مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 14 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 14 | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • اختلف العلماء في تحديد العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم، فكل فريق نزّل الوجوب على العلم الذي هو بصدده.
  • قسم الإمام الغزالي العلم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وبيّن أن المقصود بالفرض هو علم المعاملة.
  • أول واجب على المسلم حين بلوغه هو تعلم الشهادتين وفهم معناهما الصحيح مع الاعتقاد الجازم بمدلولهما.
  • لا يشترط في هذا الاعتقاد معرفة الأدلة والبراهين، بل يكفي التصديق والإقرار كما اكتفى النبي ﷺ من أجلاف العرب بذلك.
  • طرح الغزالي مفهوم "واجب الوقت" الذي يتغير بحسب ظروف المكلف وحاله، فما يجب عليه يتجدد حسب المستجدات.
  • بعد الإيمان بالشهادتين، يجب تعلم الطهارة والصلاة عند دخول وقتها.
  • يتوسع واجب الوقت ليشمل العبادات والمعاملات اللازمة للمسلم بحسب حاله.
  • فرّق بين الترك وعدم الفعل، حيث أن الترك يقتضي القصد والنية، بينما عدم الفعل لا يشترط ذلك.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الدرس واستكمال القراءة في كتاب العلم من إحياء علوم الدين

[الشيخ علي جمعة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة الإمام الغزالي الشافعي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وما زلنا نقرأ في كتاب العلم، تفضل يا شيخ محمد.

اختلاف الفرق في تحديد العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم

[الشيخ محمد وسام]: قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم، فتفرقوا فيه أكثر من عشرين فرقة، ولا نطيل بنقل التفصيل، ولكن حاصله أن كل فريق نزّل الوجوب على العلم الذي هو بصدده.

فقال المتكلمون: هو علم الكلام؛ إذ به يُدرك التوحيد ويُعلم به ذات الله سبحانه وصفاته. وقال الفقهاء: هو علم الفقه؛ إذ به تُعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل، وعنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النادرة.

وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة؛ إذ بهما يُتوصل إلى العلوم كلها.

أقوال المتصوفة وأبي طالب المكي في العلم الواجب على كل مسلم

وقال المتصوفة: المراد به هذا العلم [علم التصوف]، فقال بعضهم: هو علم العبد بحاله ومقامه من الله عز وجل. وقال بعضهم: هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمّة الملك من لمّة الشيطان. وقال بعضهم: هو علم الباطن، وذلك يجب على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك، وصرفوا اللفظ عن عمومه.

وقال أبو طالب المكي: هو العلم بما يتضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله» إلى آخر الحديث.

لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفية العمل فيها وبكيفية الوجوب.

ترجيح الغزالي أن العلم الواجب هو علم المعاملة بأقسامه الثلاثة

والذي ينبغي أن يقطع به المُحَصِّل ولا يستريب فيه ما سنذكره، وهو أن العلم كما قدمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم [الواجب] إلا علم المعاملة.

والمعاملة التي كُلِّف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة: اعتقاد، وفعل، وترك. فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة نهار مثلًا، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما، وهو قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

شرط دخول الإسلام بالشهادتين معاً وعدم الاكتفاء بواحدة منهما

[الشيخ علي جمعة]: وبواحدة منهما لا يدخل الإنسان الإسلام، فلو قال شخص: لا إله إلا الله، فإنه لا يدخل الإسلام، لا بد عليه أن يقول: محمد رسول الله. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فإذا لم يشهد الشهادتين لم يدخل الإسلام.

فإذا كان ممن يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو رسول من عند الله لكنه أُرسِلَ للعرب خاصة، فإنه لا بد عليه أن يضيف إلى ذلك تفسيرًا لشهادته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه أُرسِلَ للعالمين.

وجوب الإقرار بختم النبوة وشروط صحة الشهادتين الكاملة

فإذا كان ممن يعتقد أنه [النبي ﷺ] قد أُرسِلَ للعالمين إلا أنه ليس خاتمًا للنبيين، فإنه يجب عليه ولا يدخل الإسلام حتى يقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله أرسله الله للعالمين وجعله خاتمًا للنبيين. فإذا لم يقل هذا لا يدخل الإسلام بالشهادتين.

فالشهادتان يجب أن تكونا تامتين على المعنى: أنه يُفرد الألوهية بالتوحيد من ناحية، وأن يعتقد في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان رسولًا نبيًّا أنزل الله عليه القرآن وجعله خاتمًا للنبيين والمرسلين وقطع الوحي بعده وأرسله للعالمين.

وجوب الإقرار ببشرية عيسى عليه السلام ضمن الشهادتين

ويجب مع ذلك أن يعتقد أن عيسى كان نبيًّا ولم يكن إلهًا. فلو أنه اعتقد كل ذلك في محمد ﷺ ثم أنه اعتقد في عيسى أنه كان إلهًا، وجب عليه في الشهادتين أن يُقر بأن عيسى كان نبيًّا وأنه كان كلمة الله التي ألقاها الله لمريم، وأنه عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم كان بشرًا ونحو ذلك.

فلا بد إذن من [أن يكون الإقرار بالشهادتين مبنيًّا على فهم صحيح]، ليس المعنى الإقرار بالشهادتين النطق بهما [فحسب].

نموذج البهائية كفرقة ضالة خرجت عن الإسلام بعقائدها الباطلة

فهناك من الفرق الضالة التي ظهرت بعد ذلك وأجمع المسلمون — بل هم أنفسهم يقولون: نحن لسنا من المسلمين — كالبهائية مثلًا. فإنهم يعتقدون أن شخصًا قد حلّ الله فيه ويسمونه بهاء الله، وأن هذا [الشخص] وأنه ليس هناك يوم القيامة، وأن بهاء الله هذا بعد ما مات سوف يعود بعد ألف سنة مرة ثانية، وكل ألف سنة يأتيهم ربهم.

هذا وخرافات كلها خرافات وكلها مبنية على ترهات، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذا الحال: هو يقول إنه ليس مسلمًا، لكنه يؤمن بالله ويؤمن بالنبي، ويقول إنه رسول وأُرسل إلى العالمين، ولكن جاءت هذه البهائية ونسخت ديانة الإسلام.

النطق بالشهادتين يجب أن يكون مترجمًا عن العقيدة الصحيحة لا مجرد تلفظ

حسنًا، إذن النطق بالشهادتين هو المدخل الصحيح عندما تكون هذه الشهادة لله ولرسوله مترجمة عن العقيدة الصحيحة، وليس معنى النطق بهما تلفّظًا فقط، بل لا بد من اعتقاد معناهما الصحيح.

كفاية التصديق الجازم بالعقيدة دون الحاجة إلى تحرير الأدلة والبراهين

[الشيخ محمد وسام]: وليس يجب عليه أن يحصّل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، بل يكفيه أن يصدّق به ويعتقده جزمًا من غير اختلاج ريب واضطراب نفس. وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان؛ إذ اكتفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل.

فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت، وكان العلم الذي هو فرض عين عليه في الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما. وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت، بدليل أنه لو مات عقيب ذلك مات مطيعًا لله عز وجل غير عاصٍ له.

شرح الشيخ لكفاية التصديق دون برهان عند دخول الناس في الإسلام

[الشيخ علي جمعة]: يبقى إذن هو لا بد أن يُقر بهذه العقيدة الصحيحة من غير قيام أدلة. ما الدليل على وحدانية الله؟ بل على وجود الله؟ ليس هذا [مطلوبًا منه في هذا الوقت]!

كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة وأسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا، فجأة هكذا ويقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتكون ترجمة هذا في أذهانهم هذه العقيدة الصحيحة من غير برهان ولا دليل.

بل بأنه يصدّق أن الله واحد من غير إقامة براهين ولا أدلة، وأن هذا الإنسان [محمد ﷺ] هو رسول الله من غير إقامة براهين ولا أدلة.

اختلاف علماء الكلام في أول واجب على المكلف وطرافة قول أهل شنقيط

نعم، عند كل [فريق] في النظر اختلفوا فيها على اثني عشر قولًا في علم الكلام، اثني عشر قولًا: منها النظر، ومنها القصد إلى النظر، ومنها الإيمان، وكذا.

حتى قال إخواننا في موريتانيا في شنقيط: إن أول واجب على المكلف: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ — يعني معرفة اللغة؛ لأن اللغة هي التي سوف توصل إلى القصد ثم إلى النظر ثم إلى كذا وكذا وكذا.

وجعلوا اللغة هي أول واجب، ولهم هذه العبارة في كتبهم وفي دروسهم: أول واجب على المكلف معرفة قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلِ بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ فتوضح فالمقراة لم يعفر اسمها إلى آخر القصيدة.

أهمية تعلم اللغة العربية عند العلماء وحفظهم للمعلقات والأدب

حسنًا، وبعد ذلك يكون إذا [أتقن اللغة انتقل إلى ما بعدها]. نعم، كان أحمد باشا تيمور يُحفّظ ابنه الروائي المعروف محمود تيمور المعلقات السبع؛ لأن هذا أول واجب [عندهم]، أول واجب أن يعرف اللغة.

وكان كثير جدًّا من علماء الأزهر في أواخر القرن الثالث عشر يفعلون هذا، ومنهم من حفظ من أجل ذلك لسان العرب كالشيخ محمد راشد، ومنهم من حفظ كتب الأدب كالشيخ المرصفي شارح الكامل. وهكذا كان من هذا المعنى أنه أول واجب أن تتعلم العربية.

قصة السلطان سليم ومحاولته فرض اللغة العربية على المملكة العثمانية

نعم، ولما سمع السلطان سليم بشيء من هذا قال: سأفرض على المملكة اللغة العربية لأنها واجب، أول واجب. فنهاه شيخ الإسلام، وإلا كانت تركيا الآن معدودة في جامعة الدول العربية.

يعني لو أطاعه [السلطان سليم شيخ الإسلام في ذلك لكان الأمر مختلفًا]، غلطة كبيرة أنه منعه. من قال له: الإسلام ليس فيه فرض لغة. صحيح أن الإسلام ليس فيه فرض لغة، لكن إذا كان الحاكم قد فتح الله عليه وجعل قلبه مع هذا وكذا، كان بإمكانه أن يفرض عليهم أن تصير اللغة هي اللغة العربية وانتهى الأمر، كما حدث في الأندلس.

فالمهم أن في فوتات كثيرة في التاريخ الإسلامي، يعني مرت وانقضت. نعم، إنما أمر الله سبحانه.

وجوب تعلم أحكام الفعل والترك والاعتقاد بحسب العوارض المتجددة

[الشيخ محمد وسام]: وإنما يجب غير ذلك [غير تعلم الشهادتين] بعوارض تعرض، وليس ذلك ضروريًّا في حق كل شخص، بل يتصور الانفكاك عنها. وتلك العوارض إما أن تكون في الفعل وإما في الترك وإما في الاعتقاد.

أما الفعل، فبأن يعيش من ضحى نهاره إلى وقت الظهر، فيتجدد عليه بدخول وقت الظهر تعلُّم الطهارة والصلاة. فإن كان صحيحًا وكان بحيث لو صبر إلى وقت زوال الشمس لم يتمكن من إتمام التعلم والعمل في الوقت، بل يخرج الوقت لو اشتغل بالتعلم، فلا يبعد أن يُقال إن الظاهر بقاؤه، فيجب عليه تقديم التعلم على الوقت.

ويُحتمل أن يُقال إن وجوب العلم الذي هو شرط العمل بعد وجوب العمل، فلا يجب قبل الزوال. وهكذا في بقية الصلوات.

فكرة واجب الوقت عند الإمام الغزالي وتطبيقها على تعلم أحكام الصلاة

[الشيخ علي جمعة]: إذن أن كلمة واجب الوقت هي المقياس الذي يرشدنا إليه الشيخ الغزالي في هذا المقام. ما يُسمى بواجب الوقت، أي العلم هو واجب؟ قال: واجب الوقت.

واجب الوقت هذه فكرة عبقرية، فقال له: هو إذا بلغ الإنسان في الضحوة، في الضحى الساعة العاشرة، فيجب عليه أن يعرف الشهادتين. إذا استمر حتى الظهر دخل في واجب وقت آخر وهو تعلم الطهارة والصلاة؛ لأن هذا واجب عليه، فيجب عليه أن يتعلم.

إذا دخل بعد ذلك في العصر فيجب عليه أن يعرف أن العصر أربع ركعات، وأن وقتها يستمر إلى المغرب، فإذا دخل عليه المغرب وهكذا.

تطبيق فكرة واجب الوقت على المسلمين المعاصرين وأبنائهم

فكرة واجب الوقت هذه معناها أننا مسلمون أبناء مسلمين، نصلي منذ أن كان عمرنا تسع سنوات وثمان سنوات وأشياء مثل ذلك. والطفل ابن السنتين أيضًا يفعل هكذا ويصلي ويمشي، يعني الحمد لله ويعرف كل شيء ويتوضأ ويعمل وهو ابن خمس سنوات، والأمر يسير.

فما هو واجب وقتنا إذن؟ لا بد أن يكون هناك واجب للوقت. واجب وقتنا هو البحث العلمي، واجب وقتنا هو التعليم، واجب وقتنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب وقتنا هو التعلم.

استعمال فكرة واجب الوقت في التراث الإسلامي وتنوع تطبيقاتها المعاصرة

وهكذا يعني فكرة واجب الوقت هذه التي أشار إليها الشيخ الغزالي استعملتها أنا في كتبي كثيرًا. بمعنى دعوا الناس تقول: ما هذا؟ هذا شيء جديد! هذا ليس جديدًا، هذا شيء موجود في التراث: واجب الوقت.

يعني بعض الناس يظنون أنني أنا الذي اختلقت هذا الكلام من عقلي. لماذا عليّ أن أفهمها؟ حسنًا، افهم واجب الوقت. ماذا يعني تعمير الأرض؟ واجب الوقت أصبح الآن في كل شيء: في القوة، في الفنون، في الآداب، في عمارة الأرض، في تزكية النفس، في عبادة الله.

هناك واجب وقت، وواجب الوقت يختلف من شخص لآخر، فيجب عليك أن تقول:

﴿رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

لا بارك الله لي في يومٍ لم أزدد فيه علمًا، يعني هذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

فكرة واجب الوقت عند الغزالي فكرة قوية تؤدي إلى التكامل والكمال

إذن ففكرة واجب الوقت التي أشار إليها الإمام الغزالي هي فكرة قوية جدًّا، يمكن أن تُستعمل معنا في كل وقت وحين، ويمكن أن تكون في غاية التنوع بحيث أنها تؤدي في النهاية إلى التكامل والكمال.

الفرق بين الترك وعدم الفعل والقصد هو المعيار الفاصل بينهما

[الشيخ محمد وسام]: وأما التروك فيجب تعلم علم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال.

[الشيخ علي جمعة]: الترك غير عدم الفعل، والفرق بينهما القصد. قالوا لنا هكذا، علمونا هكذا. ما الفرق بين الترك وعدم الفعل؟ القصد. ماذا يعني القصد؟ النية.

يعني فهمنا: لا نفهم [الفرق إلا بمثال]. أنا لم يخطر ببالي أبدًا ولا عُرض عليّ أبدًا أن أشرب الخمر، فهذا يُعتبر عدم فعل. لم يحدث أن أحدًا قال لي: اشرب هذا الخمر، فقلت له: لا، لأنها حرام. لم يحدث ذلك.

أمثلة توضيحية على الفرق بين عدم الفعل والترك بالقصد والنية

فعدم شرب الخمر اسمه ماذا؟ عدم فعل. أنا أسير في حياتي لا فكرت فيها أبدًا ولا عرفتها ولا رأيتها ولا جعلتُها أمرًا عاديًّا في حياتي، فيكون ذلك عدم فعل.

أما إذا جاءني شخصٌ وقال لي: تفضل هذا الكأس، فقلتُ له: أعوذ بالله، هذه خمرٌ حرام، أنا لن أشربها، فهذا يُعَدُّ تركًا.

ما الفرق بينهما؟ في كلتا الحالتين أنا لست شاربًا، لكن في الحالة الأولى لم تخطر الفكرة على بالي، لكن الثانية قُدِّمت لي وأنا رفضتها بنية الترك.

قاعدة الفرق بين الترك وعدم الفعل هو النية والقصد مع أمثلة واقعية

فإذن نستطيع أن نضع قاعدة ونقول فيها أن الفرق بين الترك وعدم الفعل هو النية والقصد. فإذا لم يكن هناك قصد فهو عدم فعل.

يأتي شخص ويسألني بعد ستين سنة: هل شربت الخمر؟ فأقول له: لا. هذا عدم فعل. لا، بل كان هناك شخص يعمل وظيفة عُرِضت عليه فيها الخمر فرفض وضبط نفسه، أو كان في بلاد طبيعتها هكذا.

المسلمون الذين في تركستان تعرفهم مسلمين كيف؟ بأنهم لا يشربون الخمر ولا يأكلون لحم الخنزير. طيب يصلي؟ لا أعرف. يصوم؟ لا أعرف. إذن ماذا؟ قال: أنا مسلم، لا أشرب الخمر أبدًا. سبحان الله!

دور الأحكام الشرعية في حفظ إسلام الشعوب عبر التاريخ

الله! يعني كانت الخمرة والخنزير هذان حافظا على إسلام الشعوب. انظر كيف أن الدنيا حافظت على إسلام الشعوب! هو مسلم حتى الآن، مسلم. تعال صلِّ الجمعة، أهناك في الإسلام هكذا؟ نعم، هيا نصلي الجمعة. تعال احفظ القرآن، أهناك في الإسلام هكذا؟ نعم، هيا نحفظ القرآن.

إذن هذا الإسلام مهم غير الصلاة والصيام وترك القتل والزنا والسرقة. لا، هذا يمكن أن يكون يفعل كل هذا وهو مسلم أيضًا، ويمتنع عن الخمر والخنزير لأنه مسلم.

أهمية الأحكام الشرعية في الحفاظ على الإسلام وعودة أهل الأندلس إليه

فإذن هذه أمور مهمة، الأحكام الشرعية هذه أمور مهمة جدًّا؛ لأنها تحافظ على الإسلام الذي من بعده مباشرة يصبح الإنسان قريبًا جدًّا ويدخل مباشرة في العمل، لا يجلس يعاني من انتقاله من دين إلى دين ولا كذا إلى آخره.

وهذا يحدث الآن في ما يسمونها إسبانيا التي هي الأندلس. في قرطبة عاد الناس إلى الإسلام من أسمائهم: واحد اسمه عبد الرحمن، وواحد اسمه مدينة، وواحد اسمه مكة، يعودون إلى الإسلام الآن، رجع منهم كثير إلى الإسلام.

فإذن الأحكام الشرعية تحافظ على الناس. فالفرق بين عدم الفعل والترك القصد، فالقصد هنا مهم، والله أعلم.