعًا.
قال [أحد الحكماء]: أزمة الإنسان أن يقدِّم النشاط على الفكر. احذر أن تقدِّم النشاط على الفكر؛ فإذا أردت أن تعمل وتتصرف دون علم، فإنك ستخطئ الطريق. لا بد من الفكر ثم العمل.
شرطا قبول العمل عند الله الإخلاص والصواب وأهمية العلم فيهما
لا بد من الإيمان ثم العمل الصالح. الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من العمل. والعمل لا يتم إلا بشرطين: الإخلاص والصواب، كما قال الفضيل بن عياض:
«لا يقبل الله عملًا إلا بالإخلاص والصواب»
الإخلاص أن تكون النية فيه لله وحده، والصواب أن يكون على العلم.
إذن، لا بد من العلم؛ فهو ركن من أركان القبول عند الله، والقبول عند الناس، وصلاح العمل في الأرض. العلم [هو الأساس لكل ذلك].
معايير شرف الصناعة الثلاثة وتفوق العلوم الدينية بالعقل والنفع والمحل
[الشيخ محمد وسام]: وإنما قلنا إن هذا [التعليم] أفضل من سائر الحِرَف والصناعات؛ لأن شرف الصناعة يُعرف بثلاثة أمور:
- إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها، كفضل العلوم العقلية على اللغوية؛ إذ تُدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع، والعقل أشرف من السمع.
- وإما بالنظر إلى عموم النفع، كفضل الزراعة على الصياغة.
- وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف، كفضل الصياغة على الدباغة؛ إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الميتة.
وليس يخفى أن العلوم الدينية - وهي فقه طريق الآخرة - إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه؛ إذ به تُقبل أمانة الله، وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه.
وأما عموم النفع فلا يُستراب فيه؛ فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة.
عدم التعارض بين العقل الصحيح والنقل الصريح وكتاب ابن تيمية في ذلك
[الشيخ]: وحاصل ذلك أنه ليس هناك تعارض بين العقل الصحيح وبين النقل الصريح؛ فليس هناك تناقض بين صحيح المعقول وصريح المنقول.
ولذلك ألّف الشيخ ابن تيمية كتابه الكبير [درء تعارض العقل والنقل]. ليس هناك تعارض؛ فالدرء هو يعني النفي، أي ينفي عن النقل وعن العقل أن يتعارضا. لا يوجد تعارض؛ فهذا متفق عليه بين المسلمين.
شرف محل التعليم وكون المعلم واسطة بين الله وخلقه في التقريب إليه
[الشيخ محمد وسام]: وأما شرف المحل فكيف يخفى، والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه. والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل.
فتعليم العلم من وجه عبادة لله تعالى، ومن وجه خلافة لله تعالى، وهو من أجلّ خلافة الله؛ فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته، وهو كالخازن لأنفس خزائنه.
ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه. فأي رتبة أجلّ من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى؟ جعلنا الله منهم بكرمه، وصلى الله على كل عبد مصطفى.
حكم الصلاة على غير النبي استقلالاً وموقف الغزالي الوسط في المسألة
[الشيخ]: هنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استقلالًا باتفاق، فنقول: محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأيضًا يجوز أن نضيف إليه فنقول: وعلى آله وعلى صحبه، باتفاق.
لكن هل يجوز أن نصلي على أحد استقلالًا؟ فبعضهم أجازه، وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابن أبي أوفى فقال: صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: لا يجوز، وكان هذا خاصًا بهذا الرجل، يعني شيئًا يعرفه المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكن لا نقيس عليه.
وهنا شيخ الإسلام الغزالي توسط؛ فلم يصلِّ على شخصٍ بعينه، إنما صلى على أصحاب صفة، فيقول مثلًا: اللهم صلِّ على أهل العلم.
إذن هذا يُعتبر قولًا ثالثًا، فتصبح المسألة فيها ثلاثة أقوال:
- الجواز مطلقًا حتى ولو كان شخصًا.
- والمنع مطلقًا.
- والجواز للصفة دون الشخص.
فيجوز إذن أن نقول: اللهم صلِّ على المجاهدين، اللهم صلِّ على العلماء، أو الفقهاء، أو على المتصدقين وهكذا، لكن وليس على فلان بالذات.
الباب الثاني في العلم المحمود والمذموم وحديث طلب العلم فريضة على كل مسلم
[الشيخ محمد وسام]: الباب الثاني: العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما، وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أي حد هو، وتفضيل علم الآخرة.
بيان العلم الذي هو فرض عين:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»
وقال أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: «اطلبوا العلم ولو بالصين»
شرح حديث طلب العلم فريضة ودخول المسلمة في الخطاب بالاتفاق
[الشيخ]: أما حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فيزيد بعضهم خطأً "ومسلمة"، والحديث نصُّه: على كلِّ مسلمٍ. لكن اتُّفِقَ على أنَّ المسلمة تدخل في هذا؛ لأنَّه إذا اكتُفِيَ بالتذكير فإنَّه خطابٌ للكافَّةِ، للمسلمةِ، للمسلمِ والمسلمةِ.
إنَّما الروايةُ لمَّا جاءت، جاءت هكذا: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ». فإذن يدخلُ فيها الذكرُ والأنثى؛ لأنَّ العربَ لغتُها هكذا، والتفريقُ ما بينَ الذكرِ والأنثى ليسَ في خطاب التكليف؛ فهما متساويان في التكليف وفي التشريف.
تخريج حديث اطلبوا العلم ولو بالصين وبيان ضعف أسانيده عند البيهقي
أما الثاني وهو «اطلبوا العلم ولو بالصين»، يقول ماذا الشيخ العراقي عنه؟
[الشيخ محمد وسام]: الشيخ العراقي يقول فيه: ابن عدي والبيهقي في المدخل والشعب من حديث أنس. قال البيهقي: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة.
[الشيخ]: انتبه، البيهقي قال إن متنه مشهور. اشتهر على الألسنة؛ "مشهور" هنا تعني شهرة التداول وليس المشهور الذي له أسانيد عدة، بل إن المقصود هنا بالمشهور يعني المشهور على الألسنة، أي أن الناس يتداولونه: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
كتاب الكامل في الضعفاء لابن عدي وتخريج الحديث بسند ضعيف
أخرجه ابن عدي، حيث ألّف ابن عدي كتابًا اسمه [الكامل في الضعفاء]، أورد فيه تراجم الرواة الضعفاء، ولذلك يورد أحاديثهم. فالأحاديث يجب أن تكون ضعيفة؛ لأنه يترجم للضعفاء.
فأخرجه ابن عدي، لكن أخرجه بسند قال: حدّث عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان، وذكر في ترجمة ذلك الضعيف هذا الحديث، وكأنه يشير إلى أنه جاء من قِبَله، من قِبَل هذا الراوي.
قال: وأخرجه البيهقي في المدخل.
مكانة الإمام البيهقي كعلامة فارقة في انتهاء عصر الرواية الحديثية
البيهقي رحمه الله تعالى كان علامة فارقة في الرواية، كان آخر الرواة في منتصف القرن الخامس الهجري، حيث أنه جمع كتبًا جمع فيها كل المروي في السوق الحديثية.
بعده لم يظل هناك حديث يُروى في غير الكتب، يعني لا يأتي أحد الآن بعد الإمام البيهقي ويقول لي: أنا لدي حديث غير موجود في الكتب كلها ومعي سند. لا يصح؛ لأن البيهقي أنهى الموضوع كله، جمع كل هذا ووضعه في كتبه.
استثناءات القاعدة في وجود أحاديث بعد البيهقي في بعض الكتب المتأخرة
بعض العلماء قالوا إن هناك من أورد أحاديث بعد البيهقي ليست موجودة [في كتبه]. نعم، فهذه قاعدة أغلبية وليست كلية.
وقالوا إن هناك بعض الأحاديث توجد في أمالي ابن الشجري ولا توجد في سائر الكتب، وأنها توجد عند ابن النجار في [ذيل تاريخ بغداد] وليست موجودة في سائر الكتب.
وفي الديلمي؟ لا، بل هو الديلمي كل حديث فيه موجود [في كتب سابقة]. نحن نريد حديثًا يكون موجودًا فيه وغير موجود في سائر الكتب المؤلفة قبله. أما أن أؤلف الآن وأشحن الكتاب بأحاديث كلها موجودة من قبل، ليست في الشرط الخاص بي.
لكنه يقول إن في أمالي ابن الشجري أحاديث لا توجد في كتاب قبل البيهقي، وفي تاريخ بغداد لابن النجار ولا يوجد قبل ذلك. لكنهم لم يذكروا الديلمي.
كتب البيهقي الكبرى السنن الكبرى ومعرفة السنن والآثار والمدخل
الديلمي نعم ألّف كتابه [الفردوس] بعد البيهقي، لكن كل أحاديثه موجودة قبل البيهقي. إنما في هذه الكتب [المذكورة] توجد روايات لا توجد في كتاب قبل البيهقي. ردوا عليهم وقالوا: لعلها وُجدت في كتب ضاعت؛ لأن هناك كتبًا ضاعت، بعض الكتب ضاعت. وأنه يستمر البيهقي علامة فارقة للرواية، تنتهي عصر الرواية عنده.
فالإمام البيهقي ألَّف كتابًا أسماه [السنن الكبير] أو السنن الكبرى. والسنن الكبرى صار فيه على متن المزني - المزني هذا واحد من علماء الشافعية ألَّف مختصرًا فيه فقه الشافعي - فأخذ البيهقي عناوين وكلام المزني كلمة كلمة وأتى بالأحاديث التي تؤيد هذا الفقه.
ولذلك قالوا: كل شافعي إلى يوم القيامة للشافعي مِنَّة عليه، إلا البيهقي فإنه له مِنَّة على الشافعي؛ لأن هو أحضر الأدلة الخاصة به في عشر مجلدات، أتى بأدلته في عشر مجلدات طُبعت في حيدر آباد الدكن في الهند.
إيراد البيهقي لحديث اطلبوا العلم ولو بالصين في المدخل مع التنبيه على ضعفه
وأيضًا ألّف [البيهقي] كتابًا كبيرًا اسمه [معرفة السنن والآثار]، ثم أنشأ له كتابًا آخر أسماه [المدخل]. ففي هذا المدخل أورد الحديث: «اطلبوا العلم ولو بالصين».
كان الإمام البيهقي - لأنه يجمع كل الروايات الموجودة - قد يروي الضعيف ثم ينبه عليه، ويقول إن كل روايات هذا الحديث كلها ضعيفة؛ فهو حديث ضعيف.
منهج التعامل مع الحديث الضعيف وشروط العمل به في فضائل الأعمال
طيب، ماذا نفعل في الحديث الضعيف؟ لو كان فيه معنى رائقًا مثل هذا: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، لا يحدث شيئًا؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام قال:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة»
إنما قالوا نأخذ بالحديث الضعيف بشروط:
- أولًا: ألا يكون في الباب غيره.
- ثانيًا: أن يكون في فضائل الأعمال، شيء جميل هكذا يعني.
- ثالثًا: ألا يُنسب في ذاته إلى النبي إلا مضعَّفًا، فقل: "ورُوي".
- رابعًا: ألا يكون في العقائد؛ يعني في العقائد غير مقبول إطلاقًا.
- خامسًا: ألا يخالف أصلًا مستقرًا عليه.
تحويل الحديث الضعيف إلى قاعدة شرعية دون نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم
ثم إذا رأيته شديد الضعف ورأيته مقبولًا في الشريعة، فحوِّله إلى قاعدة، حوِّله إلى قاعدة. لا تقول: قال رسول الله، بل تقول: من المقرر. نعم هكذا، من المقرر، ومن المعروف، ومن المُسَلَّم به أن نطلب العلم ولو في الصين.
فنكون استفدنا من جلال المعنى، وفي الوقت نفسه لم نعتدِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسبة ما تشككنا فيه [إليه].
أمثلة على أحاديث ضعيفة تلقتها الأمة بالقبول وتحولت إلى قواعد مقررة
الأمة سارت على هذا النهج في حديث «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»، وقالوا: والقاعدة المقررة [أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا]. وهو مروي.
[وكذلك] حديث الكالئ:
«نهى رسول الله عن بيع الكالئ بالكالئ»
وهو حديث ضعيف، فقالوا: تقررت قاعدة [بمضمونه].
[وكذلك حديث] الاجتهاد التي تخص معاذًا [بن جبل]، وهو حديث ضعيف، وقالوا: أخذته الأمة بالقبول. وهكذا.
ولذلك أي منهج على عكس ذلك فهو هدم لمنهج السلف الصالحين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
