مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 22 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 22 | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • يبين الإمام الغزالي في كتاب العلم أهمية الفقه مع تأكيده أنه لا يكفي وحده، فهو كعلم الطب مهم لكن يحتاج معه التوكل على الله.
  • الغزالي كان من كبار الفقهاء الشافعية وألف كتباً صارت عمدة المذهب، وهو يدعو للفقه لكن يضيف إليه علم السلوك إلى الله.
  • شرح الغزالي الورع وأقسامه الأربعة: ورع القضاء (للفقهاء)، وورع الصالحين (بالاحتياط عند الاشتباه)، وورع المتقين (ترك الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام)، وورع الصديقين (مراقبة الأنفاس).
  • مثال ورع الصالحين: ترك الشبهات في المحل أو المذهب، والخروج من الخلاف.
  • مثال ورع المتقين: كترك النووي لفاكهة دمشق خشية اختلاطها بالأوقاف.
  • ورع الصديقين يتطلب قلباً شفافاً ومراقبة دقيقة للنفس.
  • التحذير من المتطرفين الذين يريدون هدم الإسلام وإغلاق فهم الكتاب والسنة.
  • الدعوة للرجوع إلى كتب العلماء المعتبرين التي قبلها المسلمون.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة كتاب إحياء علوم الدين وبيان أهمية الفقه مع عدم كفايته وحده

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، وهو في كتاب العلم يبيّن لنا أهمية الفقه، إلا أنه لا يكفي وحده، وأن الفقه من علوم الدنيا والصنائع كالطب؛ فالطب مهمٌّ لكنه لا يكفي وحده.

لا بدّ أن تقول: يا ربِّ، يا ربِّ اشفني، يا ربِّ. لا تمتنع عن أخذ الدواء، لا بدّ أن تأخذ الدواء، إنما نفسيتك عندما تكون متوكلة على الله، هذا يساعد أيضًا في الشفاء. فالقضية ليست أنك تترك الطب.

الرد على من يزعم أن الغزالي يدعو إلى ترك الفقه وبيان مكانته الفقهية

ويقول أحدهم: الله، يبدو أن الشيخ الغزالي درويش يريدنا أن نترك الفقه! هذا كاذب؛ فالشيخ الغزالي كان من كبار الفقهاء، كان فقيهًا شافعيًا، ألّف البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة، وصارت كتبه هي عمدة المذهب [الشافعي] فيما بعد.

إذن دعك من هذا الدجل؛ الإمام الغزالي فقيه، ويدعو إلى الفقه، ويقول إنه لا يكفي. إذن عندما تقول أنه لا يكفي، لا تقل إنه يقول لا يوجد فقه، بل هو يقول أن هناك فقه، وهذا الفقه وحده لا يكفي، بل لا بدّ من علم السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.

تفصيل أقسام الورع الأربعة وبيان ورع القضاء وورع الصالحين

ومع تفصيله [الإمام الغزالي] للحلال والحرام، وأنه مبناه الورع، وأن الورع على أربعة أقسام:

  1. قسم منها يهتم به الفقيه، وهو ورع القضاء، أو ورع الشهود، ورع الظاهر.
  2. وقسم هو ورع الصالحين.
  3. وقسم هو ورع المتقين.
  4. وقسم هو ورع الصديقين.

أما ورع الصالحين فيأتي بالاحتياط، بالاشتباه. والاشتباه قد يكون واجبًا وقد يكون مندوبًا إليه؛ فإذا حدث اشتباه في المحل فالاحتياط واجب، ليس هذا من قبيل الورع [المندوب].

أمثلة على الاحتياط الواجب عند الاشتباه في المحل كالطعام والشراب والنكاح

الدجاجة التي أمامي هذه لا أعرف إن كانت مذبوحة أم غير مذبوحة أم مخنوقة، فيجب عليّ أن أتركها. هذا السائل الذي أمامي لا أعرف إن كان خمرًا أم شرابًا، فيجب أن أتركه.

المرأة التي أمامي هذه، لا أعرف إذا كنتُ قد رضعت عليها أم لا، فيجب أن أتركها. وهكذا، إذن ستكون الشبهة في المحل [وهذا يوجب الاحتياط].

شبهة الخلاف بين المذاهب ومثال البسملة في الفاتحة والترتيب في الوضوء

والشبهة الأخرى تكون شبهة مذهب؛ الإمام الشافعي يقول يجب أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة، الإمام أبو حنيفة يقول ليس من الضروري أن تقوم بقراءتها. فإذن تَقُلها؛ لأن أبو حنيفة لم يقل لك أنك مخطئ إذا قرأتها، لكن الإمام الشافعي قال لك إنك مخطئ إذا تركتها.

وبالمثل، الإمام الشافعي قال إن الترتيب في الوضوء واجب ولا يصح الوضوء بدونه، والإمام أبو حنيفة قال لا داعي للترتيب. دعنا نتبع الشافعي في هذا الموضع، نتبع الشافعي.

بيان الخروج من الخلاف بين المذاهب وتسميته ورع الصالحين

يحدث شيء فيسأل سائل: أهو واجب [الترتيب في الوضوء]؟ قال: لا، مندوب. أنا حنفي ولا أريد أن أرتب؛ سأغسل رجلي أولًا، ثم وجهي، ثم يدي، ثم رأسي وأمسحها هكذا.

أبو حنيفة يقول: جائز، ما دمت غسلت الأعضاء خلاص. الشافعي يقول: لا، هذا الكلام لا ينفعنا. حسنًا، جئت أنا ورتّبت؛ أبو حنيفة لا يغضب، لكن إذا لم أرتب فالشافعي سيغضب.

فتكون هناك شبهة، فيكون الخروج من الخلاف مندوبًا ومستحقًا، ويكون هذا ورعًا؛ كلما وجد شيئًا مشتبهًا أعمل الشيء الذي يرضي الجميع، كلما وجد شيئًا مشتبهًا به. هذا هو الورع وسمّوه ورع ماذا؟ الصالحين.

ورع المتقين وهو ترك ما لا بأس به خوفاً من الوقوع فيما فيه بأس

الورع الثاني الذي هو ورع المتقين، قال لك: لا، هذا الأمر لا بأس به، ومن المعروف أنا لن أقوم به؛ ترك ما لا بأس به خوفًا من الوقوع فيما فيه بأس.

أُسِرت في الحرب، عندما أُسِرت في الحرب أوقعني العدو على الأرض، استلقيت على الأرض، ثم جاء في اليوم الثاني واليوم الثالث، وعندما مضى أسبوع، أحضر لي سريرًا؛ يريد أن يستدرجني، جلب لي السرير، وبعد أن أعتاد عليه سيسحبه مني.

مثال عملي على ورع المتقين في ترك الحلال خشية سيطرة العدو

عندما نمت على الأرض لم أشتكِ، فعندما أنام على السرير ثم أعود للنوم على الأرض لن أستطيع، فيريد [العدو] أن يمسك عليّ شيئًا.

قلت له: خذ السرير، سنضع عليه الأدوات وسأظل أنام على الأرض. فأكون قد تركت ما لا بأس به خيفة أن أقع فيما فيه بأس، وهو أن العدو يكون له كلمة عليّ أو موقف متفوق أو شيء متعالٍ. هذا هو ورع المتقين: يدع الحلال تورعًا.

الإمام النووي وتركه فاكهة دمشق تورعاً خشية اختلاط الأوقاف

جاء الإمام النووي وترك فاكهة دمشق. فقالوا له: لماذا تترك فاكهة دمشق؟ لماذا لا تأكل الفاكهة؟ هل الفاكهة حرام؟ قال: هل الفاكهة التي نملكها حلال؟ فلماذا لا تأكلها إذن؟

قال: والله إنها حلال، لكنني أخشى أن تكون قد دخلت فيها أوقاف، والأوقاف سُلبت في عصر من العصور واختلطت، ولست أعرف كيف أصل إلى الحقيقة. إذن هي حلال؟ قال: نعم، حلال، لكنني لن آكلها. سبحان الله!

الإمام النووي وتركه الزواج انقطاعاً للعلم وبيان ورع المتقين

يا أخي، أنا لست آكلًا لها. ولم يتزوج [الإمام النووي]. ولماذا؟ هل الزواج حرام؟ قال: لا طبعًا، هو سنة، لكنني أحب العلم ومنقطع له ليلًا ونهارًا؛ إذا تزوجت سأظلمها معي، ستكون هناك أولاد وأسرة وما إلى ذلك من مسؤوليات وخلافه، فلندعنا هكذا. وعاش ومات وهو أعزب.

إذن فماذا يسمون هذا الورع؟ ورع المتقين: ترك الحلال خيفة أن تقع في الحرام.

ورع الصديقين أو ورع الأنفاس ومعنى مراقبة النفس على مستوى الشهيق والزفير

النوع الثالث يعرفه الصوفية، أما الفقهاء فلا يعرفونه، يسمونه ورع الصديقين أو ورع الأنفاس.

ما هي هذه الأنفاس؟ قال لك: مراعاة الأنفاس. ما معنى أنفاس؟ فأنا لا أفهم. قال: نَفَس خارج ونَفَس داخل، الشهيق والزفير. يعني أنك تراقب نفسك على مستوى الأنفاس؛ فما من نَفَسٍ يدخل وتأمل أنه يخرج ثانيةً، وما من نَفَسٍ يخرج ولديك أمل أن يدخل ثانيةً.

ما هذا؟ ما هذا؟ أفي جزء من الفيمتو ثانية يحدث هذا أم ماذا؟ هذه لن تستغرق ثانية، فإنك تجد في الثانية الواحدة أننا نقوم بالشهيق والزفير عدة مرات.

ورع الأنفاس يتطلب تدريباً وتربية ولا يُتعلم إلا في كتب التصوف

كيف ذلك؟ هذا يتطلب قلبًا شفافًا نقيًا، ويتطلب تدريبًا، ويتطلب تربية، وتريد مجهودًا.

حسنًا، أريد أن أتعلم هذا الجزء المتعلق بالأنفاس؛ هذا لن تتعلمه هنا في الفقه، ستتعلمه في كتب التصوف.

الرد على من يُبدّع مراقبة الأنفاس وبيان أن سيدنا عمر قال بها

هذه بدعة، هل يُعقل أن يشغل المرء نفسه هكذا؟ سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، سيدنا عمر، يا قليل الأدب! سيدنا عمر هو الذي قال بمراعاة الأنفاس.

ولذلك يا إخواننا نحن في خطورة أننا نواجه أناسًا يحملون المعاول ويأتون بجوار الهرم [هرم الإسلام] ليهدموه. صحيح أن الهرم قد تعرض لخدشين من معاولهم، فهم يجلسون طوال النهار والليل يعملون هكذا.

التحذير ممن يريدون هدم الإسلام والدعاء عليهم وبيان خطورة التضليل

والناس تنظر إليهم وتقول: ربنا يفتح عليكم، اهدموا اهدموا! دمَّركم الله، لا إله إلا الله، وليُهلك هؤلاء الذين يريدون هدم الإسلام. ربنا يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

هذه عملية خطيرة جدًا؛ أنك تحرمني مما يجعل الله يدخلني الجنة، وأنك تقدم لي معلومات خاطئة خاطئة خاطئة، فتحرمني من فهم الكتاب والسنة، وأنك تُغلق عليّ بدعوى الكتاب والسنة. ما هذا الضلال؟

تحذير النبي ﷺ من سفهاء الأحلام الذين يقولون من كلام خير البرية

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام حذرنا منهم وقال:

«سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان، يقولون من كلام خير البرية»

ما هذا، أمعقول؟ يقولون: قال الله وقال الرسول! نعم، لا يتجاوز إيمانهم تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، من قتلهم كان أولى بالله منهم.

ما هذا؟ من هؤلاء؟ أشياطين هم أم ماذا؟ ليس لهم حل. هذه مشكلة لك.

الدعوة إلى الرجوع لكتب العلماء الموثوقة والتحذير من تسليم الدين لغير أهله

إذن يقول لك: حسنًا، ابحث وأنا ابحث، ابحث ونبحث، فماذا يحدث؟ ما هذا؟ هذا دين يا إخواننا، وعلم الأديان أولى عندنا من علم الأبدان.

وعلم الأبدان خطير، ولا نسلّم أبداننا لشخص غير طبيب ليجري فيه عملية جراحية؛ فحتى لو نجح يُقبض عليه، لأن المستشار مؤتمن. فهذا ما نحن فيه.

فحذارِ حذارِ، فقد أزفت الآزفة، وهيا بنا نرجع إلى كتب الناس الطيبين التي لاقت قبولًا لدى المسلمين شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، ولا ينكرها إلا مبتدع. إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.