مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 19 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 19 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • شبه الإمام الغزالي علوم الشرع بشجرة لها فروع مورقة تحتاج إلى تربة وماء، فالتربة هي المقدمات التي لا تنتمي للشجرة لكنها ضرورية لحياتها.
  • المقدمات تتضمن علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وهي ليست شرعية في ذاتها لكنها ضرورية لفهم النصوص الشرعية.
  • كان معظم النحاة والصرفيين في البداية غير مهتمين بالشريعة، ثم أصبح العلماء الشرعيون يهتمون بهذه العلوم كابن مالك والسيوطي وابن هشام.
  • التتمات هي علوم خادمة للكتاب والسنة كعلم الرجال والتوثيق والسند.
  • قسم الإمام علوم الشريعة إلى أربعة: أصول وفروع ومقدمات وتتمات.
  • ألحق الفقه بعلم الدنيا لأنه يتعلق بتنظيم الخصومات الناشئة بين الناس بسبب شهواتهم.
  • الفقيه هو معلم السلطان ومرشده لسياسة الخلق، فالدين والملك توأمان: الدين أصل والسلطان حارس.
  • الفقه متعلق بالدين بواسطة الدنيا، فالدنيا مزرعة الآخرة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

تشبيه الإمام الغزالي لعلوم الشرع بالشجرة ذات الفروع والمقدمات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

تحدثنا أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى شبّه علوم الشرع بشجرة لها فروع مورقة، هذه الشجرة تحدث عن المقدمات والتتمات، كما لو تحدثنا عن تربة الشجرة: كيف ندخل إليها؟ كيف نستفيد منها؟

لا بد إذن من تربة تحميها، نضع فيها الماء فيصل الماء إلى الشجرة، ولا يعني أن تجف وتتحول إلى غثاء أحوى؛ فلا بد علينا من تربة ولا بد لنا من ماء، وإلا كذلك.

التربة ليست من جنس الشجرة لكنها ضرورية لحياتها

فقال [الإمام الغزالي]: هذه التربة هي [ما يحيط بالشجرة]، قال: لا يبقى شيء خارج الشجرة. قال: خارج الشجرة، خارج الشجرة ليست من جنس الشجرة، يعني قال لها: ليست من جنس الشجرة، ولكن لا تحيا الشجرة إلا بها، لا تحيا عندك، يعني حسنًا.

قال إذن هذه مثل الأدوات [التي تخدم علوم الشرع]؛ علوم العربية: الكتاب [القرآن الكريم] مكتوب بالعربية، السنة مكتوبة بالعربية، الفقه مكتوب بالعربية؛ إذن يجب أن تعرف العربية، أي النحو والصرف والبلاغة وكل شيء لكي تفهم كتاب الله. هذه هي الأدوات التي تدخلك على الفهم.

علوم العربية ليست شرعية في ذاتها لكن المسلمين طوعوها لخدمة الشريعة

هذه الأدوات في ذاتها شرعية؟ قال [الإمام الغزالي]: لا، ليست شرعية. ما هي ليست شرعية الجماعة؟ هناك الأدباء يقولون لك قديمًا، أي في الأوائل: جميع نحاة الساق إلا أربعة.

لماذا قالوا يذهبون هناك؟ أي ليس لهم علاقة بالشريعة، لكن المسلمين طوّعوا هذا العلم خدمةً للشجرة وفروعها، حتى صار الشرعي هو الذي يريد أن يتعلم النحو.

فالأربعة هؤلاء: الكسائي، وأبو عمرو بن العلاء، وابن عامر الدمشقي، وابن يعقوب بن يعقوب، وهكذا يعني بالكاد.

النحاة الأتقياء من أولياء الله الكبار بعد الجيل الأول

الكسائي هذا كان نحويًا وكان صاحب [سيبويه]، وسيبويه هم قالوا: الكسائي وسيبويه وأبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد هم الذين لم يكونوا فاسقين، والباقي كله مبتلى.

ثم بعد ذلك، بعد جيل واثنين وثلاثة، أصبح لدينا سيدنا الإمام ابن مالك وهو من الأتقياء الأنقياء، من أولياء الله الكبار، سيدنا ابن مالك صاحب الألفية، وابن معطٍ، والسيوطي؛ هؤلاء جميعهم من أولياء الله الكبار، وكانوا قد أصبحوا نحاةً بعد ذلك، وابن هشام؛ كل هؤلاء من أولياء الله الكبار.

إنما هذا الكلام حكاية "إلا أربعة" هذا كان قديمًا في بدايات الحكاية.

علوم النحو والصرف والبلاغة تربة يمكن أن تُزرع فيها الورد أو الحنظل

إذن النحو والصرف والبلاغة وما لا نعرفه وهكذا إلى آخره، هي في ذاتها تربة؛ يمكن أن تُزرع فيها الورد، ويمكن أن تُزرع فيها الحنظل.

فإذن نحن الآن زرعنا فيها الورد الذي هو الأصول هذه والمقدمات، فنجده من المقدمات سيجري مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو. هذه هي المقدمات، نعم حسنًا، لكي تكون مقدمة ندخل بها على المقصود.

التتمات وعلاقتها بالسند والتوثيق بعد عصر الصحابة

والتتمات؟ [الدكتور محمد وسام]: ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ؛ تعلّم القراءات ومخارج الحروف.

[الشيخ]: نعم، ما هي التتمات إذن التي هي السنة؟ أنا سمعتها من النبي ﷺ، أنا صحابي وسمعتها من النبي ﷺ، لست محتاجًا لسند. بَعُدنا عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في الزمن؛ يصبح محتاجًا للتوثيق.

فهذه تتمات القرآن؛ سيدنا [النبي ﷺ] هو الذي علّمني، انتهى الأمر. هذا أمر جميل جدًا، هذا أمر عظيم. بَعُدنا يصبح لازمًا من السند، يصبح إذن التوثق والتوثيق.

أهمية علم التجويد ومخارج الحروف بعد فقدان السليقة العربية

أنا عربي أصيل، فالحاء ينطقها حاءً هكذا، هو عندما يقول:

﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: 1]

هكذا على الفور، سهلة هكذا. عندما جاءت العجمة قلت: "والضحى"، فالشيخ قال لي: لا، ليس هكذا، ليس اسمها هكذا، العرب لا تقول هكذا.

فما هذا الأمر الذي سيظل الشيخ يقول لي: لا تقول هكذا ولا تقول هكذا؟ من أين جاء؟ من أنني فقدت الملكة [والسليقة العربية]، فهو يريد أن يكملها. قال: لا، هذه تسمى "والضحى" حاء مش ح [أي بمخرجها الصحيح].

التتمات تخدم الكتاب والسنة وتقسيم علوم الشريعة إلى أربعة أقسام

يبقى إذن التتمات مجموعة من العلوم تخدم ماذا؟ قلنا: ما هو منه المنطلق وإليه العودة وله الخدمة وبه التقويم، أربعة هكذا احفظوها. تخدم الكتاب والسنة؛ علوم الرجال، وعلوم التجويد، وعلوم كذا وكذا.

يبقى تكلم الإمام [الغزالي] على أن علوم الشريعة أربعة: أصول، وفروع، ومقدمات، وتتمات. وشبّه ذلك الشجرة المفرّعة المورقة في التربة الصالحة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يجعلها سببًا للفائدة وللاستفادة وللحياة، نعم.

سبب إلحاق الفقه بعلم الدنيا ومراحل خلق الإنسان من التراب إلى الآخرة

[الدكتور محمد وسام]: فإن قلت: لماذا ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، وأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار.

فهذا مبدؤهم وهذا غايتهم وهذه منازلهم. وخلق الدنيا زادًا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود؛ فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطّل الفقهاء، ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولّدت منها الخصومات.

لو عدل الناس لاستراح القاضي والحاجة إلى السلطان والفقيه لضبط أمور الدنيا

[الشيخ]: يعني لو أن الناس عدلت لارتاح القاضي، وما كنا في حاجة إلى كل هذا، ولكن الناس غير راضية أن تعدل، نعم.

[الدكتور محمد وسام]: فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به؛ فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات.

فكان الفقيه معلّم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا.

علاقة الفقه بالدين عبر واسطة الدنيا والملك والدين توأمان

ولعمري إنه متعلق أيضًا بالدين، ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا؛ فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا.

والملك والدين توأمان: فالدين أصل والسلطان حارس؛ وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع. ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه.

[الشيخ]: والله تعالى أعلى وأعلم. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم.