مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 24 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 24 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • قسّم الإمام الغزالي العلوم إلى مكاشفة ومعاملة، والمكاشفة لا تقدر عليها اللغة ولا تُدوّن في الكتب.
  • علم المعاملة هو علم أحوال القلب، ويشمل الأخلاق المحمودة كالصبر والشكر والتقوى والإخلاص، والصفات المذمومة كالكبر والحسد والرياء.
  • معرفة حقائق هذه الأحوال وأسبابها وعلاجها هي علم الآخرة، وهي فرض عين بفتوى علماء الآخرة.
  • انتقد الغزالي الفقهاء المنشغلين بفروض الكفاية كالفقه والجدل مع إهمالهم فروض الأعيان المتعلقة بتزكية النفس.
  • أشار إلى أن الكثيرين يتهافتون على علم الفقه لا لخدمة الدين بل لتولي المناصب وحيازة الأموال والتسلط على الآخرين.
  • تزكية النفس تكون بالتخلية من الصفات المذمومة والتحلية بالفضائل مما يؤدي إلى التجلي وتحقيق سمت النبوة.
  • فرض العين مقدم على فرض الكفاية، وعلى المسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل الاشتغال بغيرها.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وافتتاح كتاب العلم من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

ومع كتاب العلم، وفيما ذكره [الإمام الغزالي] حول علوم المعاملة؛ فقد قسّم العلوم قبل ذلك إلى مكاشفة ومعاملة، وقال إن المكاشفة لا تقدر عليها اللغة ولا تستطيعها، ولذلك لا نجدها مدونة في الكتب، وإنما يتفاهم من ذاقها ووصل إليها بعضهم مع بعض.

أما الذي ذُكِر في الكتب وهو أيضًا من علم التصوف وهو أيضًا من درجة الإحسان في المقابل، هو علم المعاملة، ونقرأ الآن ما ذكره إمام الأئمة عن علم المعاملة.

تعريف علم المعاملة وبيان الأخلاق المحمودة التي تُكتسب بها

[الشيخ]: اقرأ يا شيخ محمد.

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى:

وأما القسم الثاني وهو علم المعاملة، فهو علم أحوال القلب؛ أما ما يُحمد منها فكالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء، ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن المعاشرة والصدق والإخلاص.

فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي بها تُكتسب وثمراتها وعلاماتها، ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال حتى يعود، من علم الآخرة.

بيان الأخلاق المذمومة التي يجب التخلي عنها من صفات القلب

وأما ما يُذم؛ فخوف الفقر وسخط المقدور، والغل والحقد والحسد والغش؛ وطلب العلو وحب الثناء وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع؛ والكبر والرياء والغضب والأنفة والعداوة والبغضاء؛ والطمع والبخل والرغبة والبذخ والأشر والبطر.

وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء؛ والفخر والخيلاء والتنافس والمباهاة؛ والاستكبار عن الحق والخوض فيما لا يعني وحب كثرة الكلام؛ والصلف والتزين للخلق والمداهنة والعجب.

والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس؛ وزوال الحزن من القلب وخروج الخشية منه وشدة الانتصار للنفس إذا نالها الذل وضعف الانتصار للحق؛ واتخاذ إخوان العلانية على عداوة السر.

تتمة الأخلاق المذمومة وبيان أنها مغارس الفواحش ومنابت المحظورات

والأمن من مكر الله تعالى في سلب ما أعطى والاتكال على الطاعة والمكر والخيانة والمخادعة؛ وطول الأمل والقسوة والفظاظة؛ والفرح بالدنيا والأسف على فواتها والأنس بالمخلوقين والوحشة لفراقهم والجفاء والطيش والعجلة وقلة الحياء وقلة الرحمة.

فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة، وأضدادها وهي الأخلاق المحمودة منبع الطاعات والقربات.

فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا.

المقارنة بين اهتمام الفقهاء بفروض الكفاية وإهمالهم لفروض العين

فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وهذا [علم المعاملة] بالإضافة إلى صلاح الآخرة.

ولو سُئل فقيه عن معنى من هذه المعاني، حتى عن الإخلاص مثلًا، أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرياء، لتوقف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة.

ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج إليها لم تخلُ البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها.

انتقاد من يشتغل بفرض الكفاية ويغفل عن فرض العين في الدين

فلا يزال يتعب فيها [في التفريعات الفقهية] ليلًا ونهارًا وفي حفظه ودرسه، ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين.

وإذا رُوجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض كفاية، ويُلبِّس على نفسه وعلى غيره في تعلُّمه.

والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدَّم عليه فرض العين، بل قدّم عليه كثيرًا من فروض الكفايات؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحدًا يشتغل به.

إنكار الغزالي على من يتهاترون على الفقه ويتركون ما هو أولى منه

ويتهاترون على علم الفقه، لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع.

فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به!

هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء؟

هيهات، هيهات! قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء، فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يُسخط الرحمن ويُضحك الشيطان.

الأصل في العبادة عمارة الدنيا وتزكية النفس بالتخلية والتحلية

[الشيخ]: إذن فالأصل هو عبادة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعبده، وذلك من خلال أمرين:

  1. الأمر الأول: هو عمارة الدنيا.
  2. الأمر الثاني: هو تزكية النفس.

أما عمارة الدنيا فقد قام بها الفقهاء وفصّلوا أمرها تفصيلًا وقسّموا أقسامها وبيّنوها بكل دقة، وهو [الإمام الغزالي] يسميهم هنا علماء الدنيا، وهذا لا بد منه لإصلاح حال الدنيا وعمارتها.

إلا أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أيضًا بتزكية النفس، وتزكية النفس تتأتى بالتخلية والتحلية، قالوا: من تخلّى ثم تحلّى للأنوار تجلّى.

شرح مراحل التزكية من التخلي عن القبائح إلى التحلي بالفضائل

إذن في التحلي والتخلي والتجلي:

أما التخلي فهو التخلي من كل قبيح، وضرب الإمام [الغزالي] مثلًا لذلك بالأخلاق الرديئة كالكبر والحقد والحسد والأنفة والبغضاء وحب الدنيا وهكذا.

وضرب أيضًا مثلًا للتحلي بالتواضع لله والحب لله والهدوء النفسي والشفافية، وكل ما سرده مما سوف يذكره تفصيلًا في كتابي أو ربعي المهلكات والمنجيات بالتفصيل.

لكنه يرسم لك الخريطة أن علم المعاملة إنما هو علم الآخرة، وفي مقابله علم الدنيا؛ علم الدنيا من باب فرض الكفاية، وفرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وعلم الآخرة هو من باب فرض العين.

التعجب ممن يقدم فرض الكفاية على فرض العين في تعلم الأخلاق والسلوك

فكل واحد منا لا بد أن يُخلي قلبه من القبيح وأن يزينه بالصحيح، ولذلك يتعجب [الإمام الغزالي] من أولئك الذين يبادرون لتعلم الفقه ولكنهم يغفلون تمام الغفلة عن تعلم الأخلاق والسلوك إلى ملك الملوك.

ويتعجب ويقول: كيف هذا؟ إذا رأيت هذا [الفقه] فرضًا فلتعلم أنه فرض كفاية، فكيف قدمته على فرض العين؟ وفرض العين مقدم بلا شك على فرض الكفاية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»

«ابدأ بنفسك ثم بمن يليك»

وقال صلى الله عليه وسلم:

«أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك»

وجوب محاسبة النفس وتقديم فرض العين على فرض الكفاية

فلا بد للإنسان أن يبدأ بنفسه، وقال صلى الله عليه وسلم:

«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»

ولذلك فالإنسان العاقل إنما هو خصيم نفسه، وليبدأ بنفسه وليُربِّ نفسه، ولذلك كان فرض العين مقدمًا على فرض الكفاية، لكن الناس عكسوا ذلك.

قال [الإمام الغزالي]: وإذا كنتم تذهبون إلى الفقه وتتركون الطب في أيدي غير المسلمين، فما هذا الذي تفعلونه؟ ولمَ فعلتم هذا؟ إنكم فعلتموه للدنيا.

فيريد [الإمام] أن يحرر قلب من تصدر للفقه ومن تمثّل أمام الناس به ولكنه لا يفعل ذلك لله، إنما لشهرة أو زعامة أو أموال أو لغير ذلك من الأمور التي نراها ولا نزال نراها في عصرنا الحاضر.

انتقاد من يترك تخصصه ويزاحم الفقهاء دون علم ولا شيخ

وكأنه [الإمام الغزالي] يكتب لنا، يترك الطب ويترك تخصصه الذي نحن في أشد الحاجة إليه ليزاحم الفقهاء، ثم إنه لا يتقن ذلك ولا يسير سير السير المعتبر في هذا.

لا ترى له شيخًا ولا تسمع له مذهبًا ولا تعلم له أستاذًا ولا أي شيء، ظهر هكذا كنبتة من النباتات، لم يرد هذا [العلم الشرعي المنضبط] وأراد هذا [الظهور] على سبيل الهوى.

ولما كان ذلك؟ لأنه التف حوله أناس كالتفاف الذباب على القمامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهذا لا يُرضي الله وفيه التفات عن الآخرة، ولا بد علينا مرة بعد أخرى أن نعود إلى الالتفات إلى الآخرة وإلى علوم الآخرة.

سمت النبوة والهيئة التي يصل إليها من تخلى وتحلى

هذا الوصف الذي وصفه الإمام [الغزالي] في علم المعاملة من التخلية ثم التحلية من أجل أن تحدث التجلية، هذا أشعر فيه بما يسمى بـسمت النبوة.

الهيئة هكذا: رجل هادئ الطبع لا ينازع الناس الدنيا، صادق شفاف لا يحقد على أحد، قلبه مملوء بالحب، والحب عطاء، فهو يعطي الناس، وتراه رفيقًا شفيقًا أنيقًا.

هذا شيء جميل، إنه سمت النبوة، يعني عندما ترى هذه الأخلاق التي تحدث عنها الإمام [الغزالي]، ترى أنه يريد بك أن تصل إلى سمت النبوة.

وخيركم من إذا رآه الناس ذكروا الله، يعني عندما تراه تقول: لا إله إلا الله، هذا الرجل طيب، هذا الرجل من أهل الله، يذكرك بالله.

الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في المظهر والأثر

أما الثاني الذي يذكرك بجهنم أو يذكرك بمجموعة من الشياطين أو يذكرك بشيء من هذا الاعوجاج الذي يعيش فيه البشر، فإنا لله وإنا راجعون.

كان شيخنا رحمه الله يقول: يا أخي، كان المرء في شبابه يرى شيطانًا أو اثنين يمشيان في الشارع، أما الآن فقد كثروا، وهناك كثير من الناس يشبهون الشياطين، أي أن مظهرهم يذكرك بالشياطين ولا يذكرك بالرحمن.

ولذلك فهناك فرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

غرض علم المعاملة الوصول إلى سمت النبوة والاقتداء بالنبي ﷺ

فالغرض من علم المعاملة أن تكون على سَمْت النبوة، وأن تكون وردة يشمّها الناس، وأن تكون قد اتخذت أسوة حسنة لك سيدنا صلى الله عليه وسلم:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]

وهو [النبي ﷺ] الذي قال:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

والأخلاق عنده صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وآله، واحشرنا معهم يا أرحم الراحمين تحت لوائه يوم القيامة، وأدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.